الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الخامس: في الترجيح بين "المنتهى" و"الإقناع
":
المطلب الأول: في الترجيح بين "الإقناع" و"المنتهى" إذا اختلفا:
اختلف العلماء المتأخرون في ذلك على أقوال، وأشهرها الأقوال التالية:
القول الأول: أن المذهب المعتمد هو: ما اتفق عليه التنقيح، والمنتهى، والإقناع، فإن اختلفوا، فالمذهب ما اتفق عليه المنتهى والإقناع، فإن اختلفوا فالمذهب هو ما في المنتهى لأنه أدق فقها من الاثنين.
(1)
القول الثاني: أن المذهب المعتمد هو: ما اختاره صاحب "المنتهى".
القول الثالث: أن المذهب المعتمد هو: ما رجحه الشيخ مرعي الكرمي في " غاية المنتهى".
ويقال: إنه ما أوصى به الشيخ محمد السفاريني أحد طلابه حيث قال: (عليك بما في "الإقناع" و"المنتهى"، فإن اختلفا فانظر ما يرجحه صاحب "غاية المنتهى")
(2)
.
(1)
وهو ما رجحه الشيخ علي بن محمد الهندي الحنبلي (ت 1419 هـ) في كتابه المذهب عند الحنابلة المسمى: مقدمة البيان في بيان المصطلحات الفقهية ص 338.
(2)
ولم أجد مصدرا لتوثيق هذه المقولة؛ إنما هي مشتهرة ومتداولة فقط بين أهل العلم، ثم وقفت على كلام الشيخ عبد الله الشمراني قال:(لم أظفر - بعد طول بحث - بتوثيق هذا النقل من كتب السفاريني المطبوعة، ولم أقف على أحد وثقه من كتبه، وأول من نقله - ممن وقفت عليه -: العلامة ابن مانع في مقدمته لـ" غاية المنتهى " 1/ 4، وممن نقله الشيخان: محمد آل إسماعيل في اللآلئ البهية ص 41، وبكر أبو زيد في المدخل المفصل 2/ 762، وغيرهم، ولم يذكروا مصدَرَهم فالله أعلم انتهى). انظر الإمام الفقيه موسى الحجاوي وكتابه زاد المستقنع 1/ 298 هامش 4
وكلامه ليس على إطلاقه، ومن تتبع كلام الشيخ الخلوتي، والشيخ النجدي في حاشيتهيما لم يجد ترجيحات صاحب الغاية ذات اهتمام كبير، ولا يعتمدان عليها في الترجيح بين الكتابين.
ويشكل على ذلك أيضا: أن صاحب الغاية - أحيانا - يرجح خلاف ما اتفق عليه "الإقناع" و "المنتهى" بقوله: (خلافا لهما).
ويشكل عليه أيضا: أنه ليس كل ما رجحه بينهما يدل على وجود خلاف بينهما، بل أحيانا يرجح بينهما في مسائل ليس فيها خلاف حقيقي بينهما، وأيضا لم يرجح في كل المسائل التي اختلفا فيها، بل فاته بعض المسائل التي اختلفا فيها ولم يرجح فيها، وأحيانا يرجح في مسائل لم يذكرها صاحب "المنتهى" أصلا.
والأقرب - والله أعلم -: أن "المنتهى" مقدم على "الإقناع"، مع مراعاة
(1)
"التنقيح" وكثيرا ما يرجح الشيخ منصور في شرح المفردات بذكر "الإقناع" و"المنتهى" و"التنقيح"، ومع مراعاة أيضا ترجيحات الشيخ مرعي الكرمي، وما اختاره أيضا كل من الشيوخ الثلاثة: الشيخ منصور البهوتي، والشيخ محمد الخلوتي، والشيخ عثمان النجدي - رحمة الله تعالى عليهم أجمعين - وذلك لأن هؤلاء الثلاثة هم أكثر من تناول مسائل كتابي "الإقناع" و"المنتهى"، فالشيخ منصور كتب حواشيه عليهما ثم شرحهما شرحا وافيا، وقد تكررت عليه مسائلهما مرات عديدة، وأكثر من النقل من كتب التصحيح الثلاثة التي هي:"الإنصاف"، و"تصحيح الفروع"، و"التنقيح"، وأما الشيخ محمد الخلوتي فكتب حاشيتيه النفيستين على "الإقناع" و"المنتهى"، وأما الشيخ عثمان فكتب حاشيته النفيسة على "المنتهى" وأكثر في نقله عن
(1)
أي: مع مراجعة كل من التنقيح وما ذكر بعده.
