الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث السادس: بعض آداب طلب العلم:
المطلب الأول: التعليم بالعمل:
التعليم بالعمل أبلغ من التعليم بالقول، وأسرع في الوصول إلى الامتثال، والتصور من غيره، ولذلك كانت تربية النبي صلى الله عليه وسلم في كثير من أحواله - لأصحابه عملية كالصلاة مثلا (صلوا كما رأيتموني أصلي)
(1)
، والحج (لتأخذوا عني مناسككم)
(2)
.
وكان ابن الجوزي - رحمه الله تعالى - يولي هذا الجانب في صيد الخاطر اهتماما كبيرا، ومن أحسن ما ذكره في ذلك ما يلي:
قال رحمه الله: (لقيتُ مشايخَ، أحوالُهم مختلفةٌ، يتفاوتون في مقادِيرِهم في العلم.
وكان أنفعُهُم لي في صحبتِهِ، العاملَ منهم بعلمه، وإن كان غيرُهُ أعلمَ منه.
ولقيتُ جماعةً من علماء الحديث يحفظون، ويعرفون، ولكنهم كانوا يتسامحون بغيبةٍ يخرجونها مخرجَ جرحٍ وتعديلٍ، ويأخذون على قراءة الحديث أُجرةً، ويسرعونَ بالجواب لئلا ينكسرَ الجاهُ، وإن وقع خطأٌ.
(1)
أخرجه البخاري باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة ح 595.
(2)
أخرجه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبا وبيان قوله صلى الله عليه وسلم لتأخذوا مناسككم ح 2286.
ولقيتُ عبدَ الوهاب الأنماطي:
فكان على قانونِ السلفِ.
لم يُسمعْ في مجلسه غيبةٌ، ولا كان يطلب أجراً على سماع الحديث.
وكُنتُ إذا قرأتُ عليه أحاديث الرقائق بكى، واتصل بكاؤُه.
فكان -وأنا صغيرُ السنِّ حينئذٍ-يعملُ بكاؤُه في قلبي، ويبني قواعد الأدب في نفسي، وكان على سمت المشايخ الذين سمعنا أوصافهم في النقل
(1)
.
ولقيت الشيخَ أبا منصور الجواليقي:
فكان كثيرَ الصمتِ.
شديدَ التحري فيما يقول، متقناً محققاً.
(1)
عبدالوهاب بن المبارك بن أحمد الأنماطي الحافظ أبو البركات محدث بغداد ولد سنة (462 هـ) وتوفي سنة (538 هـ) وهو من كبار الحنابلة المحدثين، وكان ابن الجوزي متأثراً به، لا يكاد يترك ذكره في كثير من كتبه، ولا يلام في ذلك فقد ذكر عنه أشياء عجيبة تدل على الخشية والعمل والورع والزهد، قال ابن رجب عنه في ذيل طبقات الحنابلة 1/ 456: وذكره ابن الجوزي في عِدَّة مواضع من كتبه، كمشيخته، وطبقات الأصحاب المختصرة، والتاريخ، وصفة الصفوة، وصيد الخاطر. وأثنى عليه كثيراً، وقال: كان ثقةً ثبتاً ذا دين وورع، وكنت أقرأ عليه الحديث وهو يبكي، فاستفدت ببكائه أكثر من استفادتي بروايته، كان على طريقة السلف، وانتفعت به ما لم أنتفع بغيره، ودخلت عليه في مرضه -وقد بلى وذهَبَ لحمُه- فقال لي: إنَّ الله عز وجل لا يُتهمُ في قضائه.
وقال أيضاً: ما رأينا في مشايخ الحديث أكثر سماعاً منه، ولا أكثر كتابة للحديث بيده مع المعرفة به، ولا أصبر على الإقراء، ولا أسرع دمعة وأكثر بكاء مع دوام البشر وحسن اللقاء.
وقال أيضاً: كنت أقرأ عليه الحديث من أخبار الصالحين، فكلما قرأتها بكى وانتحب، وكنا ننتظره يوم الجمعة بجامع المنصور فلا يجيء من قنطرة باب البصرة وإنما يجيء من القنطرة العتيقة. فسألته عن هذا؟ فقال: تلك كانت دار ابن معروف القاضي، فلما غضب عليه السلطان أخذها وبنى عليها القنطرة.
قال لنا: وسمعتُ أبا محمد التميمي يحكي عن ابن معروفٍ: أنه أحل كل من يجوزُ عليها، إلا أني أنا لا أفعل.
قال: وكانت فيه خلة أخرى عجيبة: لا يغتاب أحداً، ولا يُغتاب عنده. وكان صبوراً على القراءة عليه، يقعد طول النهار لمن يطلب العلم. وكان سهلاً في إعارة الأجزاء لا يتوقف، ولم يكن يأخذ أجراً على العلم، ويعيبُ من يفعل ذلك، ويقول: علِّمْ مجاناً كما عُلِّمتً مجاناً .... الخ.
وربما سُئِلَ المسألةَ الظاهرةَ التي يبادر بجوابها بعضُ غلمانه، فيتوقف فيها حتى يتيقن، وكان كثيرَ الصوم والصمت.
فانتفعت برؤيةِ هذينِ الرجلينِ أكثرَ من انتفاعي بغيرهما.
ففهمت من هذه الحالة: أن الدليل بالفعل أرشد من الدليل بالقول.
ورأيتُ مشايخَ كانت لهم خلواتٌ في انبساطٍ ومُزاحٍ، فراحوا عن القلوب، وبدد تفريطُهم ما جمعوا من العلم، فقلَّ الانتفاعُ بهم في حياتِهم، ونُسُوا بعد مماتهم، فلا يكاد أحدٌ أن يلتفت إلى مصنفاتهم.
فالله الله في العمل بالعلم فإنه الأصل الأكبر.
والمسكينُ كلُّ المسكينِ مَنْ ضاعَ عمُرُه في علمٍ لم يعمل به، ففاتته لذاتُ الدنيا، وخيراتُ الآخرة، فَقَدِم مُفلِساً مع قوةِ الحجةِ عليه)
(1)
.
(1)
انظر: صيد الخاطر 147.