المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌شرح معاني الآثار للإمام الطحاوي: - مدرسة الحديث في مصر

[محمد رشاد خليفة]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة:

- ‌الباب الأول: أعلام المحدثين في مصر منذ الفتح الإسلامي حتى سقوط بغداد

- ‌مدخل

- ‌الفصل الأول: الصحابة والتابعون وأتباعهم

- ‌مدخل

- ‌الصحابة:

- ‌التابعون وأتباعهم ومن جاء بعدهم:

- ‌الفصل الثاني: أعلام المحدثين في مصر منذ سقوط بغداد إلى نهاية القرن الثامن الهجري

- ‌الفصل الثالث: أعلام المحدثين في مصر في القرنين التاسع والعاشر الهجري

- ‌الفصل الرابع: الإنتاج العلمي في الحديث

- ‌الباب الثاني: مناهج المحدثين في مصر

- ‌الفصل الأول: قبل سقوط بغداد

- ‌الدول الأول: عصر الرواية المثبتة ومنهجهم فيه

- ‌الدور الثالث: عصر تدوين الحديث مفروزا ومنهجهم فيه

- ‌الدور الخامس: عصر التقليد والاختصار والتقريب ومنهجهم فيه

- ‌الفصل الثاني: بعد سقوط بغداد

- ‌الفصل الثالث: مقارنة وموازنة

- ‌الباب الثالث: المدونات الحديثية

- ‌مدخل

- ‌الفصل الأول: كتب الأحكام

- ‌مدخل

- ‌موطأ الإمام مالك:

- ‌سنن أبي داود:

- ‌شرح معاني الآثار للإمام الطحاوي:

- ‌عمدة الأحكام:

- ‌منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار:

- ‌تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد:

- ‌بلوغ المرام من أدلة الأحكام:

- ‌كشف الغمة عن جميع الأمة:

- ‌خاتمة الفصل الأول:

- ‌الفصل الثاني: كتب الترغيب والترهيب

- ‌مدخل

- ‌كتاب الترغيب والترهيب:

- ‌الزواجر في النهي عن اقتراف الكبائر:

- ‌الإتحافات السنية في الأحاديث القدسية:

- ‌الفصل الثالث: كتب الجوامع

- ‌مدخل

- ‌الجامع الكبير أو جمع الجوامع:

- ‌الجامع الصغير:

- ‌كنوز الحقائق في حديث خير الخلائق:

- ‌الفصل الرابع: كتب الزوائد

- ‌مدخل

- ‌مجمع الزوائد ومنبع الفوائد:

- ‌المطالب المعالية بزوائد المسانيد الثمانية

- ‌الفصل الخامس: كتب توضيح المبهمات

- ‌مدخل

- ‌غريب الحديث:

- ‌الدر النثير تلخيص النهاية لابن الأثير

- ‌الشروح الحديثية:

- ‌عمدة القاري شرح صحيح البخاري

- ‌ارشادات الساري لشرح صحيح البخاري

- ‌كتب مشكل الآثار أو تأول مختلف الحديث

- ‌الفصل السادس: كتب أصول الحديث

- ‌مدخل

- ‌التقييد والإيضاح في شرح مقدمة ابن الصلاح:

- ‌ألفية الحديث:

- ‌فتح المغيث بشرح ألفية الحديث:

- ‌نخبة الفكر وشرحها:

- ‌تدريب الراوي في شرح تقريب النواني

- ‌الفصل السابع: كتب التخريج

- ‌مدخل

- ‌المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الأحياء من الأخبار:

- ‌تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير:

- ‌مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا

- ‌الفصل الثامن: كتب الرجال

- ‌مدخل

- ‌الإصابة في تمييز الصحابة:

- ‌الضوء اللامع لأهل القرن التاسع:

- ‌طبقات الحفاظ:

- ‌إسعاف المبطأ برجال الموطأ:

- ‌خاتمة:

- ‌التخريج:

- ‌بيان المراجع:

- ‌الفهارس

- ‌فهرس الأعلام

- ‌فهرس الأنساب:

- ‌فهرس الموضوعات:

الفصل: ‌شرح معاني الآثار للإمام الطحاوي:

‌شرح معاني الآثار للإمام الطحاوي:

ومؤلف هذا الكتاب هو الإمام أحمد بن محمد بن سلمة الأزدي الطحاوي الفقيه، الذي انتهت إليه رياسة الحنفية بمصر، ومولده ومنشؤه في طحا من بلاد الصعيد، تفقه على مذهب أبي حنيفة ورحل إلى الشام سنة 268هـ فاتصل بأحمد بن طولون وكان من خاصته1، وكان مولده سنة تسع وعشرين ومائتين، ونقل الذهبي أن ولادته كانت سنة سبع وثلاثين ومائتين، صحب خاله المزني تلميذ الإمام الشافعي وتفقه عليه، ثم أدمن النظر في كتب الحنفية فتأثر بها حتى انتقل إلى مذهب الإمام أبي حنيفة.

وقد وصفه السيوطي بأنه كان ثقة ثبتًا فقيهًا لم يخلف بعده مثله، وعده بين حفاظ الحديث وقال: إنه انتهت إليه رياسة الحنفية بمصر، وإنه صاحب التصانيف البديعة، وذكر منها شرح معاني الآثار وأحكام القرآن والتاريخ الكبير وغيرها.

وأورده الذهبي في تذكرة الحفاظ فوصفه بأنه كان فقيهًا عالمًا ثقة ثبتًا لم يخلف مثله، كما ذكره الكفوي في الطبقات فقال: إنه أخذ الفقه عن أبي جعفر أحمد بن أبي عمران عن محمد بن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة2.

وأورده ابن العماد في شذرات الذهب، وذكر أنه سمع هارون بن سعيد الأيلي وطائفة من أصحاب ابن عيينة وابن وهب، ومنه أحمد بن القاسم الحساب، والطبراني، وصنف التصانيف منها العقيدة السنية، وبرع في الفقه والحديث، وتوفي في ذي القعدة سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة3.

وموضوع الكتاب هو شرح معاني الآثار المتعلقة بالأحكام الفقيه، والآثار كلمة تشمل الأحاديث وأقوال الصحابة والتابعين، ولعله لا يختلف -من هذه الناحية- عن مسلك الإمام مالك في إيراد ما يتعلق بالأحكام الفقهية مما وقع به الاستدلال للمذهب المراد تأييده من الآثار، وإن كان يختلف عنه في شرح معاني تلك الآثار، وإيراد ما ارتضاه مذهبًا لنفسه، والدفاع عنه بما لديه من الحجج والأدلة، وهو مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان.

وهو يتحدث عن سبب تأليفه هذا الكتاب فيقول في مقدمته: سألني بعض أصحابنا من أهل العلم أن أضع له كتابًا أذكر فيه الآثار المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأحكام التي يتوهم أهل الإلحاد والضعفة من أهل الإسلام أن بعضها ينقض بعضًا، لقلة علمهم بناسخها من منسوخها

1 من الأعلام للرزكلي نقلًا عن طبقات الحفاظ للسيوطي والطبقات لابن النديم.

2 مقدمة شرح معاني الآثار ج1 ص7، وحسن المحاضرة للسيوطي ج1 ص350، والتذكرة ج3 ص28.

3 شذرات الذهب: ج2 ص288.

ص: 164

وما يجب العمل به منها، لما يشهد به الكتاب الناطق، والسنة المجتمع عليها، وأجعل لذلك أبوابا أذكر في كل كتاب منها ما فيه من الناسخ والمنسوخ، وتأويل العلماء، واحتجاج بعضهم على بعض، وإقامة الحجة لمن صح عندي قوله منهم بما يصح به مثله من كتاب أو سنة أو إجماع أو تواتر في أقاويل الصحابة أو تابعيهم.

ثم يقول: وإني نظرت في ذلك وبحثت عنه بحثًا شديدًا، فاستخرجت منه أبوابا على النحو الذي سأل، وجعلت لذلك كتبًا، ذكرت في كل كتاب منها جنسًا من تلك الأجناس، فأول ما ابتدأت بذكره من ذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطهارة.

وهو بهذه المقدمة الموجزة قد وضح المنهج الذي سلكه في كتابه هذا، من إيراد الآثار التي وصل إليها بعد البحث والتقصي خاصة بالأحكام، ولا سيما التي وقع فيها توهم لبعض الزائغين من تناقض يريدون به أن يرفضوا الأخذ بتلك الآثار، فهو بمسلكه هذا قد دعمها، وبين طريق الاستفادة منها بقدر ما وصل إليه اجتهاده، وانتهى إليه رأيه، وأنه قسم تلك الآثار أبوابا بحسب ما يندرج تحت كل باب من نوع معين من تلك الأحكام.

وهو لا يفرق بين الباب والكتاب في عبارته في المقدمة، وإنما يريد ما يندرج تحت نوع معين من الأحكام المتماثلة، وإن كان في مسلكه يصنع ما يصنعه غيره من المؤلفين فيعبر بالكتاب وهو يريد ما يشمل أبوابًا متعددة، فهو يقول مثلًا: كتاب البيوع، ثم يقول: باب بيع الشعير بالحنطة باب بيع الرطب -باب تلقي الجلب- باب خيار الرؤية. ويقول: كتاب الهبة والصدقة ثم قال: باب الرجوع في الهبة باب هبة بعض الأولاد

إلخ.

والإمام الطحاوي لا يختلف عن غيره ممن ألفوا أحاديث الأحكام، من حيث إنه يوردها مفصلة بحسب الكتب والأبواب الفقهية في الجملة، وأنه وإن كان يختلف عن أبي داود في أنه يبرز شخصيته في كل موضوع من الأحكام، ويتدخل -بعد ذكر المتن وسنده- شارحًا ومعلقًا، وموفقًا بين ما يبدو للبعض في الأحاديث من تضارب، ومنتصرًا لمذهبه الذي ارتضاه بسوق الأدلة لتأييده فإنه يشبهه في إكثاره من إيراد الأبواب كثيرة التجزئة، كما رأينا في كتاب الطهارة الذي أورد في ضمنه باب سؤل الهر، باب سؤل الكلب، باب سؤر بني آدم، باب التسمية على الوضوء، باب الوضوء للصلاة مرة مرة وثلاثا ثلاثا

وهكذا، ثم يقول في كتاب الصلاة: باب الأذان كيف هو باب الإقامة كيف هي، باب قول المؤذن في صلاة الصبح: الصلاة خير من النوم، باب التأذين للفجر أي وقت هو

وهكذا إلى أن يقول: باب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم، باب القراءة في الظهر والعصر، باب القراءة في صلاة المغرب، باب القراءة خلف الإمام.

وقد طبع الكتاب أخيرًا في القاهرة عام ثمان وثلاثمائة وألف للهجرة طبعته مطبعة الأنوار المحمدية في أربعة أجزاء مختلفة الحجم، بلغت في مجموعها خمسا وأربعين وخمسمائة وألف صفحة من القطع الكبير.

ص: 165

وقد بدت لنا بعض الملاحظات التي سنحت عند استعراض صفحات هذا الكتاب نورد أهمها فيما يأتي:

1-

أن المؤلف يبدأ كل باب فيه بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من أحاديث، فإن كان في المسألة التي يورد الأحاديث في شأنها خلاف بين العلماء أورد من الأحاديث ما يستشهد به كل فريق، ثم يعقب على ذلك بذكر الآثار من عمل الصحابة والتابعين وروايتهم مع الموازنة والترجيح واختيار الرأي الذي ارتضاه.

ففي باب ذكر الجنب والحائض والذي ليس على وضوء، وقراءتهم للقرآن1 نرى المؤلف قد ساق حديثين أولهما عن المهاجرين قنفذ:"أنه سلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتوضأ فلم يرد عليه، فلما فرغ من وضوئه قال صلى الله عليه وسلم: "إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كرهت أن أذكر الله عز وجل إلا على طهارة" وثانيهما عن المهاجر: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبول -أو قال مررت به وقد بال- فسلمت عليه فلم يرد علي حتى فرغ من وضوئه ثم رد علي" ثم قال الإمام الطحاوي: فذهب قوم إلى هذا فقالوا: لا ينبغي لأحد أن يذكر الله تعالى بشيء إلا وهو على حال يجوز له أن يصلي عليها، وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: من سلم عليه وهو على حال يجوز له أن يصلي عليها. وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: من سلم عليه وهو على حال حدث تيمم ورد عليه السلام وإن كان في المصر، وقالوا فيما سوى السلام مثل قول أهل المقالة الأولى. ثم ساق الأحاديث التي احتج بها الفريق الآخر.

ومنها حديث نافع قال: انطلقت مع ابن عمر إلى ابن عباس في حاجة لابن عمر، فقضى حاجته فكان من حديثه أنه قال: مر رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سكة من السكك وقد خرج من غائط أو بول، فسلم عليه فلم يرد عليه السلام حتى كاد الرجل أن يتوارى في السكة، فضرب بيديه على الحائط فتيمم لوجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فتيمم لذراعيه. قال: ثم رد عليه السلام وقال: "أما إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أني كنت لست بطاهر".

وحديث ابن عمر: "أن رجلًا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فلم يرد عليه حتى أتى حائطًا فتيمم".

وحديث ابن عباس: "أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم حتى دخلنا على أبي الجهم بن الحارث بن الصمة الأنصاري، فقال أبو الجهم: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من نحو بير جميل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه حتى أقبل على الجدار فمسح وجهه ويديه، ثم رد عليه السلام".

ثم ذكر حديثًا آخر عن عمر مولى ابن عباس مثل الحديث السابق ثم قال: فبهذه الآثار رخصنا للذي يسلم عليه وهو غير طاهر أن يتيمم ويرد عليه السلام.

ثم ذكر حديثًا آخر عن عمر مولى ابن عباس مثل الحديث السابق ثم قال: فبهذه الآثار رخصنا للذي يسلم عليه وهو غير طاهر أن يتيمم ويرد عليه السلام، ليكون ذلك جوابًا للسلام، ثم قال: وهذا كما رخص قوم في التيمم للجنازة وللعيدين إذا خيف قوت ذلك إذا تشوغل بطلب الماء

1 شرح معاني الآثار: ج1 ص85 وما بعدها.

ص: 166

لوضوء الصلاة، وذكروا في ذلك أحاديث ساقها الإمام الطحاوي أيضًا منها: حديث موقوف على ابن عباس رواه عنه عطاء: في الرجل تفجؤه الجنازة وهو على غير وضوء. قال: "يتيمم ويصل عليها" ثم ساق مثله ثمانية أحاديث أخرى وانتهى منها إلى هذا القول: فلما كان قد رخص في التيمم في الأمصار خوف فوت الصلاة على الجنازة. وفي صلاة العيدين لأن ذلك إذا فات لم يقض، قالوا: فكذلك رخصنا في التيمم في الأمصار لرد السلام ليكون ذلك جوابًا للمسلم؛ لأنه إذا لم يفعل فلم يرد السلام حينئذ فات ذلك، وإن رد بعد ذلك فليس بجواب له، وأما ما سوى ذلك مما لا يخاف فوته من الذكر وقراءة القرآن فلا ينبغي أن يفعل ذلك أحد إلا على طهارة.

قال الطحاوي: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لا بأس أن يذكر الله تعالى في الأحوال كلها من الجنابة وغيرها، ويقرأ القرآن في ذلك خلاف الجنابة والحيض فإنه لا ينبغي لصاحبها أن يقرأ القرآن.

ثم ساق ما احتجوا به من أحاديث: منها حديث رواه عن علي جاء في آخره: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن ويأكل معنا اللحم، ولم يكن يحجزه عن ذلك شيء، ليس الجنابة" وفي رواية ابن سلمة: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته فيقرأ القرآن" وفي رواية أخرى عن علي: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن على كل حالة إلا الجنابة".

