المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌بلوغ المرام من أدلة الأحكام: - مدرسة الحديث في مصر

[محمد رشاد خليفة]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة:

- ‌الباب الأول: أعلام المحدثين في مصر منذ الفتح الإسلامي حتى سقوط بغداد

- ‌مدخل

- ‌الفصل الأول: الصحابة والتابعون وأتباعهم

- ‌مدخل

- ‌الصحابة:

- ‌التابعون وأتباعهم ومن جاء بعدهم:

- ‌الفصل الثاني: أعلام المحدثين في مصر منذ سقوط بغداد إلى نهاية القرن الثامن الهجري

- ‌الفصل الثالث: أعلام المحدثين في مصر في القرنين التاسع والعاشر الهجري

- ‌الفصل الرابع: الإنتاج العلمي في الحديث

- ‌الباب الثاني: مناهج المحدثين في مصر

- ‌الفصل الأول: قبل سقوط بغداد

- ‌الدول الأول: عصر الرواية المثبتة ومنهجهم فيه

- ‌الدور الثالث: عصر تدوين الحديث مفروزا ومنهجهم فيه

- ‌الدور الخامس: عصر التقليد والاختصار والتقريب ومنهجهم فيه

- ‌الفصل الثاني: بعد سقوط بغداد

- ‌الفصل الثالث: مقارنة وموازنة

- ‌الباب الثالث: المدونات الحديثية

- ‌مدخل

- ‌الفصل الأول: كتب الأحكام

- ‌مدخل

- ‌موطأ الإمام مالك:

- ‌سنن أبي داود:

- ‌شرح معاني الآثار للإمام الطحاوي:

- ‌عمدة الأحكام:

- ‌منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار:

- ‌تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد:

- ‌بلوغ المرام من أدلة الأحكام:

- ‌كشف الغمة عن جميع الأمة:

- ‌خاتمة الفصل الأول:

- ‌الفصل الثاني: كتب الترغيب والترهيب

- ‌مدخل

- ‌كتاب الترغيب والترهيب:

- ‌الزواجر في النهي عن اقتراف الكبائر:

- ‌الإتحافات السنية في الأحاديث القدسية:

- ‌الفصل الثالث: كتب الجوامع

- ‌مدخل

- ‌الجامع الكبير أو جمع الجوامع:

- ‌الجامع الصغير:

- ‌كنوز الحقائق في حديث خير الخلائق:

- ‌الفصل الرابع: كتب الزوائد

- ‌مدخل

- ‌مجمع الزوائد ومنبع الفوائد:

- ‌المطالب المعالية بزوائد المسانيد الثمانية

- ‌الفصل الخامس: كتب توضيح المبهمات

- ‌مدخل

- ‌غريب الحديث:

- ‌الدر النثير تلخيص النهاية لابن الأثير

- ‌الشروح الحديثية:

- ‌عمدة القاري شرح صحيح البخاري

- ‌ارشادات الساري لشرح صحيح البخاري

- ‌كتب مشكل الآثار أو تأول مختلف الحديث

- ‌الفصل السادس: كتب أصول الحديث

- ‌مدخل

- ‌التقييد والإيضاح في شرح مقدمة ابن الصلاح:

- ‌ألفية الحديث:

- ‌فتح المغيث بشرح ألفية الحديث:

- ‌نخبة الفكر وشرحها:

- ‌تدريب الراوي في شرح تقريب النواني

- ‌الفصل السابع: كتب التخريج

- ‌مدخل

- ‌المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الأحياء من الأخبار:

- ‌تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير:

- ‌مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا

- ‌الفصل الثامن: كتب الرجال

- ‌مدخل

- ‌الإصابة في تمييز الصحابة:

- ‌الضوء اللامع لأهل القرن التاسع:

- ‌طبقات الحفاظ:

- ‌إسعاف المبطأ برجال الموطأ:

- ‌خاتمة:

- ‌التخريج:

- ‌بيان المراجع:

- ‌الفهارس

- ‌فهرس الأعلام

- ‌فهرس الأنساب:

- ‌فهرس الموضوعات:

الفصل: ‌بلوغ المرام من أدلة الأحكام:

‌بلوغ المرام من أدلة الأحكام:

للحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852هـ:

وموضوع هذا الكتاب -كما يبدو من عنوانه- هو الأحاديث التي يستدل بها على الأحكام الفقهية.

