الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخلاف المطلق من الروايات والأوجه والاحتمالات فقط، ففاتهم شيء كثير جداً مع مسيس الحاجة إليه أكثر مما فعلوا)
(1)
.
وإذا كانت المختصرات الفقهية قد خلت من الخلاف، سواء أكان خلافا مطلقا أم غيره فإنها لم تخل من بقية الأمور الأخرى - التي عملها الشيخ المرداوي مع المقنع - كالإبهام في الحكم واللفظ، والمطلق الذي هو مقيد ولم يقيده الْمُخْتَصِرُ، والعموم الذي هو مستثنى منه بعض الصور، والخلاف للمذهب في بعض المسائل، وغير ذلك، والتي جعلها الشيخ المرداوي -رحمه الله تعالى - أكثر أهمية من تصحيح الخلاف المطلق، كما تقدم قوله قريبا:(إنما يصححون الخلاف المطلق من الروايات والأوجه والاحتمالات فقط، ففاتهم شيء كثير جداً مع مسيس الحاجة إليه أكثر مما فعلوا).
وقد أتى بعض الشراح لتلك المتون المختصرة على كثير من تلك الأمور، فينبغي للشيخ الشارح لمتن ما، أن يبينها للطالب، وينبغي للطالب أن ينتبه لها في كل مسألة ويبحث عن البيان وغير ذلك من الشروح والحواشي.
وسأبين الآن تلك الأمور التي ذكرها المرداوي مع التمثيل، وسأضيف عليها أموراً أخرى لا تقل أهمية عن التي ذكرها الشيخ المرداوي -رحمه الله تعالى-:
الأمور التي يجب أن تراعى لدراسة المتن الفقهي:
الأمر الأول: تبيين المبهم:
والمبهم في اللغة: قال في المصباح: (اسْتَبْهَمَ) الخبر، واستغلق بمعنى،
…
و (أَبْهَمْتُهُ)(إبْهَاماً) إذا لم تُبَيِّنْهُ)
(2)
.
وفي المعجم الوسيط
(3)
: (الكلام الغامض لا يتحدد المقصود منه).
(1)
انظر: التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع ص 31.
(2)
انظر: المصباح المنير في غريب الشرح الكبير 1/ 64.
(3)
1/ 74.
فالمبهم لا يخلو:
إما أن يكون في الكلمة غموض، لا يتبين معناها من لفظها، فتحتاج إلى بيان المراد منها.
وإما أن لا يكون فيها غموض، بل تكون واضحة وتحتمل أكثر من معنى، ولا يوجد ما يحدد المقصود المراد من هذه المعاني.
والإبهام عند فقهاء الحنابلة: إما أن يكون في الحكم، وإما أن يكون في اللفظ.
والمراد بالمبهم في الحكم: أن يذكر العالمُ مسألةً دون أن يُبَيِّن حكمها من حيث الحكم التكليفي حرمة وكراهة، ووجوباً واستحباباً، وإباحة، أو من حيث الحكم الوضعي صحة وفساداً، وضماناً وغير ذلك.
وبعبارة أدق: أن يأتي العالم بلفظ يحتمل أكثر من حكم، مثل أن يقول: ولا يفعل كذا - وهذه تحتمل الحرمة والكراهة- أو: وأن يفعل كذا- وهذه تحتمل الوجوب أو الندب-.
وقد ذكر بعض الفضلاء: أن العلماء إذا ذكروا الفعل المجرد- أي: إذا قال العالم: ويفعل كذا - فإنه ظاهر في الوجوب؛ فإذا لم نر له بيانا من العلماء شراحا كانوا أو محشين، فهو للوجوب، وفي هذا نظر ظاهر لعدة أمور:
1.
أنه لو كان الأمر كذلك لَمْ يتكلفْ العلماءُ بذكر حكم الوجوب في مواطن كثيرة
(1)
، ولاقتصروا فقط على بيان الاستحباب، ولَتَركوا ما عداه على ما يظهر من الفعل وهو: الوجوب، والحال أنهم يبينون الإبهام بالوجوب إن كان حكمه كذلك.
2.
أن الشيخ المرداوي مصحح المذهب ومنقحه لم يجعل الفعل المجرد ظاهرا في الوجوب في الإنصاف، بل جعله محتملا للوجوب وغيره،
(1)
وأستثني من ذلك ذكرهم لشروط الصلاة وأركانه وواجباتها، وكذا أركان الحج وواجباته؛ لأنه قد يقال: إنما ذكروا الواجبات مع الشروط والأركان لبيان ما يترتب على ترك كل.
