الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
موطأ الإمام مالك:
موطأ الإمام مالك، هو ذلك الكتاب المبارك الذي ألفه الإمام مالك بن أنس الأصبحي الحميري أبو عبد الله المدني، إمام دار الهجرة رضوان الله تعالى عليه، وكان من أتابع التابعين، أورده الحافظ في التذكرة في الطبقة الخامسة من الحفاظ، ووصفه بأنه الإمام الحافظ فقيه الأمة وشيخ الإسلام وإمام دار الهجرة، وهو أحد الأئمة الأربعة المعروفين، كان رحمه الله عظيم المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، مبالغًا في تعظيمه، حتى كان لا يركب في المدينة مع ضعفه وكبر سنه ويقول: لا أركب في بلد فيها جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم مدفون، توفي رضي الله عنه عام تسع وسبعين ومائة للهجرة1.
وكتابه الموطأ، وصفه الحافظ السيوطي في مقدمته للشرح المسمى بتنوير الحوالك -نقلًا عن القاضي أبي بكر بن العربي- بأنه الأصل الأول واللباب، وكتاب البخاري هو الأصل الثاني في هذا الباب "يريد الحديث"، وعليهما بنى الجميع كمسلم والترمذي، وقد جمع فيه قبل تهذيبه -كما نقل السيوطي- عشرة آلاف حديث، ولم يزل يعرضها على الكتاب والسنة ويخبرها بالآثار حتى رجعت إلى خمسمائة، وأورد عدة نقول تختلف بعض الاختلاف مع هذا النقل بالزيادة أو النقصان.
وينقل السيوطي في هذا المقام عن أبي بكر الأبهري في جملة ما في الموطأ من الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين أنها ألف وسبعمائة وعشرون حديثًا: المسند فيها ستمائة حديث، والمرسل مائتان واثنان وعشرون حديثًا، والموقوف ستمائة وثلاثة عشر، ومن قول التابعين مائتان وخمسة وثمانون.
وأورد نقولًا أخرى تختلف عن ذلك أيضًا، وقال: إن هذا الموطأ رواه عن مالك جماعات كثيرة، وبين رواياتهم اختلاف من تقديم وتأخير وزيادة ونقص، وأكبرها رواية القعنبي2.
وقد أورد عن الإمام مالك في سبب تسميته بالموطأ ما قال: إنه عرض كتابه هذا على سبعين من فقهاء المدينة، فكلهم واطأه عليه، فسماه الموطأ3.
وقد اشتهر عن الإمام الشافعي أنه قال: ما على ظهر الأرض كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك، وواضح أن ذلك كان قبل ظهور كتب السنة المعتبرة التي على رأسها الصحيحان الجليلان اللذان تلقتهما الأمة بالقبول -صحيحا البخاري ومسلم.
وفي هذا المقام يقول الحافظ ابن حجر: كتاب مالك صحيح عنده وعند من يقلده على ما اقتضاه نظره من الاحتجاج بالمرسل والمنقطع وغيرهما.
1 شذرات الذهب: ج1 ص289.
2 تنوير الحوالك: ج1 ص7.
3 تنوير الحوالك: ج1 ص5.
وفي كتب المصطلح تناوُل لهذا الكتاب، وما وجه إليه من نقد، وما دفع به عنه، ولا يتسع مجالنا الآن لإيراد ذلك، فإن المقصود بيان أن الموطأ من أهم أسس الكتب الحديثية الخاصة بالأحكام إن لم يكن هو الأساس الأول لتلك الكتب.
ولا بد أن نشير إلى أن الموطأ من الكتب العظيمة التي اتجهت إليها عناية العلماء والمحدثين بالشرح، حتى قال القاضي عياض: إنه لم يعتن بكتاب من كتب الحديث والعلم اعتناء الناس بالموطأ، فقد شرحه ابن عبد البر بكتاب سماه التمهيد والاستذكار، وشرحه أبو الوليد بن الصفار بكتاب سماه "الموغب"، وشرحه أبو محمد بن السيد البطليموسي النحوي بكتاب سماه "المقتبس"، وشرحه القاضي أبو بكر بن العربي بكتاب سماه "القبس"، وشرحه أبو الوليد الباجي بثلاثة شروح:"المنتقى والأسماء والاستيفاء"، كما شرحه السيوطي بكتابه الذي سماه كشف المغطى في شرح الموطأ، وكتابه الآخر تنوير الحوالك، وقدم له بمقدمة شحنها بكثير من الفوائد، وهي التي رجعنا إليها في تصويرنا لهذا الكتاب والحديث عنه.