ومؤلفه هو الإمام أحمد بن علي بن محمد بن علي المصري القاهري الشافعي المعروف بابن حجر وهو لقب بعض آبائه1.

ولد سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة بمصر العتيقة، ونشأ بها يتيمًا في كنف أحد أوصيائه، فحفظ القرآن صغيرًا، ثم درس الكتب المعتبرة في الفقه والحديث وأصول الفقه كالعمدة والحاوي ومختصر ابن الحاجب، وتردد على فحول عصره في مختلف الأماكن، ولزم الأبناسي مدة طويلة وتفقه عليه، ولزم العز بن جماعة في غالب العلوم، وأخذ اللغة عن المجد الفيروزآبادي صاحب القاموس، ثم حبب الله إليه الحديث فأقبل عليه بكليته، وتفرغ لدراسته، ولزم الزين العراقي فتخرج به وانتفع بملازمته، وقرأ عليه ألفيته وشرحها، ونكته على ابن الصلاح دراسة وتحقيقًا، ثم تحول إلى القاهرة فسكنها وارتحل إلى البلاد الشامية، والحجازية، وأكثر جدا من السماع من الشيوخ، حتى اجتمع له من الشيوخ المشار إليهم ما لم يجتمع لأحد في عصره، وأذن له جلهم في الإفتاء والتدريس، وقد تصدى لنشر الحديث، وقصر نفسه عليه مطالعة وقراءة وإقراء، وتصنيفًا وإفتاء، حتى زادت تصانيفه -التي معظمها في فنون الحديث- على مائة وخمسين تصنيفًا، ورزق من السعد والقبول -ولا سيما في فتح الباري بشرح البخاري الذي لم يسبق نظيره- أمرًا عجيبًا.

وقد اعتنى بتحصيل تصانيفه كثير من شيوخه وأقرانه فمن دونهم وكتبها الأكابر.

ومن البازر في تاريخه أن السلطان المؤيد ولاه الحكم في بعض القضايا، ولزم من ذلك النيابة، ولكنه لم يتوجه إليها ولا انتدب لها حتى عرض عليه الاستقلال بالحكم، وألزم من أجابه بقبوله فقبل، وقد ندم فيما بعد على قبوله، وصرح بأنه جنى على نفسه بتقلد هذا الأمر، ولم يلبث أن صرف ثم أعيد، وهكذا حتى صمم على الإقلاع عنه.

ومما عرف في تاريخه أنه درس في عدة أماكن لعدة فنون، فدرس التفسير بالحسينية والمنصورية، والحديث بالبيبرسية والمالية وغيرها، والفقه بالحروبية البدرية بمصر والشريفية الفخرية وغيرهما.

1 عن الضوء اللامع للسخاوي ج2 ص36 بتصرف.

ص: 193

ومن أعماله الخطابة بالجامع الأزهر ثم بجامع عمرو، ويقول السخاوي: إن الناس أخذوا عنه طبقة بعد أخرى، وألحق الآباء بالأبناء والأحفاد. كما يقول: إنه قرأ عليه الكثير جدًّا من تصانيفه ومروياته، وكانت وفاته رضي الله عنه سنة 852هـ.

وصنف المؤلف كتابه في تقديمه له بأنه مختصر على أصول الأدلة الحديثية للأحكام الشرعية وذكر أنه حرره تحريرًا بالغًا، ليصير من يحفظه بين أقرانه نابغًا1 وأنه بين عقب كل حديث من أخرجه من الأئمة، لإرادته نصح الأمة.

وقد علق الشارح الصنعاني على هذه العبارة بقوله: في ذكر من أخرج الحديث عدة نصائح للأمة: منها بيان أن الحديث ثابت في دواوين الإسلام، ومنها أنه قد تداولته الأئمة الأعلام، ومنها أنه قد تتبع طرقه وبين ما فيها من مقال، ومن تصحيح وتحسين وإعلال، ومنها إرشاد المنتهي أن يراجع أصولها التي منها انتقى هذا المختصر2.

واستدرك الصنعاني عليه بأنه كان يحسن أن يذكر هنا مسلكه الذي سلكه أثناء الكتاب من بيان صحة الحديث أو حسنه أو ضعفه، وهو استدراك له قيمته؛ لأن ذلك من أبرز مظاهر النصح للأمة، لما فيه من إبراء نفسه، وإخلائها من عهدة التبعة فيما يشبه التدليس في الرواية.

وذكر المصنف في مقدمته بسيان مصطلحه، عند التخريج والنسبة إلى الأئمة، وأنه يريد بالسبعة -حين يوردها- أحمد البخاري ومسلمًا وأبا داود وابن ماجه والترمذي والنسائي، وبالستة من عدا أحمد، وبالخمسة من عدا البخاري ومسلمًا، وقد يقول الأربعة وأحمد، وأنه يريد بالأربعة أبا داود وابن ماجه والترمذي والنسائي، كما ذكر أنه يريد بالثلاثة من عدا الثلاثة الأول وعدا الأخير؛ أي أنه يريد بها ابن ماجه وأبا داود والترمذي، ويريد بالمتفق عليه البخاري ومسلمًا، وأنه قد لا يذكر معهما غيرهما مع علمه باشتراك غيرهما معهما، اكتفاء بأن إليهما المنتهى في الوثوق بالحديث، وقال: إن ما عدا هذه المصطلحات فهو مبين، ويريد بذلك أن الحديث إذا خرجه غير هؤلاء المذكورين -سواء أكان مشتركًا معهم أو مع بعضهم- فإنه يذكر ذلك المخرج باسمه، وذلك مثل قوله في الحديث الأول: أخرجه الأربعة وابن أبي شيبة واللفظ له، وأخرجه ابن خزيمة والترمذي، ورواه مالك والشافعي وأحمد، وواضح أن ابن أبي شيبة وابن خزيمة ومالكًا والشافعي لم يدخلوا في مصطلحاته السابقة، فنص عليهم بأسمائهم بناء على ما أورده في هذه المقدمة، وقد سماه المصنف بلوغ المرام من أدلة الأحكام جريًا على طريقة معاصريه من المؤلفين في التزام السجع في أسماء الكتب.

1 بلوغ المرام ص9.

2 سبل السلام ص10 والصنعاني هو الإمام محمد بن إسماعيل بن صلاح الدين الكحلاني المتوفى سنة 1182هـ من أعلام من درسوا الفقه والحديث رواية ودراية، وبرعوا في مختلف العلوم، وألف في الحديث وعلومه كتبا حافلة منها سبل السلام "شرح بلوغ المرام" ومنها العدة في شرح العمدة للمقدسي، ومنها شرح التنقيح في علوم الحديث.

ص: 194

وإذا كان المؤلف قد بين -في تقديمه للكتاب- أنه اشتمل على أصول الأدلة الحديثية فإنه لا يريد بذلك أنه استوعب جميع الأدلة الحديثية كما يبدو واضحًا من تتبع الكتاب واستقراء أحاديثه، وموازنته بغيره من كتب أحاديث الأحكام، كمسند أبي داود، ومعاني الآثار للطحاوي، وكالمنتقى لابن تيمية الذي اشترك مع المصنف في تجريد الأحاديث من أسانيدها وفي تخريجها، كما اشترك معه أيضًا في علة عدم التنبيه على بعض ما ينبغي التنبيه عليه من بيان درجة الحديث، ولكن ابن حجر اختار نخبة من الأحاديث، واتجه في أكثر ما اختاره إلى ما بنى عليه الإمام الشافعي رضي الله عنه مذهبه في الفقه، بمقتضى ميل المصنف، واتجاهه لمناصرة هذا المذهب، ولكن إنصافه -والحق يقال- لم يمنعه من عرض بعض الأحاديث التي تختلف مع فروع المذهب الشافعي كما سنبين ذلك عند الكلام على الظواهر العامة في الكتاب، وبناء على ذلك فمن المجازفة ما قيل: إن ابن حجر جمع في هذا الكتاب كل الأحاديث التي استنبط الفقهاء منها الأحكام الفقيهة1.