ومن ذلك ما ذكره في باب أدب القاضي
(1)
حيث قال: (قوله (ويعدل بين الخصمين في لحظه ولفظه ومجلسه والدخول عليه) يحتمل أن يكون مراده: أن ذلك واجب عليه، وهو: المذهب، قال في الفروع: ويلزمه، في الأصح: العدل بينهما في لحظه ولفظه، ومجلسه والدخول عليه، وجزم به في الشرح، وقيل: لا يلزمه؛ بل يستحب، ويحتمله كلام المصنف).
فقول الشيخ المرداوي: (ويحتمله كلام المصنف) يدل على أن الفعل يحتمل الوجوب والاستحباب، ولو كان ظاهرا في الوجوب لذكر ذلك.
3.
أنه قد وقع خلاف في أحكام مجردة هل هي للوجوب، أو للاستحباب، ولو كان الوجوب هو الظاهر دائما لم يقع الخلاف؛ كما حصل ذلك بين الحجاوي، والبهوتي في مسألة: الجلوس بعد سجدة التلاوة، هل هو ندب أم واجب؟
فالحجاوي يقول: (ولعل الجلوس: ندب)، وتعقبه البهوتي بأنه واجب فقال:(قلت: والظاهرُ وجوبُه كما مر في عدد الأركان)
(2)
، وتعقبه النجدي بقوله:(وفي كلام منصور البهوتي نظر! )
(3)
.
فلو كان الفعلُ المجرد ظاهرا في الوجوب؛ ما كان لهؤلاء العلماء الثلاثة أن يختلفوا في حكم هذا الفعل! .
4.
أن المردواي ترك بيان حكم تفريق الوصية في كل من الإنصاف، وتصحيح الفروع، والتنقيح فلم يُبَيِّن حكمه، واستدرك عليه الحجاوي وبين أنه: مستحب.
قال رحمه الله في حواشي التنقيح
(4)
: (ويسن تفريق وصيته كل ذلك قبل الصلاة عليه، وأبقى المنقح تفريق وصيته على كلام المقنع مبهما لم يبين الحكم فيه، وكان حقه أن يبين حكمه كما وعد في الخطبة).
(1)
انظر: الإنصاف مع الشرح الكبير 28/ 341.
(2)
انظر: الكشاف 3/ 123
(3)
انظر: حاشية النجدي على المنتهى 1/ 277
(4)
ص 125
فلو كان الفعل المجرد ظاهرا في الوجوب لجعله الحجاوي وصحح الوجوب، ومع ذلك جعله مستحبا، وهو المذهب المجزوم به في "الإقناع"
(1)
و"المنتهى"
(2)
.
والمراد: أنه لو ذكر العلماء فعلا؛ فنتوقف في حكمه حتى يظهر لنا حكمُه ببيانٍ له من أهل العلم والله أعلم.
والمراد بالمبهم في اللفظ: هو أن يذكر العالم كلمة، أو جملة فيها غموض تحتاج لبيان وإزالة ذلك الغموض عنها.
وعلى طالب العلم أن يبين المبهم، ويأتي بما يزيل عنه الإبهام، فإن كان في الحكم بين حكمه، وإن كان في اللفظ بين معناه وصورته، وهذا من أهم ما يتنبه له الطالب.
ومن أمثلة المبهم في الحكم:
المثال الأول: قول الشيخ الحجاوي في " زاد المستقنع " في باب إزالة النجاسة: (وإن خفي موضع نجاسة غسل حتى يجزم بزواله).
ذكر الشيخ الحجاوي رحمه الله أنه إن خفي على الإنسان موضع النجاسة من الثوب فإنه يغسل منه عدة مواضع حتى يجزم بزوال النجاسة عنه؛ لكنه لم يبين حكم غسله هل هو واجب، أو مستحب، وقد صرح الشيخ البهوتي بحكم ذلك فقال (وإن خفي موضع نجاسة) في بدن أو ثوب أو بقعة ضيقة وأراد الصلاة (غسل) وجوباً (حتى يجزم بزواله) أي زوال النجس لأنه متيقن فلا يزول إلا بيقين الطهارة)
(3)
.
المثال الثاني: قول الشيخ الحجاوي أيضاً في " زاد المستقنع "، والشيخ البهوتي في " عمدة الطالب " في باب الجمعة:(ولا يتخطى رقاب الناس إلا أن يكون إماماً).
(1)
انظر: الكشاف 4/ 41
(2)
انظر: شرح المنتهى 2/ 76
(3)
انظر: الروض المربع مع حاشية ابن قاسم 1/ 355.
