الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الأول: الكتب التي عليها مدار التصحيح في المذهب:
معرفة تحرير المذهب عند متأخري الحنابلة من المسالك الوعرة، والطرق الصعبة، وقبل تقرير ذلك لا بد من التعريف بالكتب التي عليها مدار التصحيح في المذهب، وهي الكتب الثلاثة:
1 -
الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف.
2 -
تصحيح الفروع.
3 -
التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع.
ومؤلفها هو: الإمام العلامة الشيخ علاء الدين علي بن سليمان المرداوي (ت 885 هـ) وقد سلك فيها مسلك المجتهدين المحررين لمذهب الإمام أحمد، وصار ما حرره واعتمده هو المذهب الذي مشى عليه الحنابلة المتأخرون، وقدعمل - في تعليقه على المقنع والفروع - على تصحيح الخلاف المطلق بعد ذكر الروايات والأوجه والاحتمالات ما أمكنه ذلك، كما أنه قيد الألفاظ المطلقة، واستدرك على بعض العبارات التي فيها عموم، وبين ما فيها من إبهام في حكم أو لفظ أو غير ذلك، وحرر المذهب في ذلك كله.
معنى الرواية والوجه و"عنه"والتخريج والاحتمال وظاهر المذهب:
ويحسن هنا أن أنقل مقدمة من كتاب المطلع للتعريف بالمصطلحات التي وردت في المقنع ويحتاج طالب العلم أن يتعرف عليها ليفهمها متى أراد أن يقرأ في الإنصاف أو غيره: قال صاحب المطلع
(1)
رحمه الله: (مما تكرر ذكره
(1)
ص 11
في الكتاب
(1)
، خمسة أشياء:
أحدها: "الرِّواية": مثناة ومفردة ومجموعة، كقوله "على روايتين"، "وفيه روايتان".
فالرِّوَايةُ: في الأصل مصدر رَوَى الحديث والشعر ونحوهما رواية: إذا حفظه وأخبر به، .. وهي: الحكم المروي عن الإمام أحمد رضي الله عنه في المسألة.
الثاني: "الوجه": مثني ومجموعا، فيقال، "فيه وجهان وعلى وجهين وثلاثة أوجه"، وهو في الأصل من كل شيء مستقبله، ثم استعمل في غير ذلك.
وفي اصطلاح الفقهاء: الحكم المنقول في المسألة لبعض أصحاب الإمام المجتهدين فيه، ممن رآه فمن بعدهم جاريا على قواعد الإمام
(2)
،
فيقال: وجه في مذهب الإمام أحمد، أو الإمام الشافعي أو نحوهما، وربما كان مخالفا لقواعد الإمام إذا عضده الدليل.
(1)
أي: المقنع.
(2)
وعرف المرداوي الوجه بقوله: (فأما الوجه: فهو قول بعض أصحابه وتخريجه:
إن كان مأخوذا من قواعد الإمام أحمد رضي الله عنه أو إيمائه أو دليله، أو تعليله أو سياق كلامه وقوته.
وإن كان مأخوذا من نصوص الإمام أحمد رضي الله عنه ومخرجا منها: فهي روايات مخرجة له ومنقولة من نصوصه إلى ما يشبهها من المسائل إن قلنا ما قيس على كلامه: مذهب له، على ما تقدم، وإن قلنا: لا؛ فهي، أوجه لمن خرجها وقاسها). (الإنصاف 30/ 381).
وفي جواز نسبة الوجه للإمام خلاف؛ لكن الصحيح من المذهب جوازه، يعني يجوز للعالم أن يخرج على كلام الإمام ويجعل ذلك الوجه رواية عن الإمام، قال المرداوي بعد أن حكى الخلاف (الإنصاف 30/ 371):(والمقيس على كلامه: مذهبه على الصحيح من المذهب، قال في الفروع: مذهبه في الأشهر وقدمه في الرعايتين، والحاوي، وغيرهم وهو مذهب الأثرم، والخرقي، وغيرهما قاله ابن حامد في تهذيب الأجوبة وقيل: لا يكون مذهبه قال ابن حامد: قال عامة مشايخنا مثل الخلال، وأبي بكر عبد العزيز، وأبي علي، وإبراهيم، وسائر من شاهدناه إنه لا يجوز نسبته إليه وأنكروا على الخرقي ما رسمه في كتابه، من حيث إنه قاس على قوله. انتهى وأطلقهما ابن مفلح في أصوله قال ابن حامد: والمأخوذ أن يفصل فما كان من جواب له في أصل يحتوي على مسائل، خرج جوابه على بعضها: فإنه جائز أن ينسب إليه بقية مسائل ذلك حيث القياس وصور له صورا كثيرة فأما أن يبتدئ بالقياس في مسائل لا شبه لها في أصوله، ولا يوجد عنه الأصل من منصوص يبني عليه، فذلك غير جائز انتهى).
