المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الأمر الأول: تبيين المبهم: - مدارج تفقه الحنبلي

[أحمد بن ناصر القعيمي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌مقدمة الطبعة الأولى:

- ‌تمهيد:

- ‌المبحث الأول: التعريف بالمذهب الحنبلي:

- ‌المذهب لغة:

- ‌في الاصطلاح:

- ‌المبحث الثاني: المراد بالحنابلة المتأخرين:

- ‌تنبيه:

- ‌المبحث الثالث: تنبيهات مهمة:

- ‌التنبيه الأول:

- ‌التنبيه الثاني:

- ‌التنبيه الثالث:

- ‌والمقصود بالملازمة:

- ‌وفوائد ملازمة الأشياخ كثيرة جداً:

- ‌والمقصود بالمصاحبة:

- ‌وفوائد المصاحبة كثيرة:

- ‌والكمال:

- ‌التنبيه الرابع:

- ‌التنبيه الخامس:

- ‌وفي آداب الحنفية:

- ‌الفصل الأول: (المرحلة الأولى) دراسة المتون الخمسة والروض المربع:

- ‌المبحث الأول: كتب المرحلة الأولى:

- ‌الأهداف المراد تحقيقها:

- ‌المبحث الثاني: كيفية العمل في هذه المرحلة:

- ‌المبحث الثالث: طريقة دراسة المتن الفقهي:

- ‌الطريقة التي ينتهجها الطالب لدراسة مسائل المتن الفقهي هي ما يلي:

- ‌تلخيص أهم ما فعله المرداوي مع "المقنع" في كتاب "التنقيح

- ‌الأمور التي يجب أن تراعى لدراسة المتن الفقهي:

- ‌الأمر الأول: تبيين المبهم:

- ‌ومن الإبهامات في اللفظ التي تحتاج إلى بيان:

- ‌أمثلة على ذكر (مطلقاً) من بعض المتون:

- ‌ومن الإبهامات التي تحتاج أيضا إلى بيان:

- ‌الأمر الثاني: تقييد المطلق، وتخصيص العموم:

- ‌والمقيدات هي نفس مخصصات العموم:

- ‌أمثلة على ذلك:

- ‌الأمر الثالث: بيان مخالفة المذهب:

- ‌وينبغي عند ذكر مسألة مخالفة للمذهب لأي متن من المتون مراعاة ما يلي:

- ‌أمثلة على مخالفات للمذهب من المتون الخمسة:

- ‌الأمر الرابع: الاهتمام بترتيب المسائل:

- ‌باب الفدية

- ‌الأمر الخامس: الاهتمام بالحدود والضوابط:

- ‌الأمر السادس: الاهتمام بأدلة المسائل:

- ‌ومن الأمثلة على أدلة لمسائل فقهية ما يلي:

- ‌أهمية حفظ القرآن الكريم والسنة النبوية:

- ‌كتب أحاديث الأحكام الحنبلية:

- ‌1 - عمدة الأحكام:

- ‌2 - العُمْدَةُ الْكُبْرَى في أَحادِيثِ الأَحْكامِ:

- ‌3 - المُحَرَّرُ في الحَدِيْثِ:

- ‌4 - كِفَايَةُ المُسْتَقْنِعِ لِأَدِلةِ المُقْنِعِ

- ‌5 - إِحكامُ الذَّرِيْعَةِ إلى أَحكامِ الشَّرِيْعَةِ:

- ‌6 - المُنْتَقَى فِي الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ منْ كَلَامِ سَيِّدِ البَرِيَّةِ صلى الله عليه وسلم

- ‌7 - السُّنَنُ والأَحكَامُ عن المُصْطَفَى عليه أَفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلَامِ:

- ‌الأمر السابع: بيان الخلل في العبارة:

- ‌المراد بالخلل في العبارة:

- ‌أمثلة على الخلل في العبارة:

- ‌المبحث الرابع: الكلام على المتون الخمسة وشروحها وحواشيها:

- ‌المطلب الأول: أخصر المختصرات:

- ‌شروح "أخصر المختصرات

- ‌1 - كشف المخدرات والرياض المزهرات لشرح أخصر المختصرات:

- ‌2 - الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات:

- ‌3 - حاشية على أخصر المختصرات:

- ‌المطلب الثاني: عمدة الطالب:

- ‌شروح " عمدة الطالب

- ‌1 - هداية الراغب لشرح عمدة الطالب:

- ‌ومن تحريرات الشيخ عثمان في هداية الراغب ما يلي:

- ‌2 - شرح عمدة الطالب:

- ‌المطلب الثالث: دليل الطالب لنيل المطالب:

- ‌بعض شروحه وحواشيه

- ‌1):1 -نيل المآرب بشرح دليل الطالب:

- ‌ومما ذكره اللبدي من الفوائد:

- ‌ثم ختم اللبدي رحمه الله

- ‌2 - منار السبيل شرح الدليل:

- ‌3 - نيل المطالب لشرح دليل الطالب:

- ‌4 - فتح وهاب المآرب على دليل الطالب لنيل المطالب:

- ‌5 - مسلك الراغب لشرح دليل الطالب:

- ‌6 - شرح دليل الطالب لنيل المطالب:

- ‌7 - الجمع بين دليل الطالب وغيره:

- ‌المطلب الرابع: كافي المبتدي

- ‌شرح "كافي المبتدي

- ‌الروض الندي شرح كافي المبتدي:

- ‌المطلب الخامس: زاد المستقنع في اختصار المقنع:

- ‌بعض شروح "زاد المستقنع" وحواشيه:

- ‌1 - الروض المربع شرح زاد المستقنع:

- ‌2 - الشرح الممتع على زاد المستقنع

- ‌3 - "شرح زاد المستقنع

- ‌4 - شرح كتاب زاد المستقنع للشيخ حمد الحمد:

- ‌المطلب السادس: الروض المربع شرح زاد المستقنع:

- ‌بعض ما كتب على "الروض المربع" من حواشي:

- ‌1 - حاشية للشيخ عبدالوهاب بن الشيخ محمد بن فيروز الوهيبي التميمي الحنبلي الأحسائي

- ‌2 - حاشية الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن العنقري على الروض المربع قاضي سدير

- ‌3 - تقريرات لسماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ

- ‌4 - حاشية الشيخ عبد الرحمن بن قاسم

- ‌المبحث الخامس: تتمة كتب المذهب المختصرة وغيرها:

- ‌المطلب الأول: بقية المتون المختصرة:

- ‌1 - بداية العابد وكفاية الزاهد في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل:

- ‌2 - مختصر في فقه الإمام أحمد بن حنبل لأبي بكر خوقير

- ‌المطلب الثاني: قراءة شروح المتون الأربعة الأولى:

- ‌المطلب الثالث: قراءة كتب الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي (ت 1376 هـ) الفقهية كلها، ومن أهمها:

- ‌1 - "إرشاد أولي البصائر والألباب لنيل الفقه بأقرب الطرق وأيسر الأسباب

- ‌2 - المناظرات الفقهية:

- ‌المبحث السادس: بعض آداب طلب العلم:

- ‌المطلب الأول: التعليم بالعمل:

- ‌المطلب الثاني: في آداب العالم والمتعلم:

- ‌المطلب الثالث: أقوال لابن الجوزي - رحمه الله تعالى - في أهمية التفقه:

- ‌المطلب الرابع: بعض آفات الاشتغال بالعلم:

- ‌الفصل الثاني: (المرحلة الثانية) دراسة كتاب " منتهى الإرادات "وقراءة كتابي "الإقناع" و"غاية المنتهى

- ‌المبحث الأول: كتب هذه المرحلة، والهدف المراد تحقيقه:

- ‌المطلب الأول: كتب هذه المرحلة:

- ‌1 - "منتهى الإرادات في الجمع بين المقنع والتنقيح وزيادات

- ‌2 - الإقناع لطالب الانتفاع للشيخ شرف الدين أبي النجا

- ‌3 - غاية المنتهى في جمع الإقناع والمنتهى للشيخ مرعي بن يوسف الكرمي

- ‌المطلب الثاني: الهدف المراد تحقيقه:

- ‌المطلب الثالث: الكتب التي لابد من توفرها لدراسة كتاب (منتهى الإرادات):

- ‌المطلب الرابع: طريقة دراسة " المنتهى

- ‌المطلب الخامس: ما ينبغي فعله أثناء دراسة " المنتهى

- ‌أولاً: أن يدرس الطالب المسائل ويحللها بمثل ما تقدم في المرحلة الأولى

- ‌ومن الأمثلة على الإبهامات في الحكم من " الإقناع " و " المنتهى

- ‌ثانيا: استخراج الفروق الفقهية بين المسائل

- ‌ومن الأمثلة على الفروق الفقهية بين المسائل:

- ‌ثالثا: استخراج النظائر الفقهية

- ‌ومن أمثلة النظائر الفقهية:

- ‌رابعا: استخراج القواعد الفقهية التي تضم مسائل متنوعة علتها واحدة:

- ‌ومن أمثلة القواعد الفقهية:

- ‌خامسا: استخراج القواعد الأصولية

- ‌ومن أمثلة القواعد الأصولية:

- ‌المطلب السادس: فوائد دراسة "المنتهى" بهذه الطريقة:

- ‌المبحث الثاني: التعريف بكتب هذه المرحلة:

- ‌المطلب الأول: "منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح وزيادات

- ‌الفرع الأول: التعريف بالمؤلف والكتاب:

- ‌الفرع الثاني: شروح " المنتهى

- ‌1 - "معونة أولي النهى شرح المنتهى

- ‌2 - شرح منتهى الإرادات (دقائق أولي النهى لشرح المنتهى):

- ‌الفرع الثالث: حواشي " المنتهي

- ‌1 - " إرشاد أولي النهى لدقائق المنتهى

- ‌2 - " حاشية الخلوتي على المنتهى

- ‌3 - حاشية الشيخ عثمان النجدي على " المنتهى

- ‌المطلب الثاني التعريف بكتاب: الإقناع لطالب الانتفاع:

- ‌الفرع الأول: التعريف بالمؤلف والكتاب:

- ‌الفرع الثاني: شرحه:

- ‌كشاف القناع عن الإقناع

- ‌الفرع الثالث: حاشيتان على " الإقناع

- ‌1 - " حواشي الإقناع

- ‌قاعدة في كيفية العمل فيما لو اختلف حكم مسألة في موضعين:

- ‌ما يؤيد قاعدة الجزم بالمذهب بما في الموضع الأصلي للمسألة:

- ‌2 - حاشية الخلوتي على " الإقناع

- ‌المطلب الثالث: التعريف بكتاب "غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى

- ‌الفرع الأول: التعريف بالمؤلف والكتاب:

- ‌الفرع الثاني: شروحه:

- ‌1 - "مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى

- ‌2 - "بغية أولي النهى شرح غاية المنتهى

- ‌3 - "منحةُ مُوْلِي الفتح في تجريد زوائد الغاية والشرح

- ‌الفصل الثالث: تحرير المذهب عند المتأخرين:

- ‌المبحث الأول: الكتب التي عليها مدار التصحيح في المذهب:

- ‌معنى الرواية والوجه و"عنه"والتخريج والاحتمال وظاهر المذهب:

- ‌المطلب الأول: "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف

- ‌عمل الشيخ المرداوي في "الإنصاف" مع "المقنع

- ‌بيان أن المرداوي لم يتبع طريقة أحد في كتب التصحيح:

- ‌المطلب الثاني: "تصحيح الفروع

- ‌كتاب الفروع أوسع كتب المذهب المعتمدة ومادته:

- ‌عمل المرداوي في الفروع:

- ‌المطلب الثالث: " التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع

- ‌المبحث الثاني: تحرير المذهب عند المرداوي

- ‌المطلب الأول: طريقة المرداوي في تحرير المذهب

- ‌المطلب الثاني: هل هناك من خالف المرداوي في هذا المنهج في تحرير المذهب

- ‌المطلب الثالث: هل كل ما صححه المرداوي في كتبه الثلاثة متفق

- ‌المطلب الرابع: هل صحح الشيخ المرداوي في الإنصاف والتصحيح والتنقيح كل ما فيه خلاف

- ‌المبحث الثالث: منهج ابن النجار في كتابه " المنتهى "في اختيار المذهب:

- ‌من المسائل النادرة التي خالف فيها الشيخُ ابنُ النجار التنقيح:

- ‌مما خالف فيه الشيخ ابنُ النجار التنقيحَ ما ذكره في صدر مقدمته:

- ‌هل صحح صاحب المنتهى في كتابه خلافا حكاه

- ‌المبحث الرابع: منهج الحجاوي في كتابه "الإقناع" في اختيار المذهب:

- ‌وممكن أن نستخلص من مقدمة الإقناع عدةَ فوائد:

- ‌ إذا ذكر العالمُ قولاً منسوباً لأحد العلماء ولم يتعقبه فهو إقرار له

- ‌المبحث الخامس: في الترجيح بين "المنتهى" و"الإقناع

- ‌المطلب الأول: في الترجيح بين "الإقناع" و"المنتهى" إذا اختلفا:

- ‌الحاصل: أن المذهب يكون على الترتيب التالي:

- ‌المطلب الثاني: ذكر من اهتم ببيان المخالفات بين "المنتهى" و"الإقناع

- ‌المبحث السادس: مكانة شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية في مذهب الحنابلة:

- ‌مسائل من كتاب (منتهى الإرادات) أصلها أقوال لشيخ الإسلام:

- ‌الخاتمة

الفصل: ‌الأمر الأول: تبيين المبهم:

الخلاف المطلق من الروايات والأوجه والاحتمالات فقط، ففاتهم شيء كثير جداً مع مسيس الحاجة إليه أكثر مما فعلوا)

(1)

.

وإذا كانت المختصرات الفقهية قد خلت من الخلاف، سواء أكان خلافا مطلقا أم غيره فإنها لم تخل من بقية الأمور الأخرى - التي عملها الشيخ المرداوي مع المقنع - كالإبهام في الحكم واللفظ، والمطلق الذي هو مقيد ولم يقيده الْمُخْتَصِرُ، والعموم الذي هو مستثنى منه بعض الصور، والخلاف للمذهب في بعض المسائل، وغير ذلك، والتي جعلها الشيخ المرداوي -رحمه الله تعالى - أكثر أهمية من تصحيح الخلاف المطلق، كما تقدم قوله قريبا:(إنما يصححون الخلاف المطلق من الروايات والأوجه والاحتمالات فقط، ففاتهم شيء كثير جداً مع مسيس الحاجة إليه أكثر مما فعلوا).

وقد أتى بعض الشراح لتلك المتون المختصرة على كثير من تلك الأمور، فينبغي للشيخ الشارح لمتن ما، أن يبينها للطالب، وينبغي للطالب أن ينتبه لها في كل مسألة ويبحث عن البيان وغير ذلك من الشروح والحواشي.

وسأبين الآن تلك الأمور التي ذكرها المرداوي مع التمثيل، وسأضيف عليها أموراً أخرى لا تقل أهمية عن التي ذكرها الشيخ المرداوي -رحمه الله تعالى-:

‌الأمور التي يجب أن تراعى لدراسة المتن الفقهي:

‌الأمر الأول: تبيين المبهم:

والمبهم في اللغة: قال في المصباح: (اسْتَبْهَمَ) الخبر، واستغلق بمعنى،

و (أَبْهَمْتُهُ)(إبْهَاماً) إذا لم تُبَيِّنْهُ)

(2)

.

وفي المعجم الوسيط

(3)

: (الكلام الغامض لا يتحدد المقصود منه).

(1)

انظر: التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع ص 31.

(2)

انظر: المصباح المنير في غريب الشرح الكبير 1/ 64.

(3)

1/ 74.