والحكم هنا مبهم، إنما هو لمطلق المنع المحتمل للكراهة والتحريم، والمذهب: أنه مكروه ولذلك قال في الروض المربع: (ولا يتخطى رقاب الناس) .... (إلا أن يكون) المتخطي (إماماً) فلا يكره للحاجة)
(1)
.
وصرح الشيخ ابن بلبان في " كافي المبتدي " بالحكم فقال: (وكره .. تخطي الرقاب إلا لفرجة)
(2)
.
المثال الثالث: قول الشيخ مرعي الكرمي في " دليل الطالب " - ومثله في " زاد المستقنع "، و " عمدة الطالب " - في كتاب الجنائز:(وشهيد المعركة .. لا يغسل).
أبهم الحكم، وقوله:(لا يغسل) لمطلق المنع يحتمل الكراهة، والتحريم، وهي من المسائل القليلة التي لم يبين فيها صاحبُ " دليل الطالب" الحكم، وهي من المسائل الخلافية التي بين " الإقناع" و"المنتهى"، وحمل الشارحُ في "نيل المآرب" المسألة على التحريم حيث قال:(وشهيد المعركة .. لا يغسل وجوباً)
(3)
، وهو ما جزم به صاحب "الإقناع"
(4)
، وتابعه في كافي المبتدي
(5)
"، وذهب صاحب " المنتهى "
(6)
إلى كراهة تغسيل الشهيد تبعاً للتنقيح
(7)
، وتابعه في " غاية المنتهى " وقيده بقوله (ويتجه: أنه مع دم عليه يحرم لزواله)
(8)
.
المثال الرابع: قول الشيخ الحجاوي في " زاد المستقنع " في المضاربة: (ولا يضارب بمال لآخر إن أضر الأول ولم يرض).
فقوله: (ولا يضارب) يفيد مطلق المنع، ويحتمل التحريم، ويحتمل الكراهة، فلابد من بيان الحكم.
(1)
انظر: الروض المربع 2/ 480، وانظر أيضاً: هداية الراغب لشرح عمدة الطالب 1/ 294.
(2)
انظر: الروض الندي شرح كافي المبتدي 1/ 208.
(3)
1/ 222.
(4)
1/ 340.
(5)
انظر: الروض الندي شرح كافي المبتدي 1/ 235.
(6)
انظر: شرح "المنتهى" للبهوتي 2/ 78.
(7)
ص 128.
(8)
1/ 262.
والمذهب: يحرم، قال الشيخ البهوتي في الروض المربع
(1)
- معللاً وذاكراً للحكم -: (لأنها تنعقد على الحظ والنماء، فلم يجز له أن يفعل ما يمنعه منه).
وفي " المنتهى " مع شرحه للشيخ البهوتي: (ويحرم على العامل أن يضارب أي: يأخذ مضاربة لآخر إن أضر اشتغاله بالعمل في مال الثاني رب المال الأول)
(2)
.
المثال الخامس: قول صاحب " زاد المستقنع " في آخر الحضانة: (والأُنثى عند أبيها حتى يتسلمها زوجها).
لم يبين حكم بقائها عند أبيها بعد تمام سبع سنوات إلى الزواج؟ هل هو واجب؟ أم مستحب؟ واللفظ محتمل لهما وللإباحة، وبينه الشيخ البهوتي في " الروض المربع"
(3)
بقوله: (وجوباً).
المثال السادس: قول صاحب " زاد المستقنع "، و " عمدة الطالب " في أول كتاب الصلاة:(ويؤمر بها صغير لسبع).
لم يبين حكم أمر الولي لموليه الذي استكمل سبعاً بالصلاة هل هذا الفعل واجب على الولي أم مستحب؟ واللفظ محتمل لهما.
والمذهب: يجب على ولي أمر الصبي الذي استكمل سبع سنين أن يأمره بالصلاة، قال الشيخ البهوتي في " الروض المربع ":(أي يلزم أن يأمره بالصلاة لتمام سبع سنين)
(4)
وقال مثل ذلك الشيخ عثمان النجدي في" هداية الراغب"
(5)
.
(1)
انظر: الروض المربع مع حاشية ابن قاسم 5/ 259.
(2)
3/ 573.
(3)
المرجع السابق 7/ 162.
(4)
انظر: حاشية الروض المربع 1/ 417.
(5)
1/ 158، وعلى تعبير صاحب كتاب المبتدي، وأخصر المختصرات لهذه المسألة يكون الحكم واضحاً حيث قالا (وعلى وليه أمره بها لسبع) انظر: كشف المخدرات 1/ 100، لأن (على) تفيد الوجوب، قال الشيخ المرداوي:(على) ظاهرة في الوجوب أ. هـ كلامه رحمه الله، انظر المقنع مع الشرح الكبير الإنصاف 6/ 112، وكون (على) تدل على الوجوب هذا عام في كل المتون والشروح الفقهية عند الحنابلة.