ومن العلماء من وجه عنايته إلى شرح غريبة فقط، منهم الأخفش، والبرقي، وأبو القاسم العثماني المصري.
ومنهم من ألف في رجاله فقط، كأبي عبد الله بن الحذاء، وأبي عبد الله بن المفزع، والبرقي، وللسيوطي كتاب في رجاله سماه:"إسعاف المبطأ برجال الموطأ".
ولا يفوتنا -قبل مغادرة الحديث عن هذا الكتاب الجليل- أن نشير إلى الناحية البارزة فيه، وهي أنه أورد بجانب الأحاديث النبوية من أقوال الصحابة والتابعين ما قدر بثمانية وتسعين وثمانمائة من الآثار: الموقوف منها ثلاثة عشر وستمائة، والمقطوع خمسة وثمانون ومائتان، وهو ما يربو على نصف الكتاب، وللإمام وجهته في ذلك، فإنه انتفع بتلك الآثار وأفاد بها فائدة جليلة فوق ما أورده من الأحاديث: مسانيدها ومرسلها.
إن من هذه الآثار ما كان يوجه إلى أحكام مستقلة لم تسعفه رواية الحديث بها، ومن ذلك الأثر الذي رواه عن سالم بن عبد الله دليلًا على منع تغطية الفم في الصلاة، من أنه كان إذا رأى من يغطي فاه بثوبه وهو يصلي جبذ الثوب جبذًا شديدًا1.
ومن ذلك ما نقله عن ابن عمر من أن في قُبلة الرجل امرأته وجسها الوضوء، ونقل مثله عن ابن مسعود بلاغًا، ومثلهما عن ابن شهاب من التابعين، ولم يذكر حديثًا في هذا الموضوع2.
ومنها ما يشير إلى خلاف في الرأي بين بعض الصحابة وبعض، أو بين بعض الصحابة وبعض التابعين، وذلك كما أورد عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قدم من العراق، فدخل عليه بعض الصحابة فقرب له طعامًا قد مسته النار فتوضأ أنس، ولم يتوضأ الآخر.
1 تنوير الحوالك: ج1 ص30.
2 تنوير الحوالك ج1 ص50.
ونظير هذا ما نقله عن عثمان بن عفان، أنه أكل خبزًا ولحمًا ثم مضمض وغسل يديه ومسح بهما وجهه، ثم صلى ولم يتوضأ.
وكذلك ما بلغ مالكًا عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما كانا لا يتوضأان مما مسته النار1.. ونظير ذلك الحديث.
وكما نقل عن عروة بن الزبير أن أباه مسح على الخفين ولم يزد على مسح الظهور، ثم نقل عن ابن شهاب أن مالكًا سأله عن المسح على الخفين فمسحهما أمامه من تحت الخف ومن فوقه، وإن كان مالك أيد ما نقله عن ابن شهاب2.
ومما نقل فيه الخلاف أيضًا بين الصحابي والتابعي حكم الرعاف في الصلاة، فإن ابن عباس غسل الدم ثم بنى من غير وضوء، وأما سعيد بن المسيب فإنه توضأ ثم بنى على ما صلى3، ولم يؤيد مالك أحد الرأيين في موطئه.
ومنها كذلك ما يقع تفسيرًا لبعض غريب القرآن4، كما جاء عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه فسر دلوك الشمس بميلها، وعن ابن عباس أنه قال: دلوك الشمس إذا فاء الفيء، وغسق الليل اجتماع الليل وظلمته.
ويبدو أن بعض الرواة عن مالك كان يضيف زيادات مما يستقر عليه رأي مالك في بعض الأحكام كالذي نقله يحيى عن مالك أنه سئل: هل في القيء وضوء؟ قال: لا، ولكن ليتمضمض وليسغل فاه، وليس عليه وضوء5.
وكما في رأي مالك فيمن نسي أن يمسح رأسه حتى جف وضوءه، قال راوي الكتاب: سئل مالك عن رجل توضأ فنسي أن يمسح رأسه حتى جف وضوءه، فقال: أرى أن يمسح برأسه، وإن كان قد صلى أن يعيد الصلاة.