ص: 41

فالمبهم لا يخلو:

إما أن يكون في الكلمة غموض، لا يتبين معناها من لفظها، فتحتاج إلى بيان المراد منها.

وإما أن لا يكون فيها غموض، بل تكون واضحة وتحتمل أكثر من معنى، ولا يوجد ما يحدد المقصود المراد من هذه المعاني.

والإبهام عند فقهاء الحنابلة: إما أن يكون في الحكم، وإما أن يكون في اللفظ.

والمراد بالمبهم في الحكم: أن يذكر العالمُ مسألةً دون أن يُبَيِّن حكمها من حيث الحكم التكليفي حرمة وكراهة، ووجوباً واستحباباً، وإباحة، أو من حيث الحكم الوضعي صحة وفساداً، وضماناً وغير ذلك.

وبعبارة أدق: أن يأتي العالم بلفظ يحتمل أكثر من حكم، مثل أن يقول: ولا يفعل كذا - وهذه تحتمل الحرمة والكراهة- أو: وأن يفعل كذا- وهذه تحتمل الوجوب أو الندب-.

وقد ذكر بعض الفضلاء: أن العلماء إذا ذكروا الفعل المجرد- أي: إذا قال العالم: ويفعل كذا - فإنه ظاهر في الوجوب؛ فإذا لم نر له بيانا من العلماء شراحا كانوا أو محشين، فهو للوجوب، وفي هذا نظر ظاهر لعدة أمور:

1.

أنه لو كان الأمر كذلك لَمْ يتكلفْ العلماءُ بذكر حكم الوجوب في مواطن كثيرة

(1)

، ولاقتصروا فقط على بيان الاستحباب، ولَتَركوا ما عداه على ما يظهر من الفعل وهو: الوجوب، والحال أنهم يبينون الإبهام بالوجوب إن كان حكمه كذلك.

2.

أن الشيخ المرداوي مصحح المذهب ومنقحه لم يجعل الفعل المجرد ظاهرا في الوجوب في الإنصاف، بل جعله محتملا للوجوب وغيره،

(1)

وأستثني من ذلك ذكرهم لشروط الصلاة وأركانه وواجباتها، وكذا أركان الحج وواجباته؛ لأنه قد يقال: إنما ذكروا الواجبات مع الشروط والأركان لبيان ما يترتب على ترك كل.

ص: 42

ومن ذلك ما ذكره في باب أدب القاضي

(1)

حيث قال: (قوله (ويعدل بين الخصمين في لحظه ولفظه ومجلسه والدخول عليه) يحتمل أن يكون مراده: أن ذلك واجب عليه، وهو: المذهب، قال في الفروع: ويلزمه، في الأصح: العدل بينهما في لحظه ولفظه، ومجلسه والدخول عليه، وجزم به في الشرح، وقيل: لا يلزمه؛ بل يستحب، ويحتمله كلام المصنف).

فقول الشيخ المرداوي: (ويحتمله كلام المصنف) يدل على أن الفعل يحتمل الوجوب والاستحباب، ولو كان ظاهرا في الوجوب لذكر ذلك.

3.

أنه قد وقع خلاف في أحكام مجردة هل هي للوجوب، أو للاستحباب، ولو كان الوجوب هو الظاهر دائما لم يقع الخلاف؛ كما حصل ذلك بين الحجاوي، والبهوتي في مسألة: الجلوس بعد سجدة التلاوة، هل هو ندب أم واجب؟

فالحجاوي يقول: (ولعل الجلوس: ندب)، وتعقبه البهوتي بأنه واجب فقال:(قلت: والظاهرُ وجوبُه كما مر في عدد الأركان)

(2)

، وتعقبه النجدي بقوله:(وفي كلام منصور البهوتي نظر! )

(3)

.

فلو كان الفعلُ المجرد ظاهرا في الوجوب؛ ما كان لهؤلاء العلماء الثلاثة أن يختلفوا في حكم هذا الفعل! .

4.

أن المردواي ترك بيان حكم تفريق الوصية في كل من الإنصاف، وتصحيح الفروع، والتنقيح فلم يُبَيِّن حكمه، واستدرك عليه الحجاوي وبين أنه: مستحب.

قال رحمه الله في حواشي التنقيح

(4)

: (ويسن تفريق وصيته كل ذلك قبل الصلاة عليه، وأبقى المنقح تفريق وصيته على كلام المقنع مبهما لم يبين الحكم فيه، وكان حقه أن يبين حكمه كما وعد في الخطبة).

(1)

انظر: الإنصاف مع الشرح الكبير 28/ 341.

(2)

انظر: الكشاف 3/ 123

(3)

انظر: حاشية النجدي على المنتهى 1/ 277

(4)

ص 125

ص: 43

فلو كان الفعل المجرد ظاهرا في الوجوب لجعله الحجاوي وصحح الوجوب، ومع ذلك جعله مستحبا، وهو المذهب المجزوم به في "الإقناع"

(1)

و"المنتهى"

(2)

.

والمراد: أنه لو ذكر العلماء فعلا؛ فنتوقف في حكمه حتى يظهر لنا حكمُه ببيانٍ له من أهل العلم والله أعلم.

والمراد بالمبهم في اللفظ: هو أن يذكر العالم كلمة، أو جملة فيها غموض تحتاج لبيان وإزالة ذلك الغموض عنها.

وعلى طالب العلم أن يبين المبهم، ويأتي بما يزيل عنه الإبهام، فإن كان في الحكم بين حكمه، وإن كان في اللفظ بين معناه وصورته، وهذا من أهم ما يتنبه له الطالب.

ومن أمثلة المبهم في الحكم:

المثال الأول: قول الشيخ الحجاوي في " زاد المستقنع " في باب إزالة النجاسة: (وإن خفي موضع نجاسة غسل حتى يجزم بزواله).

ذكر الشيخ الحجاوي رحمه الله أنه إن خفي على الإنسان موضع النجاسة من الثوب فإنه يغسل منه عدة مواضع حتى يجزم بزوال النجاسة عنه؛ لكنه لم يبين حكم غسله هل هو واجب، أو مستحب، وقد صرح الشيخ البهوتي بحكم ذلك فقال (وإن خفي موضع نجاسة) في بدن أو ثوب أو بقعة ضيقة وأراد الصلاة (غسل) وجوباً (حتى يجزم بزواله) أي زوال النجس لأنه متيقن فلا يزول إلا بيقين الطهارة)

(3)

.

المثال الثاني: قول الشيخ الحجاوي أيضاً في " زاد المستقنع "، والشيخ البهوتي في " عمدة الطالب " في باب الجمعة:(ولا يتخطى رقاب الناس إلا أن يكون إماماً).

(1)

انظر: الكشاف 4/ 41

(2)

انظر: شرح المنتهى 2/ 76

(3)

انظر: الروض المربع مع حاشية ابن قاسم 1/ 355.

ص: 44

والحكم هنا مبهم، إنما هو لمطلق المنع المحتمل للكراهة والتحريم، والمذهب: أنه مكروه ولذلك قال في الروض المربع: (ولا يتخطى رقاب الناس) .... (إلا أن يكون) المتخطي (إماماً) فلا يكره للحاجة)

(1)

.

وصرح الشيخ ابن بلبان في " كافي المبتدي " بالحكم فقال: (وكره .. تخطي الرقاب إلا لفرجة)

(2)

.

المثال الثالث: قول الشيخ مرعي الكرمي في " دليل الطالب " - ومثله في " زاد المستقنع "، و " عمدة الطالب " - في كتاب الجنائز:(وشهيد المعركة .. لا يغسل).

أبهم الحكم، وقوله:(لا يغسل) لمطلق المنع يحتمل الكراهة، والتحريم، وهي من المسائل القليلة التي لم يبين فيها صاحبُ " دليل الطالب" الحكم، وهي من المسائل الخلافية التي بين " الإقناع" و"المنتهى"، وحمل الشارحُ في "نيل المآرب" المسألة على التحريم حيث قال:(وشهيد المعركة .. لا يغسل وجوباً)

(3)

، وهو ما جزم به صاحب "الإقناع"

(4)

، وتابعه في كافي المبتدي

(5)

"، وذهب صاحب " المنتهى "

(6)

إلى كراهة تغسيل الشهيد تبعاً للتنقيح

(7)

، وتابعه في " غاية المنتهى " وقيده بقوله (ويتجه: أنه مع دم عليه يحرم لزواله)

(8)

.

المثال الرابع: قول الشيخ الحجاوي في " زاد المستقنع " في المضاربة: (ولا يضارب بمال لآخر إن أضر الأول ولم يرض).

فقوله: (ولا يضارب) يفيد مطلق المنع، ويحتمل التحريم، ويحتمل الكراهة، فلابد من بيان الحكم.

(1)

انظر: الروض المربع 2/ 480، وانظر أيضاً: هداية الراغب لشرح عمدة الطالب 1/ 294.

(2)

انظر: الروض الندي شرح كافي المبتدي 1/ 208.

(3)

1/ 222.

(4)

1/ 340.

(5)

انظر: الروض الندي شرح كافي المبتدي 1/ 235.

(6)

انظر: شرح "المنتهى" للبهوتي 2/ 78.

(7)

ص 128.

(8)

1/ 262.

ص: 45

والمذهب: يحرم، قال الشيخ البهوتي في الروض المربع

(1)

- معللاً وذاكراً للحكم -: (لأنها تنعقد على الحظ والنماء، فلم يجز له أن يفعل ما يمنعه منه).

وفي " المنتهى " مع شرحه للشيخ البهوتي: (ويحرم على العامل أن يضارب أي: يأخذ مضاربة لآخر إن أضر اشتغاله بالعمل في مال الثاني رب المال الأول)

(2)

.

المثال الخامس: قول صاحب " زاد المستقنع " في آخر الحضانة: (والأُنثى عند أبيها حتى يتسلمها زوجها).

لم يبين حكم بقائها عند أبيها بعد تمام سبع سنوات إلى الزواج؟ هل هو واجب؟ أم مستحب؟ واللفظ محتمل لهما وللإباحة، وبينه الشيخ البهوتي في " الروض المربع"

(3)

بقوله: (وجوباً).

المثال السادس: قول صاحب " زاد المستقنع "، و " عمدة الطالب " في أول كتاب الصلاة:(ويؤمر بها صغير لسبع).

لم يبين حكم أمر الولي لموليه الذي استكمل سبعاً بالصلاة هل هذا الفعل واجب على الولي أم مستحب؟ واللفظ محتمل لهما.

والمذهب: يجب على ولي أمر الصبي الذي استكمل سبع سنين أن يأمره بالصلاة، قال الشيخ البهوتي في " الروض المربع ":(أي يلزم أن يأمره بالصلاة لتمام سبع سنين)

(4)

وقال مثل ذلك الشيخ عثمان النجدي في" هداية الراغب"

(5)

.

(1)

انظر: الروض المربع مع حاشية ابن قاسم 5/ 259.

(2)

3/ 573.

(3)

المرجع السابق 7/ 162.

(4)

انظر: حاشية الروض المربع 1/ 417.

(5)

1/ 158، وعلى تعبير صاحب كتاب المبتدي، وأخصر المختصرات لهذه المسألة يكون الحكم واضحاً حيث قالا (وعلى وليه أمره بها لسبع) انظر: كشف المخدرات 1/ 100، لأن (على) تفيد الوجوب، قال الشيخ المرداوي:(على) ظاهرة في الوجوب أ. هـ كلامه رحمه الله، انظر المقنع مع الشرح الكبير الإنصاف 6/ 112، وكون (على) تدل على الوجوب هذا عام في كل المتون والشروح الفقهية عند الحنابلة.

ص: 46

والإبهاماتُ في الحكم كثيرة في " زاد المستقنع"، ولا تكاد توجد في " دليل الطالب "، فلا يذكر مسألة إلا ذكر حكمها في الغالب الأعم، وهذا من أهم ما يتميز به " دليل الطالب " على زاد المستقنع "، بل وعلى غيره من المتون.