الثالث: قوله بعد ذكر المسألة "وعنه": فهو عبارة عن رواية عن الإمام، والضمير فيه له وإن لم يتقدم له ذكر، لكونه معلوما، فهو كقوله تعالى:{إنا أنزلناه} 1، والضمير للقرآن، مع عدم ذكره لفظا، فعنه: جار ومجرور متعلق بمحذوف، أي نَقَلَ ناقلٌ عنه، أو نَقَلَ أصحابُه عنه، وفعل ذلك المتأخرون اختصارا، وإلا فالأصل أن يقال: نقل عبدُ الله عن الإمام كذا، أو نقل صالح، أو نقل المروذي، كما فعله أبو الخطاب، وغيره من المتقدمين.
الرابع: التخريج: فيقولون: يتخرج كذا، .. وهو في معنى الاحتمال وإنما يكون الاحتمال والتخريج إذا فُهِمَ المعنى، وكان المخرج والمحتمل مساويا لذلك المخرج منه في ذلك المعنى، (كما إذا أفتى في مسالتين متشابهتين بحكمين مختلفين في وقتين، جاز نقل الحكم وتخريجه من كل واحدة منهما إلى الأخرى، ما لم يفرق بينهما
(1)
أو يقرب الزمن
(2)
).
الخامس: الاحتمال: وهو في الأصل مصدر احتمل الشيء، بمعنى حمله، وهو افتعال منه، ومعناه: أن هذا الحكم المذكور، قابل ومتهيء لأن
(1)
أي: ما لم ينطق الإمام بالفرق بين المسألتين فيكون حينئذ قاصدا التفريق بينهما لا ذاهلا وعليه فيمتنع التخريج في هذه الحالة.
(2)
أي: يقرب الزمن بين المسألتين المتشابهتين اللتين فرق بينهما الإمام في الحكم؛ ففي هذه الحالة يمتنع التخريج المذكور قال في الإنصاف: قال في الرعايتين، وآداب المفتي: أو قرب الزمن: بحيث يظن أنه ذاكر حكم الأولة حين أفتى بالثانية.
ويسمى هذا بالنقل والتخريج وفيه خلاف فصاحب المطلع والطوفي في الأصول على جوازه، قال المرداوي
: (الإنصاف 30/ 371): وكثير من الأصحاب على ذلك، ثم قال: والصحيح من المذهب: أنه لا
يجوز، كقول الشارع ذكره أبو الخطاب في التمهيد وغيره وقدمه ابن مفلح في أصوله، والطوفي في أصوله،
وصاحب الحاوي الكبير، وغيرهم وجزم به المصنف في الروضة، كما لو فرق بينهما، أو منع النقل والتخريج قال في الرعايتين، وآداب المفتي: أو قرب الزمن، بحيث يظن أنه ذاكر حكم الأدلة حين أفتى بالثانية والمذهب: إجراء الخلاف مطلقا فعلى المذهب: يكون القول المخرج وجها لمن خرجه وعلى الثانية: يكون رواية مخرجة).
وعرف المرداوي التخريج بقوله: (وأما التخريج: فهو نقل حكم مسألة إلى ما يشبهها، والتسوية بينهما فيه).
يقال فيه بخلافه، كاحتمال قبول الشهادة بغير لفظ الشهادة، نحو: أعلم أو أتحقق، أو أجزم، فإنه قابل للقول فيه بذلك.
والاحتمال: تبين أن ذلك صالح، لكونه وجها، وكثير من الاحتمالات في المذهب، بل أكثرها، للقاضي الإمام أبي يعلى، محمد بن الفراء، وفي كتابه "المجرد" وغيره.
ومما تكرر فيه قوله: ظاهر المذهب: فالمذهب مفعل من ذهب يذهب، إذا مضى، مقصود به المصدر، أي ظاهر ذهابه، والألف واللام فيه للعهد؛ لأن المراد بذلك مذهب الإمام أحمد، والظاهر: البائن الذي ليس يخفى، يعني أنه المشهور في المذهب، كنقض الوضوء بأكل لحم الجزور ولمس الذكر، وعدم صحة الصلاة في الدار المغصوبة، ولا يكاد يطلق إلا على ما فيه خلاف عن الإمام أحمد).
وقد ألف الشيخ المرداوي - رحمه الله تعالى - كتبه الثلاثة على الترتيب التالي: