المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد: - مدرسة الحديث في مصر

[محمد رشاد خليفة]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة:

- ‌الباب الأول: أعلام المحدثين في مصر منذ الفتح الإسلامي حتى سقوط بغداد

- ‌مدخل

- ‌الفصل الأول: الصحابة والتابعون وأتباعهم

- ‌مدخل

- ‌الصحابة:

- ‌التابعون وأتباعهم ومن جاء بعدهم:

- ‌الفصل الثاني: أعلام المحدثين في مصر منذ سقوط بغداد إلى نهاية القرن الثامن الهجري

- ‌الفصل الثالث: أعلام المحدثين في مصر في القرنين التاسع والعاشر الهجري

- ‌الفصل الرابع: الإنتاج العلمي في الحديث

- ‌الباب الثاني: مناهج المحدثين في مصر

- ‌الفصل الأول: قبل سقوط بغداد

- ‌الدول الأول: عصر الرواية المثبتة ومنهجهم فيه

- ‌الدور الثالث: عصر تدوين الحديث مفروزا ومنهجهم فيه

- ‌الدور الخامس: عصر التقليد والاختصار والتقريب ومنهجهم فيه

- ‌الفصل الثاني: بعد سقوط بغداد

- ‌الفصل الثالث: مقارنة وموازنة

- ‌الباب الثالث: المدونات الحديثية

- ‌مدخل

- ‌الفصل الأول: كتب الأحكام

- ‌مدخل

- ‌موطأ الإمام مالك:

- ‌سنن أبي داود:

- ‌شرح معاني الآثار للإمام الطحاوي:

- ‌عمدة الأحكام:

- ‌منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار:

- ‌تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد:

- ‌بلوغ المرام من أدلة الأحكام:

- ‌كشف الغمة عن جميع الأمة:

- ‌خاتمة الفصل الأول:

- ‌الفصل الثاني: كتب الترغيب والترهيب

- ‌مدخل

- ‌كتاب الترغيب والترهيب:

- ‌الزواجر في النهي عن اقتراف الكبائر:

- ‌الإتحافات السنية في الأحاديث القدسية:

- ‌الفصل الثالث: كتب الجوامع

- ‌مدخل

- ‌الجامع الكبير أو جمع الجوامع:

- ‌الجامع الصغير:

- ‌كنوز الحقائق في حديث خير الخلائق:

- ‌الفصل الرابع: كتب الزوائد

- ‌مدخل

- ‌مجمع الزوائد ومنبع الفوائد:

- ‌المطالب المعالية بزوائد المسانيد الثمانية

- ‌الفصل الخامس: كتب توضيح المبهمات

- ‌مدخل

- ‌غريب الحديث:

- ‌الدر النثير تلخيص النهاية لابن الأثير

- ‌الشروح الحديثية:

- ‌عمدة القاري شرح صحيح البخاري

- ‌ارشادات الساري لشرح صحيح البخاري

- ‌كتب مشكل الآثار أو تأول مختلف الحديث

- ‌الفصل السادس: كتب أصول الحديث

- ‌مدخل

- ‌التقييد والإيضاح في شرح مقدمة ابن الصلاح:

- ‌ألفية الحديث:

- ‌فتح المغيث بشرح ألفية الحديث:

- ‌نخبة الفكر وشرحها:

- ‌تدريب الراوي في شرح تقريب النواني

- ‌الفصل السابع: كتب التخريج

- ‌مدخل

- ‌المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الأحياء من الأخبار:

- ‌تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير:

- ‌مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا

- ‌الفصل الثامن: كتب الرجال

- ‌مدخل

- ‌الإصابة في تمييز الصحابة:

- ‌الضوء اللامع لأهل القرن التاسع:

- ‌طبقات الحفاظ:

- ‌إسعاف المبطأ برجال الموطأ:

- ‌خاتمة:

- ‌التخريج:

- ‌بيان المراجع:

- ‌الفهارس

- ‌فهرس الأعلام

- ‌فهرس الأنساب:

- ‌فهرس الموضوعات:

الفصل: ‌تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد:

‌تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد:

للحافظ العراقي المتوفى سنة 806هـ:

وشرح المسمى طرح التثريب في شرح التقريب؛ للحافظ العراقي وولده أبي زرعة المتوفى سنة 826هـ:

هذا كتاب وضعه الحافظ العراقي المتوفى عام ست وثمانمائة للهجرة، وقد ذكره الإمام السيوطي في حسن المحاضرة1 وهو بصدد الكلام على من كان بمصر من حفاظ الحديث فقال:

العراقي الحافظ الإمام الكبير زين الدين أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسن بن عبد الرحمن حافظ العصر، ولد بمنشأة المهرماني بالقاهرة في جمادى الأولى سنة خمس وعشرين وسبعمائة، وعني بالفن فبرع فيه وتقدم، بحيث كان شيوخ عصره يبالغون في الثناء عليه بالمعرفة، كالسبكي والعلائي وابن كثير وغيرهم، ونقل عنه الإسنوي في المهمات ووصفه بحافظ العصر، وله مؤلفات في الفن بديعة، كالألفية التي اشتهرت في الآفاق، وشرحها، ونظم الاقتراح، وتخريج أحاديث الإحياء، وتكملة شرح الترمذي لابن سيد الناس، وشرع في إملاء الحديث من سنة ست وتسعين، فأحيا الله تعالى به سنة الإملاء بعد أن كانت دائرة، فأملى أكثر من أربعمائة مجلس، وقد رثاه -بعد موته- الحافظ ابن حجر بقصيدة طويلة أوردها السيوطي، ونقل ابن العماد في الشذرات2 عن الحافظ ابن حجر في كتابه إنباه الغمر أنه ذكر في ترجمة الحافظ العراقي أنه حفظ التنبيه، واشتغل بالقراءات، ولازم المشايخ في الرواية، وسمع في غضون ذلك من الحافظ عبد الرحيم بن شاهد الجيش وابن عبد الهادي وعلاء الدين التركماني، وقرأ بنفسه على الشيخ شهاب الدين بن البابا وتشاغل بالتخريج، ثم تنبه للطلب بعد أن فاته السماع من مثل يحيى البصري آخر من روى حديث السلفي عاليًا بالإجازة، ومن الكثير من أصحاب ابن عبد الدايم والنجيب بن علاق، وأدرك أبا الفتح الميدومي فأكثر عنه وهو من أعلى مشايخه إسنادًا، وسمع أيضًا من ابن المملوك وغيره، ثم رحل إلى دمشق فسمع من ابن الخباز، ومن أبي العباس المرداوي ونحوهما، وعني بهذا الشأن، ورحل فيه مرات إلى دمشق وحلب والحجاز، وأراد الدخول إلى العراق ففترت همته من خوف الطريق، ورحل إلى الإسكندرية، ثم عزم على التوجه إلى تونس فلم يقدر له ذلك، وصنف أحاديث الإحياء، واختصره في مجلد وبيضه فكتبت منه النسخ الكثيرة، وقد ذكر أنه شرح ألفيته وعمل عليها نكتًا وصنف أشياء أخر كبارًا وصغارًا، وصار المنظور إليه في هذا الفن في زمن الشيخ جمال الدين الإسنائي ثم قال: ولم نر في هذا الفن أتقن منه، وعليه تخرج غالب أهل عصره، ومن أخصبهم به نور الدين الهيثمي، وولي شيخنا العراقي قضاء بالمدينة سنة ثمانين3 فأقام بها نحو ثلاث سنين، ثم سكن القاهرة أنجب ولده قاضي القضاة ولي الدين، ثم قال: لازمت شيخنا عشر سنين تخلل في أثنائها رحلاتي

1 ص360 ج1.

2 ص55 ج7.

3 لعلها سنة ستين وسبعمائة.

ص: 184

إلى الشام وغيرها، وقرأت عليه كثيرًا من المسانيد والأجزاء، وبحثت عليه شرحه على منظومته وغير ذلك، وشهد لي بالحفظ في كثير من المواطن، وكتب لي خطه بذلك مرارًا، وسئل عند موته: من بقي بعده من الحفاظ؟ فبدأ بي، وثنى بولده، وثلث بالشيخ نور الدين، وتوفي عام ست وثمانمائة للهجرة، وله إحدى وثمانون سنة وربع سنة.

وكتابه تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد1 وقد ألفه -كما يقول في مقدمته- لأبنه أبي زرعة الذي ترجم له في شرحه المسمى "طرح التثريب في شرح التقريب" وقال: إنه أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن، المولود بظاهر القاهرة في ثالث ذي الحجة بعد صلاة الصبح من سنة اثنين وستين وسبعمائة، وأنه حضر بالقاهرة على القاضي ناصر الدين أبي عبد الله محمد بن محمد بن أبي القاسم الربعي التونسي، وفتح الدين أبي الحرم محمد بن محمد بن محمد بن أبي الحرم، وعلى أبي العباس أحمد بن أبي بكر العطار العسقلاني وغيرهم، وحضر بدمشق على يعقوب بن يعقوب الحريري، والقاضي عماد الدين محمد بن موسى بن سليمان بن السيرجي، وأبى عبد الله المؤذن وغيرهم، وحضر بصالحية دمشق على أحمد بن النجم إسماعيل بن أحمد بن عمر بن أبي عمر، وعلى الحسن بن أحمد بن هلال بن الهبل وغيرهم، ثم سمع بعد ذلك من خلائق، ومن مسموعاته الكتب الستة، والموطأ، ومسند الشافعي، ومسند الدارمي، ومسند الطيالسي، ومسند عبد بن حميد، وكتاب الأدب للبخاري، وكتاب الأدب للبيهقي، وصحيح ابن حبان، والمعجم للطبراني، وغير ذلك، ثم دعا له بأن يجعله الله من العلماء العاملين.

وقد وصف الحافظ العراقي كتابه التقريب بأنه مختصر في أحاديث الأحكام، متصل الأسانيد بالأئمة الأعلام، حتى لا يقع في نقيصة نقل العلم بدون إسناده، وبذلك يستغني عن حمل الأسفار، وعن مراجعة الأصول عند المذاكرة والاستحضار، وحتى يخلص به من الحرج بنقل ما ليست له به رواية، وذكر أنه أراد أن يسهل له جمع الأسانيد بأن يورد عدة أحاديث في تراجم محصورة، وتكون تلك التراجم فيما عد من أصح الأسانيد.

وطريقته: أن يذكر لفظ الحديث لمن أسنده إليه من الموطأ أو مسند أحمد، وإن كان الحديث في الصحيحين لم يعزه لأحد، وكان عدم العزو علامة على أنه متفق عليه، وإن كان في أحدهما فإنه يقتصر على عزوه إليه، وإن لم يكن في واحد من الصحيحين فإنه يعزوه إلى من خرجه من أصحاب السنن الأربعة وغيرهم ممن التزم الصحة، كابن حبان والحاكم، فإن كان عند من عزا الحديث إليه زيادة تدل على حكم ذكرها، وكذلك إذا كانت الزيادة من عند غيره.

وأورد أن الزيادة إن كانت من حديث ذلك الصحابي "الذي روى الحديث دون الزيادة" لم يذكرها، بل يقول: ولأبي داود وغيره كذا، وإن كانت من غير حديثه قال: ولفلان

1 أورده أيضًا صاحب هدية العارفين ج5 ص562.

ص: 185

من حديث فلان كذا، فإذا اجتمع حديثان فأكثر في ترجمة واحدة كقوله: عن نافع عن ابن عمر لم يذكرها في الثاني وما بعده، بل يكتفي بقوله: وعنه -ما لم يحصل اشتباه.

وذكر من منهجه أنه حيث عزا الحديث لمن خرجه فإنما يريد أصل الحديث -لا ذلك اللفظ- على قاعدة المستخرجات، فإن لم يكن الحديث إلا في الكتاب الذي رواه منه عزاه إليه بعد تخريجه -وإن كان قد علم أنه فيه- لئلا يلتبس ذلك بما في الصحيحين.

ثم ذكر ست عشرة ترجمة تنحصر في أسانيدها أحاديث هذا الكتاب، وذكر إسناده إلى تلك التراجم، وشيوخه إلى أربعة منها، وهذه الأربعة هي:

1-

نافع عن ابن عمر.

2-

الأعرج عن أبي هريرة.

3-

أنس.

4-

عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة.

ثم ذكر الاثنتي عشرة ترجمة الباقية بسند آخر ينتهي به إلى أحمد بن حنبل الذي يروي الأحاديث بأسانيده إلى كل ترجمة منها، وهذه التراجم هي:

5-

الزهري عن سالم عن أبيه عن عمر.

6-

الزهري عن سالم عن أبيه.

7-

عبيدة عن علي.

8-

الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود.

9-

معمر عن همام عن أبي هريرة.

10-

الزهري عن سعيد عن أبي هريرة.

11-

ابن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة.

12-

سفيان عن عمرو عن جابر.

13-

عبد الله بن بريدة عن أبيه.

14-

أبو الخير عن عقبة بن عامر.

15-

الزهري عن عروة عن عائشة.

16-

عبيد الله عن القاسم عن عائشة.

فهذه التراجم الست عشرة هي التي تنحصر فيها أسانيد هذا الكتاب، باعتبار بدئها من شيوخ المصنف ونهايتها إلى الصحابي.

وإنما آثر هذه التراجم الست عشرة باعتبار أنها أصح الأسانيد مطلقًا، أو مقيدة بالصحابي أو بأهل البلد، وذلك على الخلاف الذي أورده علماء مصطلح الحديث في مقام بيان أصح الأسانيد.

وإنما آثر المصنف هذا المسلك حرصًا منه على تجديد عهد الرواية بطرق من أقوى طرق التحمل،

ص: 186

خلافًا لما يلجأ إليه غيره من حذف الأسانيد اكتفاء بالتخريج، واعتمادًا على أن أحاديثها، وردت في صحاح كتب السنة، وهذا الذي يسلكه غيره إنما هو نوع من الوجادة التي اشترط المحدثون في الرواية بها الإذن أو الوصية من المؤلف، وهي عندهم من أضعف أنواع التحمل، إلا أنهم كانوا مضطرين إليها بعد عصر الرواية، اعتمادًا على تحقق الثقة في الأحاديث عن طريقها، ولكن المصنف قد تحاشها، وندد بمن يعتمد في روايته عليها إذ يقول: إن هذا المختصر متصل الأسانيد بالأئمة، ويعلل هذا الاتصال الذي عول عليه في روايته لابنه بقوله: إنه يقبح بطالب الحديث بل بطالب العلم ألا يحفظ بإسناده عدة من الأخبار، يستغني بها عن حمل الأسفار في الأسفار، وقد ادعى أن ذلك غير سائغ بإجماع أهل الدراية، ونقل ذلك عن الحافظ أبي بكر محمد بن خير الأموي.

ولا يسوغ الاعتراض على هذا المسلك بأن روايته عن أحمد بن حنبل ترجع إلى التحمل بالوجادة على اعتبار أنها نقل عن مسنده، فقد صرح المؤلف في الرواية عن أحمد بأن شيخه الذي نقل عن أحمد وهو عبد الله بن أحمد قال: حدثني أبي أحمد بن محمد بن حنبل، فالتحمل هنا بلفظ حدثني لا بطريق الوجادة في المسند.

وقد أوضح المؤلف بأنه لم يرتب كتابه هذا على طريق التراجم التي ذكرها في المقدمة، بل على أبواب الفقه لقرب تناوله، كما صرح بأنه أتى في آخره بجملة من الأدب والاستئذان وغيره، وهذا لأنه لم يرد أن يخليه من جانب الترغيب في الطاعة والترهيب من المعصية.

وقد تأثر بهذا تلميذه الحافظ ابن حجر فختم كتابه "بلوغ المرام" بكتاب سماه الجامع، ذكر فيه أنواعًا من ذلك، إلا أنه لم يتأثر بشيخه في إيراده لبعض أحاديث تتعلق بالقدر وأشراط الساعة والبعث وذكر الجنة والنار لأن فيها استطرادًا يبعد به عن مقصود الكتاب، وإنما موضعها العقائد.

ومن تتبع الصحابة الذين تنتهي إليهم هذه التراجم وجدهم لا يخرجون عن عشرة من أجلائهم، هم على الترتيب الذي أورده في المقدمة: ابن عمر، أبو هريرة، أنس، عائشة، عمر بن الخطاب، علي بن أبي طالب، عبد الله بن مسعود، جابر، بريدة، عقبة بن عامر.

غير أنه عند إيراده لأول حديث في الكتاب -وهو حديث: "إنما الأعمال بالنيات" الذي التزم إيراده في أوله جريًا على طريقة المصنفين- خرج عن هذه التراجم لكونه لم يشترك مع ترجمة أحاديث عمر التي أوردها ضمن تراجمه، بل اعتمد في هذا الحديث على رواية علقمة بن أبي وقاص عن عمر، وهي غير الترجمة التي أوردها في الرواية عن عمر والتزم بها في هذا الكتاب، فإنها رواية سالم عن أبيه عن عمر، وذلك لأنه لم يجد لحديث:"إنما الأعمال بالنيات" هذه الترجمة التي التزم بها في أحاديث هذا الكتاب.

ومن الصور البارزة في هذا المؤلف أن الحافظ العراقي قد تجلت عنايته بالرواة وغيرهم ممن وردت أسماؤهم في الكتاب -كما يقول- فترجم لكل منهم قبل البدء في شرح الكتاب ترجمة مصورة له تصويرًا واضحًا.

ص: 187

وقد أفادنا هذا المسلك إفادة قيمة، ولا سيما فيما يتعلق بشيوخه الذين أخذ عنهم ووصلوا به إلى هذه التراجم، فإنه ربما لم يرد أن يحيل القارئ إلى العناء في البحث عنهم، وربما لا يتيسر للقارئ مراجع يتعرف بها على هؤلاء الشيوخ الذين انتهوا به إلى تلك الأصول، وإن في بيان شيوخه زيادة ثقة واطمئنان إلى هذا الكتاب وما ورد فيه من أحاديث.

ومما ينبغي التنبيه له في هذا المقام أن الحافظ العراقي قد استقل في هذا الكتاب بمتن التقريب، وأنه اشترك مع ابنه أبي زرعة في وضع الشرح عليه، فكتب كل منهما بعضًا من هذا الشرح، ولم تكن كتابة كل منهما على الترتيب من حين بدأ إلى حيث انتهى كما يقع في غيره من الكتب التي يشترك فيها أكثر من مؤلف استكمالًا لما ترك شاغرًا في الكتاب، وإنما اشترك التمليذ مع والده في حياته في شرح هذا الكتاب.

ولأمر ما بدأ الوالد بالتعريف بالرجال الذين وردت أسماؤهم فيه، ثم شرح جزءا من المتن لم يكن هو كل ما تناوله من الشرح في هذا الكتاب، ثم بدأ الابن من حيث انتهى أبوه، فشرح قطعة أخرى من المتن متصلة بما وقف عندها والده، ثم عاد الوالد فبدأ من حيث انتهى ابنه. وهكذا حتى انتهى شرح الكتاب المسمى "طرح التثريب في شرح التقريب".

وقد وقفنا على بيان هذه التجزئة التي لم نتبين بالتحديد الباعث عليها، وربما كان الباعث عليها هو دقة إشراف الوالد على عمل ابنه فيما اشترك معه فيه، وحفز همته إلى الكدح والاجتهاد الذي يقرب له المساواة معه في طريقة البحث، أقول: وهذا الذي وقفنا عليه من بيان هذه التجزئة هو تصريح من أبي زرعة ولد الحافظ العراقي في إجازة نقلت من خط أبي زرعة نفسه يذكر فيها: أن جميع هذا الجزء الأول من طرح التثريب من تأليف والده وتكميل أبي زرعة له؛ فمن أوله إلى أول باب مواقيت الصلاة من كلام والده رحمه الله، ومن أول الباب المذكور إلى أول باب التأمين من كلام أبي زرعة، ومن أول باب التأمين إلى باب الإمامة من كلام والده، ومن الإمامة إلى باب الجلوس في المصلى وانتظار الصلاة من كلام أبي زرعة، ومن ثم إلى آخر هذا المجلد من كلام والده رحمة الله عليه.

هذا ما وصل إلينا نقلًا عن الضبي ناسخ هذا الكتاب من خط مؤلفيه، ذكرته لجنة التحقيق في تصديرها للكتاب1.

وهذا القدر من البيان لم يوضح لنا إذا كان هذا المجلد الذي أشار إليه أخيرًا هو ذات الجزء الأول فقط أم أنه استوعب الكتاب كله؟ وإذا كان المجلد هو الجزء الأول فقط كما يشعر به ظاهر هذه العبارة فمن منهما الذي تولى شرح بقية الكتاب؟

غير أننا نرجح أن أبا زرعة شارك في شرح بقية الكتاب بعد أن عثرنا أثناء النظر فيه على بعض. عبارات تشعر بمشاركة أبي زرعة لوالده في شرح بقية الكتاب، منها ما ورد من إيراده لنظم نسبه

1 طرح التثريب: ص8 ج1.

ص: 188

إلى والده وقال: وقد نظم ذلك والدي بقوله: "سبعة أمعاء لكل آدمي

إلخ"1 وقد ورد مثل ذلك في باقي الكتاب، ومنها عبارة أخرى في شرح حديث: "الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معي واحد" وهذه العبارة هي قوله: وقال والدي رحمه الله في شرح الترمذي: إنه "يريد كون جهجاه هو صاحب الواقعة" لا يصح لأن مدار حديثه على عبدة الربذي وهو ضعيف2.

فهذا الكلام واضح في أن أبا زرعة هو شارح هذا الحديث لأن والده الحافظ العراقي هو شارح الترمذي كما هو معروف.

ثم إنه في حديث: "أتى النبي صلى الله عليه وسلم بلبن قد شيب بماء" ذكر تعليقًا نسبه كذلك إلى والده في شرح الترمذي بقوله: قال والدي رحمه الله3 في شرح الترمذي.

على أن هناك من العبارات ما يشعر بأن الحافظ العراقي أيضًا له مشاركة في الشرح، فقد ورد في شرح حديث: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب

" الحديث، تعبير للشارح يدل على أن الشرح للحافظ العراقي صاحب المتن، فهو ينقل عن شيخه فيقول4: وزعم شيخنا الإمام جمال الدين عبد الرحيم الإسنوي أن مذهب الشافعي جواز قتلها "أي الكلاب" كما ورد مثل هذا التعبير في شرح حديث عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كان يبايع النساء بالكلام

قالت: وما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة

" الحديث، قال الشارح: ظاهره أنه صلى الله عليه وسلم لم تمس يده يد أحد من محارمه، ثم أورد خلاف العلماء في ذلك وقال: وقد حكى شيخنا الإمام عبد الرحيم الإسنوي الإجماع على الجواز5.

وقد أورد صاحب هدية العارفين كتاب طرح التثريب في شرح التقريب من بين مصنفات الحافظ زين الدين العراقي6، وأورده صاحب ذيل كشف الظنون7، من بين مصنفات ولده أبي زرعة، تأييدًا لما أورده صاحب كشف الظنون8. أما السخاوي في كتابه الضوء اللامع9 فإنه ذكر في ترجمة أبي زرعة: أنه أكمل شرح والده على ترتيب المسانيد وتقريب الأسانيد وهو كتاب حافل.

وإذن فقد دل التعميق في البحث على أن هذا الشرح من أوله إلى آخره كان مناوبة بين الأب الحافظ العراقي وابنه ولي الدين أبي زرعة.

ومهما يكن من أمر فإن هذا لن يغير من قيمة الكتاب العلمية في شرحه، ولا من الميزة الحديثية فيه، فإن جميع ما فيه متجانس، ولا يكاد بعضه مختلف عن بعض في الاستيعاب واستيفاء المذاهب وأدلتها، وظهور الشخصية العلمية المتميزة.

1 طرح التثريب: ص18 ج6.

2 طرح التثريب: ص19 ج6.

3 طرح التثريب: ص25 ج6.

4 طرح التثريب: ص33 ج6.

5 طرح التثريب: ص45 ج7.

6 هدية العارفين ج5 ص562.

7 ذيل كشف الظنون ج4 ص83.

8 كشف الظنون ج1 ص464.

9 الضوء اللامع: ص343 ج1.

ص: 189

هذا؛ وفي دراستنا لمتن الكتاب تبين لنا أن الحافظ العراقي لا يخليه من الاستنتاجات الفقهية اللطيفة يبرز فيها شخصيته في فقه السنة.

ومن ذلك قوله بعد رواية حديث أبي هريرة بترجمتين عنه في شأن الإيراد عن الصلاة أو عن الحر يقول في في التعليق عليهما: وليس في حديث أبي هريرة ذكر للظهر فيدخل في عمومه الإيراد بالجمعة1.

وقد يفسر بعض الألفاظ التي يرى أنها تحتاج إلى بيان بالسياق أو غيره كما في حديث أنس عند البخاري: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أشتد الحر أبرد بالصلاة، وإذا اشتد البرد بكر بالصلاة" فبين الصلاة بقوله: يعني الجمعة2.

ومن هذا النمط ما جاء من إضافته قيدًا في حديث الأعرج عن أبي هريرة: "إذا قلت لصاحبك أنصت فقد لغوت" قال العراقي: يريد والإمام يخطب3.

وللحافظ العراقي تعليقات تشعر بالدقة حتى في اختيار أصح الألفاظ في رواية الأحاديث، وقد ذكر حديث: "أبردوا بالظهر

" إلخ ثم قال: وفي علل الخلال من حديث أبي سعيد "من فوح" بدل "فيح" قال أحمد: لا أعرف أحدًا قال فوح غير الأعمش4.

ومن ذلك قوله في حديث الأعرج وهمام عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الملائكة يتعاقبون فيكم

" فذكره ولم يقل "بهم" التي وردت في الرواية الأخرى وهي قوله: وهو أعلم بهم، وقال: "فقالوا" موضع "فيقولون" الواردة في الرواية الأخرى5.

ومن ذلك ما ورد في حديث الجمع بين حديثي جابر في قصة معاذ وتطويله للصلاة من: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بأن يقرأ: سبح اسم ربك الأعلى، والليل إذا يغشى وبين حديث بريدة:"من أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يصلي بالشمس وضحاها" ونحوها من السور حيث قال الحافظ: والجمع بين حديث بريدة وجابر في قصة معاذ أنهما واقعتان6.

ومن ذلك ما ورد في حديث أبي سلمة عن أبي هريرة في سهو النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه سلم من ركعتين في صلاة الظهر فقام رجل فقال: يا رسول أقصرت الصلاة أم نسيت

" وفي رواية أخرى لأبي هريرة "أن ذلك كان في صلاة العصر" وفي رواية ثالثة لعمران بن الحصين: "أنه صلى العصر فسلم في ثلاث"، وفي رواية لأبي داود والنسائي والحاكم من حديث معاوية بن خديج: "فسلم وقد بقيت من الصلاة ركعة"، وذكر ابن خديج أن الرجل طلحة بن عبد الله، وقد جمع الحافظ العراقي بين هذا الاختلاف نقلًا عن المحققين: بأن لأبي هريرة قصتين، ولعمران قصة أخرى، ولمعاوية بن خديج قصة أخرى7.

1 طرح التثريب: ص151 ج2.

2 طرح التثريب: ص156 ج2.

3 طرح التثريب: ص190 ج3.

4 طرح التثريب: ص156 ج2.

5 طرح التثريب: ص304 ج2.

6 طرح التثريب: ص278 ج2.

7 طرح التثريب: ص4 ج3.

ص: 190

ومن غرائبه أنه يذكر الحديث أحيانًا ثم يسلط عليه أسلوب الأصوليين في الترجيح وقد سلك هذا المسلك في حديث همام عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا نودي للصلاة -صلاة الصبح- وأحدكم جنب فلا يصم يومئذ". فقال: إنه إما منسوخ كما رجحه الخطابي، أو مرجوح كما قاله الشافعي رحمه الله والبخاري بما في الصحيحين من حديث عائشة وأم سلمة:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم" فبين العراقي بهذا أن حديث همام هذا مرجوح لا يعمل به، ووجه كونه مرجوحًا أن هناك ما ينسخه على مسلك الخطابي، أو ما هو أقوى منه على مسلك الإمامين الشافعي والبخاري، وأكد ذلك بأن عائشة ذكرت بأنه ليس من خصائصه صلى الله عليه وسلم، وأن أبا هريرة رجع عنه حين بلغه حديث عائشة1.

والكتاب متنًا وشرحًا يقع في ثمانية أجزاء: أولها خاص بالتراجم التي تعرف بكل من له ذكر في الكتاب من الشيوخ منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى عصر المؤلف، بعد مقدمة الحافظ العراقي لكل من متن الكتاب وشرحه، مع تضمين مقدمة الشرح ترجمة لابنه ولي الدين أبي زرعة.

ثم سار في بقية أجزاء الكتاب مرتبًا له على أبواب الفقه المعروفة، مبتدئًا بكتاب الطهارة ومنتهيًا بكتاب الشهادات ثم باب السلام والاستئذان.

ثم ذكر أبواب الأدب، وذكر الطب والرقى، والرؤيا، والأمثال، وحق الضيف، والرجاء والخوف، والقدر، وأشراط الساعة، والبعث، وذكر الجنة والنار، وبه ينتهي الكتاب بأجزائه الثمانية.

وفي كل كتاب أبواب، وتحت كل باب مسائل وردت بشأنها أحاديث، تكثر في بضع الأحيان وتقل في بعضها الآخر، وفي تخريج هذه الأحاديث، وبيان معانيها واستنباط الفوائد الكثيرة منها ما يبرز شخصية المؤلف، ويدل على غزارته العلمية وعمقه في البحث، وأصالته في التفكير.

وبعد: فإن هذا الكتاب هو أحد الكتب التي وضعت لأحاديث الأحكام، وهو لفحل من فحول هذا الشأن قلما يجود بمثله الزمان، فهو عمدة في هذا الباب، ومرجع يعول عليه العلماء والطلاب.

وطريقته التي ذكرناها في التقيد بالتراجم التي اختارها لأصح الأسانيد لم يشاركه فيها أحد فيما وصل إلينا من الكتب، فإن المتأمل يجد في هذا المسلك مجهودًا أشق من مجهود الاختيار من الصحيحين وحدهما -كما التزم بذلك الإمام المقدسي في كتابه عمدة الأحكام- وأدق من مسلك من اكتفى بأحاديث الكتب الستة وما يشبهها في التزام الصحيح من الأحاديث -كابن تيمية في كتابه منتقى الأخبار، وابن حجر في كتابه بلوغ المرام- فإن مسلكه هذا يستدعي فحص الأحاديث وتتبعها في الصحيحين وفي غيرهما لاختيار ما تتحقق فيه تلك التراجم.

1 طرح التثريب: ج4 ص122.

ص: 191

وإن يكن قد فاته أن يقدم للدارسين بعض الأدلة التي حال التزامه بذكر أصح الأسانيد دون إيرادها متن الكتاب فإنه رحمه الله قد تدارك ما فاته بهذا الشرح العظيم الذي برهن على فحولته الفقهية، وعلى تمكنه من مختلف أبواب الدين بما أورده من الفوائد العديدة المستمدة من الأحاديث التي ينفسخ بها له -في الشرح- مجال الاستدلال ما دامت تصلح لذلك، دون تقيد بما التزمه في المتن ومن الإنصاف أن نسجل مشاركة ولده أبي زرعة له في شرح بعض أحاديث الكتاب، ولكن المنهج واحد والأسلوب لا يختلف، وما تناوله الابن بالشرح من الكتاب لا يقل مكانة عما تناوله والده استدلالا وتعمقًا وطول نفس، وقوة استنتاج.

ومما يزيد في قيمة الكتاب العلمية كون مؤلف الشرح هو مؤلف المتن، فهو أدرى بما أورده مما يحتاج إلى بسط في البحث، أو أخذ ورد في تصوير المذاهب الفقهية، وكيفية المآخذ من هذه الأدلة ونفي الشبهه العارضة عليها، ودفع ما قد يتوهم من تعارض بينها.

ومن الأمانة العلمية أن نورد هنا ما ذكره الشيخ محمد جمال الدين القاسمي المتوفى عام اثنين وثلاثين وثلاثمائة وألف للهجرة في كتابه قواعد التحديث1 تحت عنوان "ذكر من صنف في أصح الأحاديث" قال رحمه الله: جمع الحافظ أبو الفضل عبد الرحيم العراقي فيما عد من أصح الأسانيد كتابًا في الأحكام رتبه على أبواب الفقه سماه: "تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد" وهو كتاب لطيف جمعه من تراجم ستة عشر قيل: إنها أصح الأسانيد إما مطلقًا وإما مقيدة، ومع ذلك فقد فاته جملة من الأحاديث كما قاله ابن حجر.

ونلاحظ أن القاسمي لم يبين لنا في أي كتاب ذكر الحافظ ابن حجر هذا الاستدراك على الحافظ العراقي، ولئن كان قد قال ذلك إن استدراكه لمردود؛ لأن العراقي لم يدع استيعاب أصح الأسانيد في أحاديث الأحكام، وإنما ذكر أنه يريد أن يجمع أحاديث عديده في تراجم محصورة2 وقد وفي بما وعد.

رضي الله عن الحافظ العراقي وولده ولي الدين أبي زرعة، وأجزل أجرهما لقاء ما قدما إلى أمة الإسلام من نصح، وما أسديا إليها من معروف.

1 قواعد التحديث: ص84.

2 طرح التثريب: ج1 ص17 وما بعدها.

ص: 192