على أن بعض ما عد من الآثار في هذا الكتاب ما يستحق أن يعد من الأحاديث المرفوعة؛ بناء على ما تقرر في أصول الحديث من أن قول الصحابي له حكم الرفع إذا كان مما لا مجال للرأي فيه، ولدينا في الموطأ آثار عديدة من هذا النوع.
منها ما نقله عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى عماله: أن صلوا الظهر إذا كان الفيء ذراعًا إلى أن يكون ظل أحدكم مثله، والعصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية، والمغرب إذا غربت الشمس6
…
إلخ، ونظيره ما كتبه إلى أبي موسى: أن صل الظهر إذا زاغت الشمس إلخ، ومثله ما نقله عن أبي هريرة، أن رجلًا سأله عن الأوقات فقال: صل الظهر إذا كان ظلك مثلك، والعصر إذا كان ظلك مثليك.
1 تنوير الحواليك: ج1 ص37 وما بعدها.
2 تنوير الحوالك: ج1 ص47.
3 تنوير الحواليك: ج1 ص47.
4 تنوير الحوالك: ج1 ص23.
5 تنوير الحوالك: ج1 ص37.
6 تنوير الحوالك: ج1 ص19.
والنسخة التي بين أيدنا للموطأ بشرح تنوير الحوالك من طبع الحلبي بمصر عام تسع وأربعين وثلاثمائة وألف للهجرة، وهي جزءان في مجلد.
بدئ الأول منها بحديث في وقوت الصلاة1 قال: حدثني يحيى بن يحيى الليثي عن مالك بن أنس عن ابن شهاب بن عمر بن عبد العزيز أخر الصلاة يومًا فدخل عليه عروة بن الزبير، فأخبره أن المغيرة بن شعبة أخر الصلاة يومًا وهو بالكوفة، فدخل عليه أبو مسعود الأنصاري، فقال: ما هذا يا مغيرة؟ أليس قد علمت أن جبريل نزل فصلى، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: بهذا أمرت؟ فقال عمر بن عبد العزيز: أعلم ما تحدث به يا عروة، وإن جبريل هو الذي أقام لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقت الصلاة
…
إلخ.
وانتهى الجزء الأول بأثر عنون له بميراث ولد الملاعنة وولد الزنا، وهو: حدثني يحيى عن مالك، أنه بلغه أن عروة بن الزبير كان يقول في ولد الملاعنة وولد الزنا: إنه إذا مات ورثته أمه حقها في كتاب الله عز وجل وإخوته لأمه حقوقهم، ويرث البقية موالي أمه إن كانت مولاة، وإن كانت عربية ورثت حقها، وورث إخوته لأمه حقوقهم، وكان ما بقي للمسلمين، قال مالك: وبلغني عن سليمان بن يسار مثل ذلك، قال مالك، وعلى ذلك أدركت أهل العلم ببلدنا.
ثم بدأ الجزء الثاني بكتاب النكاح: ما جاء في الخطبة وأورد حديثًا في أوله قال فيه: حدثني يحيى عن مالك بن محمد بن يحيى بن حبان عن الأعرج عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه".
وانتهى الجزء الثاني بحديث عنون له بأسماء النبي صلى الله عليه وسلم هو: حدثني مالك عن ابن شهاب عن محمد بن جبير بن مطعم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لي خمسة أسماء أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب".
والكتاب مشحون بالأحاديث والآثار والبلاغات، موزعة على الكتب والأبواب وما يندرج تحتها من عناوين، ويحوي مادة خصبة للدارسين والباحثين، يرفع من شأنها قرب عهد مؤلفها من صدر الإسلام، ومعاصرته لكثير من أجلاء التابعين وأتباع التابعين، ممن نقلوا إلينا السنة وأخذنا عنهم الدين، ومما يصدق شهادة الإمام الشافعي لهذا الكتاب من أنه أصح كتاب بعد القرآن الكريم أن الأمة تلقته بالقبول، ولم يزل تعويلها عليه منذ ظهر إلى يومنا هذا، فكان العلماء والأئمة ما بين شارح له، أو مقتبس منه، أو راجع إلى ما فيه من الأحاديث والآثار الكريمة.
رحم الله الإمام مالك بن أنس، وجزاه عما قدم للأمة الإسلامية خير الجزاء.
1 تنوير الحوالك ج1 ص11 وورد العنوان هكذ: وقوت الصلاة.