"الإقناع"، والمقصود إنهم هم أكثرمن وقف مع مسائل "المنتهى" و"الإقناع" وبذلك يكونون أدرى الناس بكلام "الإقناع" و"المنتهى"، فالمرجع في الترجيح بين الكتابين إليهم، وهم لا يكادون يخرجون عن "المنتهى" إلا في القليل النادر وما ذاك إلا لأسباب اقتضت الخروج عن "المنتهى" إلى "الإقناع"، ولا يعني ترجيح "المنتهى" على "الإقناع" ضعف قول"الإقناع"، بل قد يكون القول المرجوح الذي في "الإقناع" أقوى من قول المذهب من حيث الدليل، ثم إن المسائل التي اختلف فيها "الإقناع" و "المنتهى" قليلة بالنسبة للمسائل التي اتفق عليها الكتابان والتي هي بالآلاف.
قال في الإنصاف
(1)
: (واعلم رحمك الله أن الترجيح إذا اختلف بين الأصحاب إنما يكون ذلك بقوة الدليل من الجانبين وكل واحد ممن قال بتلك المقالة إمام يقتدى به فيجوز تقليده والعمل بقوله ويكون ذلك في الغالب مذهبا لإمامه لأن الخلاف إن كان للإمام أحمد فواضح، وإن كان بين الأصحاب فهو مقيس على قواعده وأصوله ونصوصه)
وتقديم "المنتهى" لا يخالف ما نقله الشيح أحمد بن عوض عن الشيخ عثمان النجدي بقوله: (صريح "المنتهى" مقدم على صريح "الإقناع"، وصريح "الإقناع" مقدم على مفهوم "المنتهى"، ومفهوم "المنتهى" مقدم على مفهوم "الإقناع")
(2)
.
ومثله ما قاله الشيخ عبدالله بن عقيل: (وقد قالوا: إذا اتفق " الإقناع" و"المنتهى" فهذا المذهب، وإذا اختلفا فالمذهب ما في" المنتهى"، وإذا اختلف مفهوم " المنتهى" مع منطوق "الإقناع" فمنطوق "الإقناع" أولى)
(3)
.
فالصريح المنطوق مقدم على المفهوم كما نص على ذلك أهل الأصول.
(1)
انظر: المقنع والشرح الكبير ومعهما الإنصاف 1/ 26
(2)
ذكره الشيخ عبدالله البسام في ترجمة الشيخ عثمان النجدي في كتاب: علماء نجد 5/ 135.
(3)
انظر: كتاب إدراك المطالب بحاشية ابن عقيل على دليل الطالب وجمع وترتيب الدكتور وليد المنيس ص 30.
أمثلة:
المثال الأول: قال الشيخ عثمان النجدي في هداية الراغب: (صرح في "الإقناع" بكراهة هذا النوع - أعني: المستعمل في طهارة مستحبة - وظاهر "المنتهى"، كالتنقيح، والفروع، والمبدع، والإنصاف، وغيرها: عدم الكراهة، واستوجه المصنف
(1)
ما ذكره صاحب "الإقناع" وقد يقال: الظاهر لا يعارض الصريح لقوته فلعل ظاهر كلامهم غير مراد)
(2)
.
المثال الثاني: قول الشيخ عثمان في قول صاحب "المنتهى"(وفي الباقي من أوساطه، ولا يكره لعذر كمرض وسفر، ونحوهما بأقصر من ذلك، وإلا كره بقصاره في فجر، لا بطواله في مغرب)
قال الشيخ عثمان: قوله (وإلا .. الخ) أي: وإن قرأ في غير المغرب بأقصر من ذلك لغير عذر كره في صورة واحدة، وهي: أن يقرأ في الفجر بقصار المفصل، ومفهومه: لا يكره في غير فجر ومغرب بقصاره، ولو لغير عذر، وهو أولى من مفهوم كلام "الإقناع" فراجعه)
(3)
.
وخلاصة المسألة على ما ذكره الشيخ النجدي:
1 -
يسن أن يقرأ في الظهر والعصر والعشاء بأوساط المفصل.
2 -
ويسن أن يقرأ في المغرب بقصاره.
3 -
ويسن أن يقرأ في الفجر بطواله.
فإن خالف فقرأ في المغرب مثلا بطواله أو أوساطه، وفي الفجر بقصاره أو أوساطه، وفي الظهر والعصر والعشاء بطوال المفصل أو قصاره فلا يخلو:
الحالة الأولى: إن كان لعذر كمرض ونحوه فلا يكره في الكل.
الحالة الثانية: إن كان لغير عذر لم يكره إلا فيما إذا قرأ في الفجر بقصار المفصل.
(1)
أي الشيخ منصور حيث قال: وما ذكره متوجه اهـ انظر: كشاف القناع 1/ 54.
(2)
1/ 28.
(3)
حاشيته على "المنتهى" 1/ 212.