ومما ينبغي الإشارة إليه من هذا المقام أن هذا المؤلف -فوق أنه كما وصفه مؤلفه وكما تعارفه الناس عنه من الاشتمال على الأدلة الحديثية للأحكام الشرعية، فإنه يمتاز بأن مؤلفه الإمام الحافظ ابن حجر بغزارته، وسعة علمه، وكرم نصحه للأمة قد وضع في آخره كتابًا جامعًا لأبواب ستة، هي: الأدب، والبر والصلة، والزهد والورع، والترهيب من مساوئ الأخلاق، والترغيب في مكارم الأخلاق، والذكر والدعاء، وهو تصرف غاية في الحكمة والدقة والإحسان، فإن هذه الأبواب عيون التصرف، وضالة كل شخصية مسلمة، فالفقه في الحقيقة -ولا سيما عند الأولين من علماء المسلمين- كانت له عناية خاصة بالآداب، واتجاه إلى ما يصلح النفوس ويهذيها، ويدعوها إلى مكارم الأخلاق، كما يركز الإمام الغزالي على ذلك في كتابه الإحياء وينعى على الفقهاء أنهم أهملوا ذلك الاتجاه الإسلامي الرفيع، ويقول: إن تعلم ذلك الفقه التهذيبي فريضة على كل مسلم ومسلمة، فجزى الله المؤلف خيرًا بما لفت به نفوس المتفقهين إلى تلك النواحي الكريمة من الدين.

ويشتمل هذا الكتاب على ثلاثة وسبعين وثلاثمائة وألف حديث، ما عدا المتداخل، وهو المتشابه ببعض الاختلاف، وهو الذي يشير إليه بقوله: وفي رواية فلان كذا، ونحو ذلك.

ويبلغ عدد هذه الأحاديث المتداخلة، واحدًا وثلاثين ومائة حديث، وبها تصل أحاديث الكتاب إلى أربعة وخمسمائة وألف حديث.

وقد وجد اختلاف في عد أحاديث الكتاب بين بعض النسخ وبعض، تبعًا لاختلاف الطبعات، واتجاهات المصححين والمراجعين في إدخال بعض الأحاديث في بعض، أو فصل بعضها عن بعض وقد أحصاه بعض المؤلفين المعاصرين2 بأربعمائة وألف حديث.

1 انظر صدر كتاب سبل السلام عند التعريف ببلوغ المرام وشرحه ص3 للأستاذ محمد عبد العزيز الخولي.

2 الحديث والمحدثون لفضيلة الدكتور أبي زهو ص447.

ص: 195

وهذه الأحاديث موزعة على الأبواب الفقهية التي سلك بها مسلك الفقهاء على النحو التالي:

1-

كتاب الطهارة:

وفيه باب المياه، وباب الآنية، وباب إزالة النجاسة وبيانها، وباب الوضوء، وباب المسح على الخفين، وباب نواقض الوضوء، وباب آداب قضاء الحاجة، وباب الغسل وحكم الجنب، وباب التيمم، وباب الحيض.

2-

كتاب الصلاة:

وفيه باب المواقيت، وباب الأذان، وباب شروط الصلاة، وباب سترة المصلي، وباب الحث على الخشوع في الصلاة، وباب المساجد، وباب صفة الصلاة، وباب سجود السهو وغيره من سجود التلاوة والشكر، وباب صلاة التطوع، وباب صلاة الجماعة والإمامة، وباب صلاة المسافر والمريض، وباب صلاة الجمعة، وباب صلاة الخوف، وباب صلاة العيدين، وباب صلاة الكسوف، وباب صلاة الاستسقاء، وباب اللباس.

3-

كتاب الجنائز:

وليس تحته أبواب.

4-

كتاب الزكاة:

وفيه باب صدقة الفطر، وباب صدقة التطوع، وباب قسم الصدقات.

5-

كتاب الصيام:

وفيه باب صوم التطوع وما نهي عن صومه، وباب الاعتكاف وقيام رمضان.

6-

كتاب الحج:

وفيه باب فضله، وبيان من فرض عليه، وباب المواقيت، وباب وجوه الإحرام وصفته؛ وباب الإحرام وما يتعلق به، وباب صفة الحج ودخول مكة، وباب الفوات والإحصار.

7-

كتاب البيوع:

وفيه باب شروطه وما نهي عنه، وباب الخيار، وباب الربا، وباب الرخصة في العرايا وبيع الأصول والثمار، وأبواب السلم والقرض والرهن، وباب التفليس والحجر، وباب الصلح وباب الحوالة والضمان، وباب الشركة والوكاة، وباب الإقرار، وباب العارية، وباب الغضب، وباب الشفعة، وباب القراض، وباب المساقاة والإجارة، وباب إحياء الموتى، وباب الوقف، وباب الهبة والعمري والرقبي، وباب اللقطة، وباب الفرائض، وباب الوصايا وباب الوديعة.

8-

كتاب النكاح:

وفيه باب الكفاءة والخيار، وباب عشرة النساء، وباب الصداق، وباب الوليمة، وباب القسم، وباب الخلع، وباب الطلاق.

ص: 196

9-

كتاب الرجعة:

وفيه باب الإيلاء والظهار، والكفارة، وباب اللعان، وباب العدة والإحداد، وباب الرضاع وباب النفقات، وباب الحضانة.

10-

كتاب الجنايات:

وفيه باب الديات، وباب دعوى الدم والقسامة، وباب قتال أهل البغي، وباب قتال الجاني وقتل المرتد.

11-

كتاب الحدود:

وفيه باب حد الزانى، وباب حد القذف، وباب حد السرقة، وباب حد الشارب وبيان المسكر، وباب التعزير وحكم الصائل.

12-

كتاب الجهاد:

وفيه باب الجزية والهدنة، وباب السبق والرمي.

13-

كتاب الأطعمة:

وفيه باب الصيد والذبائح، وباب الأضاحي، وباب العقيقة.

14-

كتاب الإيمان والنذور:

وليس تحته أبواب.

15-

كتاب القضاء:

وفيه باب الشهادات، وباب الدعاوي والبينات.

16-

كتاب العتق:

وفيه باب المدبر والمكاتب وأم الولد.

17-

كتاب الجامع:

وفيه باب الأدب، وباب البر والصلة، وباب الزهد والورع، وباب الترهيب من مساوئ الأخلاق، وباب الترغيب في مكارم الأخلاق، وباب الذكر والدعاء.

وختم الكتاب بما سبق أن ختم به الإمام البخاري صحيحه، ختمه بحديث:"كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" ويا حبذا لو بدأه بما بدأ به البخاري صحيحه: "إنما الأعمال بالنيات". فإنه من الأحاديث التي عليها مدار الإسلام فضلًا على أن النية في العمل شرط في صحته.

وقد أوردنا محتويات الكتاب على هذه الصورة التي رأيناه عليها ليلمس القارئ فيها ظاهرة تبدو بارزة في تبويب الكتاب، وأنه لم يكن دقيقًا ولا مضبوطًا في بعض ما اندرج من الأبواب تحت

ص: 197

عنوان الكتاب منه، أو في وجود أحاديث كانت تستحق إيرادها تحت أبواب غير تلك التي أدرجت فيها، أو في إيراد كتب ليس تحتها أبواب، وقد كانت حرية بذلك، أو في إيراد أحاديث سائبة دون عنونة، وقد كانت جديرة بذلك، أو في إيراد أبواب كان الأولى بها أن تكون كتبًا لفقد الربط بينها وبين ما اندرجت تحته من الكتب.

فمن الأول:

باب اللباس، فقد أدرجه المصنف تحت كتابه الصلاة، وكان حقه أن يكون كتابًا مستقلًّا برأسه، وهو بذلك أولى من كتاب الجنائز الذي تبدو الصلة واضحة بينه وبين كتاب الصلاة باعتبار صلاة الجنازة وأهميتها، ومع ذلك أفرد للجنائز كتابًا مستقلًّا برأسه، ولم يفعل ذلك في اللباس الذي لا تربطه صلة بكتاب الصلاة، ولا ينبغي أن يقال: إن ستر العورة باللباس شرط من الشروط في الصلاة، فإن المصنف لم يورد في هذا الباب من الأحاديث ما يربط بينه وبين كتاب الصلاة، فضلًا عن أن ستر العورة واجب على المسلم في كل أحواله: في الصلاة وفي غير الصلاة.

ومن الثاني:

حديث: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد

" ولا تبدو له مناسبة بينه وبين كتاب الإيمان والنذور الذي أورده فيه، اللهم إلا إذا قيل: إنه أورده هنا للتنبيه على عدم جواز النذر لشد الرحال لغير هذه المساجد؛ لأنه لا نذر في معصية، غير أن نص الحديث لا يساعد على هذا الربط بينه وبين الكتاب الذي ورد فيه، وقد ورد هذا الحديث بعينه في باب الاعتكاف وقيام رمضان، وقد يقال في إيراده في هذا الباب ما قيل في إيراده في كتاب الإيمان والنذور.

ومن الثالث:

ما أورده من أحاديث تحت عنوان كتاب الجنائز، وقد كان الأولى بكثير منها أن تندرج تحت أبواب تحمل عناوين متعددة، فإن طول كتاب الجنائز وتشتت موضوعاته جدير بذلك، فإن منها ما يتعلق بتجهيز الميت ومنها ما يتعلق بتكفينه، ومنها ما يتعلق بدفنه، وذكر الموت، وما إلى ذلك.

ومنها أيضًا ما أورده من أحاديث في كتاب الإيمان والنذور كان مقتضى الدقة والضبط أن تفرز في أبواب مختلفة، فإن منها ما يتعلق بالنهي عن الحلف بغير الله، ومنها ما يتعلق بكيفية اليمين، ومنها ما يتصل بالكفارة عنه، ومنها ما هو بيان ليمين النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها ما يبين اليمين الغموس واللغو، ومنها ما يرتبط بالنهي عن النذر، وبيان حكم النذر في الطاعة وفي المعصية وكفارة النذر، وغير ذلك.

ومن الرابع:

تلك الأحاديث التي قدمها سائبة في أوائل بعض الكتب بين يدي إيراده لأبوابها وهذه الكتب هي:

1-

كتاب الزكاة:

وقد أورد في أوله خمسة وعشرين حديثًا ليست داخلة تحت باب، وكان حقها أن يعنون لكل منها بما يناسبه، فإن منها ما يتصل بفرضية الزكاة، ومنها ما يتعلق بنصابها في الزروع والثمار، وفي مال التجارة ومواقيت الأداء، وغير ذلك.

ص: 198

2-

كتاب الصيام:

وقد أورد في أوله ستة وعشرين حديثًا لم يذكر لها عناوين تناسب كل نوع منها، وإن منها ما يتعلق بالنهي عن سبق رمضان بصيام غير معتاد، ومنها ما يرتبط بالنهي عن صوم يوم الشك، وما هو مرتبط برؤية هلال رمضان، وما هو متصل بتبييت النية، والسحور، وما يفطر عليه، الصائم، والنهي عن الوصال، وغير ذلك.

3-

كتاب النكاح:

وقد أورد في أوله واحدًا وثلاثين حديثًا سائبة بغير تنويع، وكان أولى بها مثل هذه العناوين: الترغيب في النكاح، تخير الزوج، خُطبة النكاح، الخِطبة، الصداق، إعلان الزواج، شروط النكاح، الاختيار وعدم الإكراه، النكاح المحرم، نكاح المتعة، المحلل.

4-

كتاب الجنايات:

وأورد في أوله ستة عشر حديثًا دون تبويب، لو أنه بوبها لكان الأقرب إلى ذلك ما يأتي: القصاص، حرمة دم المسلم، أحكام الجنايات، بين القصاص والعفو، وأن يلحق بالديات ما يخصها من هذه الأحاديث.

5-

كتاب الجهاد:

وأورد في أوله ثلاثة وأربعين حديثًا لم يبوبها، ولو أنه فعل لكانت عناوينها أقرب إلى ما يأتي:

الحث على الجهاد، جهاد المرأة ومن له أبوان، الهجرة "ومن عجب أن تقحم في موضوعات الجهاد وبين أحاديثه" وصية الأمير للجيش، التورية في الجهاد، اختيار الوقت، طرق القتال، الغلول في الغنائم، جزاء الغدر، الفدية، الشفاعة للأسير، حل الأخذ من الغنائم بقدر الحاجة قبل القسمة، تطهير الجزيرة العربية من أهل الكتاب، حسن معاملة العدو، أحكام متفرقة.

6-

كتاب الأطعمة:

في أوله اثنا عشر حديثًا دون تبويب، كان يمكن إدراجها تحت باب أو بابين عن المباح والمحظور من الأطعمة.

7-

كتاب القضاء:

وأورد في أوله ثلاثة عشر حديثًا سائبة، لو أنه بوبها لكانت قريبًا مما يأتي: حث القاضي على المعرفة والعدل، الترهيب من قبول القضاء، حكم خطأ المجتهد، إرشاد القاضي، التحذير من الاحتيال لأخذ المال، قضاء المرأة، نهي القاضي عن الاحتجاب، حرمة الرشوة، المساواة بين المتخاصمين.

8-

كتاب العتق:

وفي أوله تسعة أحاديث لم تدخل تحت باب، ولو أنه بوبها لكانت كما يأتي: فضل العتق، عتق بعض العبد، أحكام عامة، الولاء.

ص: 199

ومن الخامس:

هذه الأبواب التي أوردها تحت كتب، وليس بينها وبين تلك الكتب أية صلة، ومن ذلك ما أورده تحت كتاب البيوع من أبواب: إحياء الموات، والوقف، والهبة، والعمري والرقبى واللقطة، والوصايا، والوديعة، وأبرز من هذا كله باب الفرائض، وقد عده من بين أبواب حكاب البيوع، وأية علاقة بينه وبينها حتى يعد بابًا منها؟

ومن الظواهر التي رأيناها عند دراستنا لهذا الكتاب أمانة ابن حجر العلمية في عرض أدلة المخالفين لمذهبه، فإنه يورد هذه الأدلة في مواجهة أدلة الشافعية لتكون أمام الدارس والمجتهد والفاحص يتعرف من خلالها طريقه، ويتبين من ثناياها مسلكه، وبذلك يبرئ ابن حجر عهدته، ويلقي على الدارس عبثه ومسئوليته، بعد أن يضع أمامه أدلة كل فريق، ومن غير تحيز ولا تعصب لمذهبه الذي ارتضاه، ومن ذلك ما فعله فيما يأتي:

1-

في المسح على العمامة أورد المصنف حديث المغيرة بن شعبة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة والخفين" وقد قال الصنعاني في شرحه لهذا الحديث: إن الاقتصار بالمسح على العمامة لم يقل به الجمهور.

ونقل عن ابن القيم قوله: ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث واحد أنه اقتصر على مسح بعض رأسه البتة، لكن إذا مسح بناصيته كمل على العمامة، كما في حديث المغيرة هذا1.

وقد أورد في نفس المعنى حديث ثوبان قال: "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فأمرهم أن يمسحوا على العصائب؛ يعني العمائم، والنساخين؛ يعني الخفاف" قال الصنعاني في شرحه لهذه الحديث2: ظاهر الحديث أنه يجوز المسح على العمائم كالمسح على الخفين.

إلى أن قال: وظاهره أيضا أنه لا يشترط للمسح عليها عذر، وأنه يجزئ مسحها وإن لم يمس الرأس ماء أصلًا.

2-

وفي حديث عائشة رضي الله عنها3: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ" قال الصنعاني4: فالحديث دليل على أن لمس المرأة وتقبيلها لا ينقض الوضوء، وهذا هو الأصل.

وذهب الشافعية إلى أن لمس من لا يحرم نكاحها ناقض للوضوء مستدلين بقوله تعالى: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاء} فلزم الوضوء من اللمس.

وفي هذا الباب أورد حديث طلق بن علي5 قال: قال رجل: مسست ذكري، أو قال: الرجل يمس ذكره في الصلاة أعليه وضوء؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا، إنما هو بضعة

1 سبل السلام: ج1 ص51 وبلوغ المرام ص21.

2 سبل السلام: ج1 ص60 وبلوغ المرام ص34.

3 بلوغ المرام: ص26.

4 سبل السلام: ج1 ص66.

5 بلوغ المرام: ص26.

ص: 200

منك" وقال الصنعاني1 في شرحه: والحديث دليل على ما هو الأصل من عدم نقض مس الذكر للوضوء.

كما أورد في هذا الباب حديثًا آخر يناقضه في الدلالة، وهو حديث بسرة بنت صفوان2 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من مس ذكره فليتوضأ" وقال الصنعاني عند شرحه له: وبه استدل من سمعت عن الصحابة والتابعين وأحمد والشافعي على نقض مس الذكر للوضوء والمراد مسه من غير حائل3.

3-

وفي باب صلاة المسافر والمريض أورد حديثًا يستدل به الحنفية على أن القصر عزيمة لا رخصة، وهو حديث عائشة4 رضي الله عنها قالت:"أول ما فرضت الصلاة ركعتين فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر".

ثم أورد بعده حديثًا لعائشة5 رواه الدارقطني: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر في السفر ويتم ويصوم ويفطر" وهو دليل للشافعية، ولكن أمانة ابن حجر العلمية وعدم تحيزه للمذهب الذي ارتضاه دفعاه إلى بيان ما في الحديث من إعلال، فقال عنه: إنه معلول، والمحفوظ عن عائشة من فعلها لا من روايتها.

4-

وفي كتاب النكاح أورد الحافظ ابن حجر حديثًا عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال6: "الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر وإذنها سكوتها" وفي رواية: "ليس للولي من الثيب أمر" وهو يختلف مع مذهب الشافعية من أن الولي ركن في النكاح مطلقًا دون تفرقة بين الثيب والبكر.

وبعد: فإن هذا الكتاب من تأليف الحافظ ابن حجر، وهو من عرف علماء الحديث علمه وفضله واستيعابه لأكثر السنة، وإمامته في علوم الحديث والرجال، وقد أعانه ذلك على أن يقدم الضروري من أدلة الأحكام في إيجاز يعين على حفظه واستظهاره عند الحاجة، ومن أجل ذلك لم يسلك مسلك غيره ممن توسع في تقديم كثير من الأحاديث في موضوعات الفقه المتعددة، مما يفتر بعض الهمم، ويقعد بها عن دراسة الفقه والحديث.

ويبدو لنا أن أبرز ميزة في هذا الكتاب أن مؤلفه قد توخى فيه إلى ما تدعو إليه حاجة المتفقهين والمستدلين، فإنه تناول فيه أحاديث الأحكام مراعيًا فيها ميزة القبول، بحيث تكون من بين الصحيح أو الحسن وتصلح للاحتجاج، فإن أورد حديثًا أدنى درجة من هذه فإنه يورده تابعًا أو شاهدًا، أو مشتملًا على زيادة لا تخل بدلالة غيره مما استوفى شروط القبول.

1 سبل السلام: ج1 ص67.

2 بلوغ المرام: ص26.

3 سبل السلام: ج1 ص67.

4 سبل السلام: ج1 ص67.

5 بلوغ المرام ص94.

6 نفس المرجع والصفحة.

ص: 201

من أجل ذلك أقبل العلماء على هذا الكتاب، وتناولوه في مختلف الأعصار والأمصار بالشرح والتعليق، فقد شرحه1 الإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني اليمني المتوفى سنة سبع ومائة وألف في كتابه "سبل السلام".

وشرحه القاضي شرف الدين الحسين المعروف بالمغربي قاضي صنعاء المتوفى عام تسع عشر ومائة وألف في كتابه الذي سماه "البدر التمام" وهو مخطوط.

وشرحه أيضًا مختصرًا من سبل السلام الشيخ أبو الخير نور الحسن خان وسماه "فتح العلام" وقد طبع في بولاق، كما شرحه العلامة أبو الطيب صديق حسن خان بشرح مطبوع بالهند باللغة الفارسية شرحه السيد محمد بن يوسف الأهدلي بشرح لم يطبع بعد.

وشرحه أيضًا العلامة المواولي أحمد حسن الدهلوي بشرح منتخب من فتح الباري وشروح الكتب الستة ونيل الأوطار ومختصر سنن أبي داود وتلخيص الخبير لابن حجر، وطبع في جزأين بالهند.

وشرحه كذلك الشيخ محمد عابدين أحمد الأنصاري الحنفي المتوفى سنة سبع وخمسين ومائتين ألف.

"أخيرًا شرحه فضيلة الأستاذ الجليل الشيخ محمد علي أحمد أستاذ الحديث بكلية أصول الدين بالأزهر الشريف.

وبهذا القدر نكتفي في دراسة هذا الكتاب العظيم من كتب الأحكام، ونسأل الله لمؤلفه المثوبة والأجر على ما قدم لأمة الإسلام من فضل ومنة، بتأليفه لكتاب بلوغ المرام من أدلة الأحكام الله الموفق وهو المستعان.

1 نقلًا بتصرف عن مقدمة طبعة مصطفى البابي الحلبي لكتاب سبل السلام سنة 1378هـ.

ص: 202