الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الجامع الكبير أو جمع الجوامع:
للإمام الحافظ جلال الدين السيوطي المتوفى سنة 911هـ:
وهذا الكتاب قصد فيه مؤلفه جمع السنة باستيعاب، وإن لم يتسن له ذلك؛ لأن المنية اخترمته دون أن يتمه، نقل النبهاني في مقدمة كتابه الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير1 عن الشيخ عبد القادر الشاذلي تلميذ المصنف في ديباجة كتابه "حلاوة المجامع": أنه سمع السيوطي رحمه الله يقول: أكثر ما يوجد على وجه الأرض من الأحاديث النبوية القولية والفعلية مائتا ألف حديث ونيف، فجمع المصنف منها مائة ألف حديث في هذا الكتاب -يعني الجامع الكبير- واخترمته المنية ولم يكمله، ووقع فيه تقديم وتأخير، سببه تقليب وقع في ورق المصنف، ثم قال: فراغ في الترتيب الحرف، فما بعده يستقم لك التعقيب في كل ما تجده مخالفًا.
فهذا الكتاب إذًا سفر ضخم جليل القدر، يجتمع فيه ما لم يجتمع في غيره من كتب السنة، مع امتيازه بتقدير المؤلف لكل حديث، وبيان درجته بما بينه من اصطلاحات في التخريج -سنوردها- وإن أضخم عدد نقل إلينا في مؤلف حديثي من كتب السنة هو أربعون ألفًا، أو ثلاثون -بعد حذف المكرر- على اختلاف النقلين عن عدد أحاديث مسند الإمام أحمد بن حنبل، والسيوطي رحمه الله لحرصه على أن يجمع كل ما تصل إليه يده من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم قسم الأحاديث التي أوردها إلى قسمين: قسم الأقوال، وهو مرتب على حسب حروف المعجم، وقسم الأفعال، وهو مرتب على حسب مسانيد الرواة على معنى أنه في هذا القسم الأخير روى أحاديث كل راو من الصحابة لها على حدة.
وإذا كان بعض الناس طعن في هذا الكتاب بأنه لم يسلم من الأحاديث الضعيفة والمتكلم فيها، فإن ذلك المعنى لم يسلم منه كتاب من كتب السنة إلا الصحيحان والكتب التي التزم أصحابها رواية الأحاديث الصحيحة، وهي: صحيحا ابن حبان وابن خزيمة، ومستدرك الحاكم على ما فيه من تساهل كبير، والمختارة للضياء المقدسي، وصحيح أبي عوانة، ومنتقى ابن الجارود، وصحيح ابن السكن، وموطأ مالك، والمستخرجات.
على أن بعض هذه الكتب لم يسلم من النقد أيضًا في بعض ما رواه من الأحاديث الضعيفة وإن كان قليلًا.
وإذا كان السيوطي رحمه الله لم يفته أن ينبه إلى درجة كل حديث مما أورده في كتابه بعد أن يعزوه إلى أصله الذي نقل منه هذا الحديث -حتى يتيسر للقارئ مراجعته في أصول كتب
1 ج1 ص6 الفتح الكبير.
السنة- فإن ذلك جدير أن يطمئن الدارسين إلى هذا الكتاب لا يقل درجة عن غيره من كتب السنة التي تبين اصطلاحاتها المختلفة درجات ما تورده من الأحاديث، وهي كتب نقلتها الأمة بالقبول، وعولت عليها في نقل السنة، والاحتجاج بها في مختلف شئون الدين.
وقد تكلم صاحب كشف الظنون عن هذا الجامع1 فقال: إنه كتاب كبير، أوله: سبحان مبدئ الكواكب اللوامع
…
إلى آخره، وذكر فيه أنه قصد استيعاب الأحاديث النبوية، وقسمه قسمين:
الأول: ساق فيه لفظ الحديث بنصفه، يذكر فيه من خرجه ومن رواه من واحد إلى عشرة أو أكثر، ويعرف فيه حال الحديث من الصحة والحسن والضعف، مرتبًا ترتيب اللغة على حروف المعجم.
والثاني: الأحاديث الفعلية المحضة، أو المشتملة على قول وفعل، أو سبب ومراجعة. ونحو ذلك، مرتبًا على مسانيد الصحابة، قدم العشرة ثم بدأ بالباقي على حروف المعجم في الأسماء، ثم بالكنى كذلك، ثم بالمبهمات، ثم بالنساء، ثم بالمراسيل، وطالع لأجله كتبًا كثيرة.
وفي الرسالة المستطرفة للسيد محمد جعفر الكتاني إيراد للجوامع الثلاثة للسيوطي وبيان لأمرها يقول فيه: الجامع الصغير -على ما قيل- عشرة آلاف وتسعمائة وأربعة وثلاثون حديثًا في مجلد وسط، وذيله بزيادة الجامع وهي قريب من حجمه، والكبير وهو المسمى بجمع الجوامع، قصد فيه جمع الأحاديث النبوية بأسرها، والمشاهدة تمنع ذلك، مع أنه توفي قبل إكماله، وهي مرتبة على الحروف عدا القسم الثاني منه وهو قسم الأفعال فإنه مرتب على المسانيد ذاكرًا عقب كل حديث من أخرجه من الأئمة، واسم الصحابي الذي خرج عنه.
وقال الشيخ محمد عبد الحي الكتاني -وهو يتحدث عن كتب السيوطي- إن من أهمها وأعظمها وهو من أكبر مننه على المسلمين كتابه الجامع الصغير، وأكبر منه وأسمع وأعظم الجامع الكبير، جمع فيه عدة آلاف من الأحاديث النبوية مرتبة على حروف المعجم.
ويلاحظ على هذه العبارة أنها تخلو من الدقة، ولو أرادها لعبر بتعبير صاحب الرسالة المستطرفة الذي حاول تحديد كل من الكتابين تحديدًا يقرب تصويره للقارئ، على أن قوله: مرتبًا على حروف المعجم غير صحيح؛ لأنه لا يشمل الأفعال الذي رتبه المؤلف على المسانيد.
ثم نقل الحافظ التيجاني عن الشيخ صالح المقبلي في كتابه العلم الشامخ -بعد أن استغرب لعدم تصدي أحد لجمع الأحاديث النبوية على الوجه المقرب- قال: لعلها مكرمة أدخرها الله لبعض المتأخرين، وإذ الله قد أكرم بذلك وأهل له من لم يكد يرى مثله في ذلك: الإمام السيوطي في كتابه الجامع الكبير.
1 كشف الظنون ج1 ص597 ونقلها الحافظ التيجاني في مقدمته لجمع الجوامع الذي تخرجه الآن لجنة السنة بجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف.
ومن أراد التعرف الدقيق على هذا الكتاب ومنهجه، فإن ذلك بين من مقدمة الإمام السيوطي له؛ إذ يقول فيها بعد الديباجة1: هذا كتاب شريف حافل، ولباب منيف رافل، بجمع الأحاديث النبوية كافل، قصدت فيه إلى استيعاب الأحاديث النبوية، وأرصدته مفتاحًا لأبواب المسانيد العلية، وقسمته قسمين:
الأول:
أسوق فيه لفظ المصطفى بنصه، وأطوق كل خاتم منه بفصه، وأتبع متن الحديث بذكر من خرجه من الأئمة أصحاب الكتب المعتبرة، ومن رواه من الصحابة رضوان الله عليهم واحدًا إلى عشرة أو أكثر من عشرة، سالكًا طريقه يعرف منها صحة الحديث وحسنه وضعفه، مرتبًا ترتيب اللغة على حروف المعجم، مراعيا أول الكلمة فما بعده، ورمزت للبخاري "خ" ولمسلم "م" ولابن حبان "حب" وللحاكم في المستدرك "ك" وللضياء المقدسي في المختارة "ض".
ثم قال: وجميع ما في هذه الخمسة صحيح، فالعزو إليها معلم بالصحة، سوى ما في المستدرك من المتعقب فأنبه عليه، وكذا ما في الموطأ، وصحيح ابن خزيمة، وأبي عوانة، وابن السكن والمنتقى لابن الجارود، والمستخرجات، فالعزو إليها معلم بالصحة أيضًا.
ورمزت لأبي داود "د" فما سكت عليه فهو صالح، وما بين ضعفه نقلته عنه، وللترمذي "ت" وأنقل كلامه على الحديث، وللنسائي "ن" ولابن ماجه "هـ" ولأبي داود الطيالسي "ط" ولأحمد "حم" ولزيادات ابنه عبد الله "عم" ولعبد الرزاق "عبد" ولسعيد بن منصور "ص" ولابن أبي شيبة "ش" ولأبي يعلى "ع" وللطبراني في الكبير "طب" وفي الأوسط "طس" وفي الصغير "طص" وللدارقطني "قط" فإن كان في المسند أطلقته، وإلا بينته، وله2 في شعب الإيمان "هب".
ثم قال: وهذه الكتب فيها الصحيح والحسن، والضعيف فأبينه غالبًا، وكل ما كان في مسند أحمد فهو مقبول، فإن الضعيف الذي فيه يقرب من الحسن.
وللعقيلي في الضعفاء "عق" ولابن عدي في الكامل "عد" وللخطيب "خط" فإن كان في التاريخ أطلقت وإلا بينته، ولابن عساكر في تاريخه "كر".
وكل ما عزى لهؤلاء الأربعة، أو للحكيم الترمذي في نوادر الأصول، أو للحاكم في تاريخه أو لابن النجار في تاريخه، أو للديلمي في مسند الفردوس فهو ضعيف، فيُستغنى بالعزو إليها أو إلى بعضها عن بيان ضعفه.
1 مقدمة الجامع الكبير ص1 وما بعدها طبعة أولى لمجمع البحوث الإسلامية.
2 ظاهر هذا الضمير عوده على الدارقطني وهو غير صحيح، والذي استظهره أنه ذكر البيهقي هنا بعلامة "هق" في غير شعب الإيمان ثم قال: وله في شعب الإيمان "هب" كما يتبين ذلك في رموز الجامع الصغير، وكما في الفتح الكبير.
وإذا أطلقت العزو إلى ابن جرير فهو في تهذيب الآثار، فإن كان في تفسيره أو تاريخه بينته وحيث أطلق في هذا القسم أبو بكر فهو الصديق، أو عمر فهو ابن الخطاب، أو أنس فابن مالك أو البراءة فابن عازب، أو بلال فابن رباح، أو جابر فابن عبد الله، أو حذيفة فابن اليمان، أو معاذ فابن جبل، أو معاوية فابن أبي سفيان، أو أبو أمامة فالباهلي، أو أبو سعيد فالخدري، أو العباس فابن عبد المطلب، أو عبادة فابن الصامت، أو عمار فابن ياسر.
الثاني:
الأحاديث الفعلية المحضة، أو المشتملة على قول وفعل، أو سبب أو مراجعة، أو نحو ذلك مرتبًا على مسانيد الصحابة على ما يأتي بيانه في أول القسم الثاني.
وقد قدمنا لصاحب كشف الظنون بيان منهجه في المسانيد في التمهيد لهذا الفصل.
ثم ختم السيوطي هذه المقدمة بذكر منامين مبشرين في شأن أبي زرعة وما لقيه من ثواب الله العظيم مع بيان سبب ذلك، من العناية بالسنة النبوية، وكثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند كتابة الأحاديث.
ويبدو أن هذا المنهج العظيم الذي ذكره السيوطي يشتمل على كثير من الدقة، ويدل على شدة الرغبة في الاستيعاب للحديث متنًا وسندًا، حتى إنه في الصفحة التالية يقول: إنه مع ذكر التخريج ينص على الرواة من الصحابة -ولو كانوا أكثر من عشرة- وأنه راعى فيه غاية الإيجاز حتى لجأ إلى بيان الرموز فيما لا يشكل معه ذلك، وإلا فإنه يذكر المخرجين بأسمائهم دفعًا للبس، على أنه ذكر في أثناء الكتاب كثيرًا من المخرجين بأسمائهم مثل ابن سعد، والبارودي في المعرفة، والبغوي في معجمه، وعبد بن حميد، والشيرازي، وهناد، والشافعي، والسراج، ومسدد، وغيرهم كثير
…
، وهذا لا يضر في جوهر العمل، ولكن نرى أن مقتضى الدقة في التصوير أنه كان ينبغي له أن يشير إلى هؤلاء في كلمة جامعة في مقدمته بأن يقول مثلًا: وقد ذكرت غير هؤلاء من المخروجين بأسمائهم، وذلك حتى لا يفاجأ القارئ بذكر أسماء في الكتاب لم تسبق الإشارة إليها ولو بمثل هذه الجملة العامة.
ومما يجب التنبيه إليه ما ذكره الشيخ يوسف النبهاني1 من مراجع هذا الكتاب فيما أورده من الفوائد في مقدمة كتابه -الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير- قال: رأيت على ظهر كتاب الجامع الكبير المسمى بجمع الجوامع للحافظ السيوطي ما نصه: قال المؤلف رحمه الله رحمة واسعة: هذه تذكرة مباركة بأسماء الكتب التي أنهيت مطالعتها على هذا التأليف خشية أن تهجم المنية قبل تمامه على الوجه الذي قصدته، فيقيض الله تعالى من يذيل عليه، فإذا
1 الفتح الكبير ج1 ص5 و6 طبع الحلبي.
عرف ما أنهيت مطالعته استغنى عن مراجعته، ونظر ما سواه من كتب السنة، ثم ذكر أسماء هذه المراجع:
الموطأ، مسند الشافعي، مسند الطيالسي، مسند أحمد، مسند عبد بن حميد، مسند الحميدي، مسند ابن أبي عمرو العدني، معجم ابن قانع، فوائد سمويه، المختارة للضياء المقدسي، طبقات ابن سعد، تاريخ دمشق لابن عساكر، معرفة الصحابة للباوردي "ولم أقف على سوى الجزء الأول منه وانتهى إلى أثناء حرف السين"، المصاحف لابن الأنباري، الوقف والابتداء له، فضائل القرآن لابن الضريس، الزهد لابن المبارك، الزهد لهناد بن السري، المعجم الكبير للطبراني، الأوسط له، الصغير له، مسند أبي يعلى، تاريخ بغداد للخطيب، الحلية لأبي نعيم، الطب النبوي له، فضائل الصحابة له، كتاب المهدي له، تاريخ بغداد لابن النجار، الألقاب للشيرازي، الكنى لأبي أحمد الحاكم، اعتلال القلوب للخرائطي، الإبانة لأبي نصر عبيد الله بن سعيد السجزي، الأفراد للدارقطني، عمل يوم وليلة لابن السني، الطب النبوي له، العظيمة لأبي الشيخ، الصلاة لمحمد بن نصر المروزي، نوادر الأصول للحكيم الترمذي، الأمالي لأبي القاسم الحسين بن هبة الله بن صصري، ذم الغيبة لابن أبي الدنيا، ذم الغضب له، مكايد الشيطان له، كتاب الإخوان له، قضاء الحوائج له، المستدرك لأبي عبد الله الحاكم، السنن الكبرى للبيهقي، شعب الإيمان له، المعرفة له، البعث له، دلائل النبوة له، الأسماء والصفات له، مكارم الأخلاق للخرائطي، مساوئ الأخلاق له، مسند الحارث بن أبي أسامة، مسند أبي بكر بن أبي شيبة، مسند مسدد، مسند أحمد بن منيع، مسند إسحاق بن راهويه، صحيح ابن حبان، فوائد تمام، الخلعيات، الغيلانيات، المخلصات، البخلاء للخطيب، الجامع للخطيب، مسند الشهاب للقضاعي، تفسير ابن جرير، مسند الفردوس للديلمي، مصنف عبد الرزاق، مصنف ابن أبي شيبة، الترغيب في الذكر لابن شاهين.
وواضح أنه لم يذكر في هذا البيان كثيرًا من المراجع المهمة ذات الشأن مثل الكتب الستة مع أنه رجع إليها في كثير من الأحاديث، وأوردها في الرموز، فلعله اكتفى بشهرتها وتداولها عن النص عليها؛ أو أنه قد اعتبر هذا البيان للمراجع تكميلًا لبعض ما أورده في المقدمة، فاستغنى بذكر بعض المراجع فيها عن النص عليه هنا، وربما كان من روى هذا البيان عن المؤلف قد نقله بالمشافهة فسقطت منه أسماء بعض المراجع.
وقد بدئ في طبع الكتاب -لأول مرة- منذ عام إحدى وتسعين وثلاثمائة وألف للهجرة بتوجيه لمجمع البحوث الإسلامية من فضيلة الإمام الأكبر الدكتور عبد الحليم محمود -طيب الله ثراه- وهي يد بيضاء أسداها للأمة الإسلامية، برغم ما قام في سبيل نشره وإبرازه من معارضات بناء على أن في الكتاب بعض المناكير التي لا يخلو منها كتاب من كتب الستة المعتبرة كما أشرنا إلى ذلك في أول حديثنا عن هذا الكتاب، ولا تزال اللجنة المختارة لمتابعة الكتاب تحقيقًا وإخراجًا ونشرًا تزاول عملها فيه وقد أبرزت منه حتى الآن أعدادًا من الكتاب.
وكل ذلك يدل على مبلغ ما وصل إليه السيوطي فيما جمع من السنة في هذا الكتاب من مجهود ضخم جبار، وعلى أن هذه المجموعة إن تمت -ونسأل الله لها التمام- ستكون فاتحة خير عظيم للأمة الإسلامية التي هي في أشد الحاجة إلى التضلع من السنة، والإفادة بما فيها من بيان للكتاب الكريم، وتشجيع في مختلف علوم الدين.
غير أننا نرى أنه قد أصبح لزامًا على العلماء ورجال الدين -وقد وجد فيهم من درس طريقة السيرفي هذه المجموعة العظيمة- أن يعملوا ما وسعهم الجهد في متابعة هذا العمل الجليل إلى أن يتم على ما أراده مؤلفه رحمه الله وأحسن جزاءه وليكن ذلك من رجال تخصصوا في دراسة السنة النبوية كهذه اللجنة التي تقوم الآن بتحقيق الكتاب ونشره، وغيرهم من علماء السنة -وهم الآن كثير بحمد الله- ومنهم أساتذة لمادة السنة بكلية أصول الدين بالأزهر يمكنهم أن يستعينوا بتلامذتهم وأن يمرنوهم عمليًّا على القيام بدراسة ما ظهر من هذا الكتاب، وما يظهر -تباعًا- منه. وتكليفهم بمعاونة اللجنة على تحمل أعباء هذا المجهود المضني في سرعة استكمال إخراجه، ثم إضافة ما يكمل هذا الجامع كما أراده المؤلف.
ولا بد من محاولة النفع بكل ما يظهر من الكتاب أولًا فأولا، وذلك بشرح ما ظهر، ومتابعة ما عساه أن يظهر منه، ودفع ما قد يكون فيه من إبهام أو تعارض، وذلك على غرار ما كتب من الشروح على الجامع الصغير من قبل، فإن في ذلك إصلاحًا لنفوس أعرضت عن السنة فاعوج سلوكها، وضعف كيانها، يعرف ذلك من زوال العمل في هذه السنة المطهرة، وذاق حلاوتها وعرف آثارها، فإن آخر أمر هذه الأمة لا يصلح إلا بما صلح به أولها.
ولدى ملاحظات سنحت أثناء استعراضي لما أظهرته اللجنة من هذا الكتاب أوردها فيما يلي:
1-
سجل السيوطي في مقدمته أنه رتب الكتاب ترتيب اللغة على حروف المعجم مراعيًا أول الكلمة فما بعده، ومعنى ذلك أنه التزم الترتيب بين الحديث والذي بعده مراعيًا الحرف أول الكلمة مع الذي بعده من الحروف، ولم يذكر أنه التزم الترتيب بالنسبة للكلمة الأولى مع الثانية، ولا ترتيب حروف الكلمة الثانية أيضًا، ونحن -بمتابعة ما ظهر من الكتاب- وجدنا أنه التزم الترتيب بالنسبة للحرف الأول من الكلمة الأولى في الحديث مع الذي بعده من حروف الكلمة نفسها، وأنه يحرص على الترتيب بالنسبة إلى الحرف الثالث -وهو الغالب على مسلكه- مثل "آتى" فإن الحرف الثالث فيها وهو التاء موحد بالنسبة للحديث وما بعده، ولم يتخلف ذلك، وكذلك مثل "آجال" فإن الحرف الثالث منها وهو الجيم موحد في جميع الأحاديث التي وقع ثالثها حرف الجيم، ثم هو مع ذلك يحرص على الترتيب في الحرف الرابع بين كل حديث وما يليه، كما يحرص على الترتيب مراعيًا للكلمة الثانية مع الأولى بنفس الطريقة التي يرتب بها بين الأحاديث في الكلمة الأولى، وإن كان ذلك غير مطرد في الكتاب، كما يحرص على الترتيب بالنسبة للكلمة الثالثة، ولكنه لا يتلزمه.
فالحديث رقم 677 وأوله: "أحرج اسم عند الله
…
" كان ينبغي أن يكون تاليا لأربعة أحاديث بعده، فإنه مقحم بين أحاديث ثالث الكلمة الأولى من كل منها ذال لولا أنه لم يلتزم ذلك الترتيب بين ثوالث الكلمة الأولى.
والحديث رقم 720 مؤخر عن موضعه بالنسبة لترتيب الحرف الثالث، وكان ينبغي ألا نطيل الوقوف عند هذه النقطة غير الجوهرية في دراسة هذه الموسوعة الكبيرة.
2-
يورد السيوطي كثيرًا من مطولات الحديث في هذا الكتاب على خلاف طريقته في الجامع الصغير الذي ادعى فيه أنه اقتصر على الأحاديث الوجيزة، وإن لم يتحر ذلك بالدقة أيضًا، حيث ورد فيه بعض مطولات عديدة نشير إليها -إن شاء الله- عند الحديث عنه.
ومن هذه المطولات في الجامع الكبير على سبيل المثال الأحاديث التي تحمل أرقام: 10، 11، 12، 21، 124، 126، 230، 482، 522، 680، 787، 950، 1636، 1639، 1663، 2318، 3746.
كما يورد فيه كثيرًا من المتوسطات، ومن ذلك الأحاديث التي تحمل الأرقام: 25، 34، 35، 36، 37، 54، 73، 74، 78، 123، 130، 136، 195، 216، 217 وغير ذلك كثير.
ومن أحاديث الكتاب ما هو دون ذلك، وهو أكثر عددًا من النوعين السابقين.
3-
يهتم المؤلف بالتخريج، فيتابع الحديث في مختلف المظان مهما تعددت، ومهما أدى ذلك إلى الإطالة في كثير من الأحيان، ويذكر الخلاف في تقويم السند بتعديل رجاله أو تجريحهم.
ومن أمثلة ذلك الواضحة الحديث السابع والتسعون، فإنه بعد أن ذكر متن الحديث وخرجه بين أن فيه راويا لم يجد من ترجمه، ونظيره في ذلك الحديث السادس عشر بعد المائتين، وأما الحديث الخامس بعد المائة فإنه بعد أن أورد متنه في أقل من سطر:"أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم" خرجه بما يأتي: ش حم خ هـ عن أبي سعيد، ش حم وابن قانع. طب ك ض عن صفوان بن مخرمة، ن عن أبي موسى البغوي في معجم الصحابة عن الحجاج الباهلي، وطب عن الحجاج الباهلي عن ابن مسعود عن جابر، ق عن المغيرة، ش عن عمر موقوفًا "في إسناد حم طب القاسم بن صفوان عن أبيه وثقه ابن حبان، وقال أبو حاتم: لا يعرف إلا في هذا الحديث".
وكذلك الحديث السابع بعد المائة، فإنه خرجه بتخريجين: وفي أحدهما راوٍ مجمع على ضعفه، والثاني لم يتعرض لسنده، والحديث السادس والخمسون بعد الثمانمائة، فإنه نظيره في هذا التقويم والحديث الثامن والسبعون بعد المائة، عقب عليه بما يدل على أن رجاله ثقات، ثم استدرك بأنه وجد في أحد المراجع عن الميزان أنه منكر، وكذلك الحديث الحادي والثمانون بعد المائة، فإنه بعد أن أورد الحديث نقل عن مخرجه الخطيب قوله: إنه ليس بثابت وفيه مجاهيل، ثم ذكر أن ابن الجوزي أورده
في الموضوعات، على أن هذا لا يقتضي أن الحديث في ذاته موضوع؛ لأنه عرف عن ابن الجوزي عدم الدقة، فإنه يحكم على كثير من الأحاديث المقبولة بالوضع، عى عكس الحاكم في مستدركه إذ يصحح كثيرًا من المنكرات.
ومن ذلك أيضًا الحديث الثلاثون بعد المائتين، فإنه خرجه وقوم سنده في نحو عشرة أسطر، وهو من الظواهر التي تلفت النظر، وتدل على تمام العناية بالتخريج والتقويم، والحديث الثمانون بعد الثلاثمائة والألف، ذكر في تخريجه راويا نسب إلى ابن حبان الحكم على هذا الراوي بأنه يروي الموضوعات عن الإثبات، وإنما قال السيوطي ذلك تبرئة لعهدته، وفي الحديث الرابع والستين بعد الأربعمائة والألف -وهو حديث القلتين- قال في تخريجه: إن الشافعي أورده في الأم والمسند والمختصر عن مسلم بن خالد الزنجي عن ابن جريج بإسناد لا يحضرني ذكره، ثم قال: إن ابن الأثير والرافعي في شرح المسند قال: إن الإسناد الذي لم يحضره على ما ذكره أهل العلم بالحديث أن ابن جريج قال: أخبرني فلان عن فلان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
…
، ثم قال السيوطي: وقد رواه الدارقطني في سننه كما ذكراه "ابن الأثير والرافعي" ثم قال: إن ابن الأثير حكم بأنه مرسل، وقال السيوطي: قلت: إنه يعتضد بما رواه ابن عدي من حديث ابن عمر "وذكر الحديث" ثم قال: وفي سنده المغيرة بن صقلاب قال ابن حاتم: صالح الحديث، وقال أبو زرعة، جزري لا بأس به. ا. هـ من تخريج أحاديث الرافعي لابن الملقن.
وهذا ولا شك مجهود يؤيد ما ذهبنا إليه من الدقة البالغة، والخبرة الفائقة في التخريج والتقويم على أن هذا الحديث يؤيد مذهب الشافعية فيما ذكروه من تقدير الماء الذي لا ينجس بملاقاة النجاسة1.
هذا وللسيوطي عبارات مختلفة في تصوير التجريح في الأحاديث الواهية.
ففي الحديث التاسع عشر: "آخر الطب الكي" حكم بأنه اشتهر وليس بحديث، وفي الحديث الخامس والأربعين جزم بأن فيه زنفلًا العوفي الكذاب، وفي الحديث الثاني بعد المائتين ذكر راويا ثم قال نقلًا عن رجال التجريح: إنهم كذبوه، وفي الحديث الرابع بعد المائتين وصف راويا فيه بأنه متروك، وغير ذلك من العبارات.
ومسلكه هذا يتصل بالدقة في تقويم الحديث، فإن الواضح أن اختلاف العبارة في تجريح الرواة مما تختلف به الأحكام، وهو ما يتصل بأقسام الجرح والتعديل التي أوردها علماء أصول الحديث.
4-
كثيرًا ما يذكر المؤلف الأسباب التي وردت من أجلها الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: ففي الأحاديث التي تحمل الأرقام: 70، 104، 118، 120، 157، 317، 346، 349، 367، 379، 800، 803، 804، 811، 815، 825، 827، 828،
1 وقد أسهب ابن حجر في كتابه تلخيص الحبير من ص16 إلى ص20 في بيان إسناد هذا الحديث ومعناه وتحديد القلة، والسيوطي يتفق معه في بعض جهات بحثه، غير أنه انفرد ببيان ما يعتضد به هذا الحديث.
829، 862، 890، 893، 1576 في كل هذه الأحاديث وفي كثير غيرها ينقل السيوطي، عن الرواة أسبابًا لورود الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وأحيانًا يورد المناسبات التي روى فيها الصحابي الحديث، ففي الحديثين الحادي والعشرين والأربعين بعد المائة ينقل عن الراوي المناسبة التي أرود فيها الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
5-
بين السيوطي في سرده للأحاديث -أحيانًا- بعض ما يحتاج إلى البيان، وذلك كما في الحديث السبعين، والثاني والسبعين بعد المائة، والحديث الثامن والسبعين ومائة.
6-
يختلف السيوطي في تخريجه لأحاديث وردت في كل من الجامعين الصغير والكبير، بالزيادة في الكبير، والنقص في الصغير، ولعل ذلك لأنه بنى جامعه الصغير على الاختصار وعدم الاستيعاب، فهو فيه يكتفي بذكر ما يراه مبينًا للمرتبة، على أنه قل أن يخلو حديث فيه من بيان مرتبته بالرمز الذي يدل عليه، وذلك كما في الحديث الثمانين وخمسمائة وألف الذي يتعلق بصلاة ركعتي الجمعة، فإنه خرجه في الصغير هكذا "حم ق د ن هـ" عن جابر، أما في الكبير فقد خرجه من اثني عشر كتابًا عن جابر، ثم عن ثلاثة من المخرجين يروونه عن سليك بن هدية الغطفاني.
وقد يتخلف هذا المعنى في بعض الأحاديث، فيترك التقويم في الكبير ويذكره في الصغير، كما في الحديث الحادي والثمانين والخمسمائة بعد الألف فقد اتفق الجامعان في التخريج وامتاز الصغير بذكر مرتبة الحديث بعلامة الصحة والحسن1، وقد يختلف الأمر -كما هو الأصل- فيقوم الحديث في الجامع الكبير دون الصغير، وذلك كما في الحديث الرابع عشر بعد الستمائة والألف.
7-
يورد الجامع الكبير رموزًا من شأنها أن تدل على بعض الكتب، ولكنها لا تدل القارئ على شيء؛ لأن المؤلف لم يوردها من بين رموز الكتاب في مقدمته.
ومن ذلك الرمز "ز" الذي ورد في الحديث السابع والثلاثين بعد المائتين ويقول فيه: ز عن ثوبان، والحديث الرابع والسبعين بعد السبعمائة والألف الذي يقول فيه ز عن أبي هريرة، والحديث التاسع والثمانين بعد السبعمائة والألف الذي يقول فيه: ز عن زيد بن أرقم، والحديث الثامن والأربعين بعد التسعمائة، والألف الذي يقول فيه: ز والديلمي عن أبي هريرة، والحديث السادس والستين بعد التسعمائة والألف الذي يقول فيه: ز عن أنس.
ومن الرموز التي يوردها في الأحاديث، وليست مما نبه عليه في رموز الكتاب الرمز "بز" وقد ورد في كثير من الأحاديث، منها الحديث الحادي والعشرون بعد المائتين الذي يقول فيه: بز عن عائشة، والحديث الثالث والتسعون بعد الستمائة الذي يقول فيه بز خط عن
1 خلافًا لما نقلته اللجنة من أن الحديث مرموز له بالحسن فقط في الجامع الصغير.
أبي هريرة والحديث، الثامن والأربعون بعد الأربعمائة والألف الذي يقول فيه: بزعق طس عن أبي هريرة، والحديث السادس والخمسون بعد التسعمائة والألف الذي يقول فيه: عب
…
بزو ابن خزيمة
…
إلخ، والحديث السابع والخمسون بعد التسعمائة والألف الذي يقول فيه: الشافعي وابن خزيمة بز حب عن العباس، والحديث السابع والستون بعد التسعمائة والألف الذي يقول فيه: ع بزو ابن خزيمة.
تلك هي أهم الملاحظات التي سنحت لنا عند مدارسة الكتاب، وفي غالبها ما يشهد لهذا الكتاب بالدقة الفاحصة، والأمانة في العلم، والإخلاص للسنة، وغزارة الاطلاع على المراجع الحديثية وغير ذلك، مما هو جدير بالإمام السيوطي رحمة الله عليه.