المثال السابع: قول صاحب "زاد المستقنع"، و"عمدة الطالب"، و"كافي المبتدي"، و"أخصر المختصرات" في مكروهات الصلاة وما يباح له:(وإذا نابه شيء سبح رجل وصفقت امرأة).

والمراد: أنه إذا عرض للمصلي شيء، واحتاج للكلام، فإنه يسبح الرجل، وتصفق المرأة ببطن كفها على ظهر الأخرى.

وفيه إبهام في حكم التسبيح، هل هو واجب أم مستحب، والمذهب كما في شرح ابن النجار على كتابه "المنتهى"

(1)

، وشرح البهوتي عليه

(2)

: أنه بإمام وجوبا، وبمستأذن استحبابا.

المثال الثامن: قول صاحب "الروض المربع" في شروط الصلاة في المتنفل الراكب في السفر: (ويومئ بهما ويجعل سجوده أخفض من ركوعه).

والمراد: أن من صلى نفلا في السفر وهو راكب يومئ، أي: يشير برأسه للركوع والسجود، ويجعل رأسه في سجوده أخفض منه في ركوعه؛ لكن الحكم هنا مبهم هل يجعل سجوده أخفض من ركوعه وجوبا أم استحبابا؟ .

وقد بَيَّنَهُ في الإقناعِ

(3)

فقال: (وجوبا إن قدر).

أمثلة على الإبهام في اللفظ:

المثال الأول: قول صاحب " زاد المستقنع": (كتاب الطهارة وهي: ارتفاع الحدث وما في معناه، وزوال الخبث).

فقوله: (وما في معناه) مبهم غامض يحتاج لبيان، والمراد بها: أن ما

(1)

2/ 192

(2)

1/ 453

(3)

انظر: كشاف القناع 2/ 222

ص: 47

في معنى ارتفاع الحدث يسمى طهارة، كما أن ارتفاع الحدث يسمى طهارة، وما في معنى ارتفاع الحدث: كل طهارة ليست عن حدث، ولا يرتفع بها حدث كغسل يد القائم من نوم الليل، فإنه لم يكن لحدث لحق باليد، ولم يرتفع عنها حدث بعد غسلها، ومع ذلك يسمى طهارة.

المثال الثاني: قول صاحب " زاد المستقنع " وغيره في باب الآنية: (إلا ضبة يسيرة).

فقوله: (ضبة) مبهمة تحتاج لبيان، وهي: ما يربط به بين طرفي المنكسر.

المثال الثالث: قول صاحب " زاد المستقنع " في باب صفة الصلاة: (ويشير بسبابتها في تشهده).

فقوله: (يشير) مبهمة بَيَّنَهَا البهوتي في "شرح المنتهى"

(1)

، بقوله:(بأن يرفعها)

(2)

.

المثال الرابع: قول الشيخ مرعي الكرمي في " دليل الطالب"، وغيره في ذكر الأوقات المنهي عن الصلاة فيها:(وهي من طلوع الفجر إلى ارتفاع الشمس قِيْد رمح).

فقوله: (قِيْد رمح) مبهمة تحتاج إلى بيان، والمراد بها: قدر رمح في رأي العين.

المثال الخامس: قول صاحب " زاد المستقنع" في المضاربة: (وإن تلف رأس المال أو بعضه بعد التصرف أو خسر جبر من الربح قبل قسمته أو تنضيضه)

(3)

.

فقوله: (تنضيضه) مبهمة تحتاج إلى بيان، وهي تحويل عرض التجارة إلى نقد، وهذا يذكرونه في شركة المضاربة.

(1)

1/ 407.

(2)

وترفع الأصبع في التشهد أربع مرات عند ذكر الله تعالى الأول: التحيات لله، الثاني: ورحمة الله، الثالث: وعلى عباد الله، الرابع: أشهد أن لاإله إلا الله. انظر: حاشية ابن عوض على الدليل 1/ 295

(3)

انظر: الروض المربع مع حاشية ابن قاسم 5/ 262.

ص: 48