والإبهاماتُ في الحكم كثيرة في " زاد المستقنع"، ولا تكاد توجد في " دليل الطالب "، فلا يذكر مسألة إلا ذكر حكمها في الغالب الأعم، وهذا من أهم ما يتميز به " دليل الطالب " على زاد المستقنع "، بل وعلى غيره من المتون.
المثال السابع: قول صاحب "زاد المستقنع"، و"عمدة الطالب"، و"كافي المبتدي"، و"أخصر المختصرات" في مكروهات الصلاة وما يباح له:(وإذا نابه شيء سبح رجل وصفقت امرأة).
والمراد: أنه إذا عرض للمصلي شيء، واحتاج للكلام، فإنه يسبح الرجل، وتصفق المرأة ببطن كفها على ظهر الأخرى.
وفيه إبهام في حكم التسبيح، هل هو واجب أم مستحب، والمذهب كما في شرح ابن النجار على كتابه "المنتهى"
(1)
، وشرح البهوتي عليه
(2)
: أنه بإمام وجوبا، وبمستأذن استحبابا.
المثال الثامن: قول صاحب "الروض المربع" في شروط الصلاة في المتنفل الراكب في السفر: (ويومئ بهما ويجعل سجوده أخفض من ركوعه).
والمراد: أن من صلى نفلا في السفر وهو راكب يومئ، أي: يشير برأسه للركوع والسجود، ويجعل رأسه في سجوده أخفض منه في ركوعه؛ لكن الحكم هنا مبهم هل يجعل سجوده أخفض من ركوعه وجوبا أم استحبابا؟ .
وقد بَيَّنَهُ في الإقناعِ
(3)
فقال: (وجوبا إن قدر).
أمثلة على الإبهام في اللفظ:
المثال الأول: قول صاحب " زاد المستقنع": (كتاب الطهارة وهي: ارتفاع الحدث وما في معناه، وزوال الخبث).
فقوله: (وما في معناه) مبهم غامض يحتاج لبيان، والمراد بها: أن ما
(1)
2/ 192
(2)
1/ 453
(3)
انظر: كشاف القناع 2/ 222
في معنى ارتفاع الحدث يسمى طهارة، كما أن ارتفاع الحدث يسمى طهارة، وما في معنى ارتفاع الحدث: كل طهارة ليست عن حدث، ولا يرتفع بها حدث كغسل يد القائم من نوم الليل، فإنه لم يكن لحدث لحق باليد، ولم يرتفع عنها حدث بعد غسلها، ومع ذلك يسمى طهارة.
المثال الثاني: قول صاحب " زاد المستقنع " وغيره في باب الآنية: (إلا ضبة يسيرة).
فقوله: (ضبة) مبهمة تحتاج لبيان، وهي: ما يربط به بين طرفي المنكسر.
المثال الثالث: قول صاحب " زاد المستقنع " في باب صفة الصلاة: (ويشير بسبابتها في تشهده).
فقوله: (يشير) مبهمة بَيَّنَهَا البهوتي في "شرح المنتهى"
(1)
، بقوله:(بأن يرفعها)
(2)
.
المثال الرابع: قول الشيخ مرعي الكرمي في " دليل الطالب"، وغيره في ذكر الأوقات المنهي عن الصلاة فيها:(وهي من طلوع الفجر إلى ارتفاع الشمس قِيْد رمح).
فقوله: (قِيْد رمح) مبهمة تحتاج إلى بيان، والمراد بها: قدر رمح في رأي العين.
المثال الخامس: قول صاحب " زاد المستقنع" في المضاربة: (وإن تلف رأس المال أو بعضه بعد التصرف أو خسر جبر من الربح قبل قسمته أو تنضيضه)
(3)
.
فقوله: (تنضيضه) مبهمة تحتاج إلى بيان، وهي تحويل عرض التجارة إلى نقد، وهذا يذكرونه في شركة المضاربة.
(1)
1/ 407.
(2)
وترفع الأصبع في التشهد أربع مرات عند ذكر الله تعالى الأول: التحيات لله، الثاني: ورحمة الله، الثالث: وعلى عباد الله، الرابع: أشهد أن لاإله إلا الله. انظر: حاشية ابن عوض على الدليل 1/ 295
(3)
انظر: الروض المربع مع حاشية ابن قاسم 5/ 262.