وبعد أن ساق الإمام الطحاوي عدة روايات مثل هذا الحديث، وما في معناه قال: ففيما رويناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إباحة ذكر الله تعالى على غير وضوء، وقراءة القرآن كذلك، ومنع الجنب من قراءة القرآن خاصة، ثم قال: وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يدل على إباحة ذكر الله تعالى على غير طهارة، وساق حديثًا عن عمرو بن عبسة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من امرئ مسلم يبيت طاهرًا على ذكر الله فيتعار من الليل يسأل الله تعالى شيئًا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه الله إياه" وحديثًا مثله عن أبي ظبية عن معاذ، وآخر عن شمر بن عطية.. ثم قال: فهذا بعد النوم، ففي ذلك إباحة ذكر الله تعالى بعد الحدث، ثم ساق أحاديث أخرى في هذا المعنى بعضها عن عائشة:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه"،وبعضها عن ابن عمر ومالك بن عبادة الغافقي، ثم انتهى إلى قوله: فثبت بما في هذين الحديثين مع ما في حديث علي رضي الله عنه أنه لا بأس بذكر الله وقراءة القرآن في حال الحدث غير الجنابة والحيض، وأن قراءة القرآن خاصة مكروهة في حال الجنابة والحيض فأردنا أن ننظر أي هذه الآثار تأخر فنجعله ناسخا لما تقدم، فنظرنا في ذلك فإذا ابن داود قد حدثنا ثم ساق عدة أحاديث انتهى منها إلى القول بأن حديث علي متأخر، فهو ناسخ لما ورد قبله من "أحاديث أبي الجهم وابن عمر وابن عباس والمهاجر، وأن الحكم في حديث علي متأخر عن الحكم الذي فيه، ثم أورد عددًا من الآثار بعضها عن ابن عباس وبعضها عن ابن عمر تؤيد رأيه في أن

ص: 167

حديث على ناسخ لغيره من الأحاديث. وقال: فهذا ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما قد رويا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يرد السلام في حال الحدث حتى يتيمم، وهما فقد قرأا القرآن في حال الحديث، ولا يجوز ذلك عندنا إلا وقد ثبت النسخ أيضًا عندهما، ثم قال: وقد تابعهما على ما ذهبا إليه من هذا قوم. ثم أورد آثارًا أخرى تشهد لما ذهبًا إليه، بعضها من عمل الصحابة، وبعضها من رواية التابعين، كل ذلك في نحو سبع صفحات من الكتاب.

ومثل هذا ما أورده المؤلف في باب وضع إحدى الرجلين على الأخري1. فقد ذكر حديثًا رواه جابر بأسانيد متعددة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كره أن يضع الرجل إحدى رجليه على الأخرى، وزاد في بعضها "وهو مضطجع"، كما ذكر حديثًا عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنه نهى أن يثني الرجل إحدى رجليه على الأخرى".

ثم قال أبو جعفر: فكره قوم وضع إحدى الرجلين على الأخرى لهذه الآثار، واحتجوا في ذلك أيضًا بما رواه الطحاوي بسنده إلى أبي وائل قال: كان الأشعث وجرير بن عبد الله وكعب قعودًا، فرفع الأشعث إحدى رجليه على الأخرى، وهو قاعد، فقال له كعب بن عجرة: ضمها فإنه لا يصلح لبشر، ثم قال: وخالفهم في ذلك آخرون فلم يروا بذلك بأسًا، واحتجوا في ذلك بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ساق حديثًا عن عباد بن تميم عن عمه قال: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم مستلقيًا في المسجد واضعًا إحدى رجليه على الأخرى، وأورد بعده ستة أحاديث مثله ثم قال: قالوا: فهذه الآثار قد جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بإباحة ما منعت منه الآثار الأول.

قال: وأما ما ذكروه مما احتجوا به من قول كعب بن عجرة، فإنه قد روى عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ذلك، ثم أورد عددًا من الآثار الدالة على أن كبار الصحابة كانوا يفعلون ذلك، ومن بينهم أبو بكر وعمر وعثمان وأسامة بن زيد وابن عمر وأنس بن مالك، ثم قال: فقد روينا عن الجلة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا مما لا يتوصل إلى تبينه من طريق النظر، فنستعمل فيه ما استعملناه في غيره من أبواب هذا الكتاب، وأخذ يستعرض الأحاديث والآثار ويقارن بعضها ببعض، وانتهى إلى احتمال نسخ أحد الأمرين للآخر. ثم قال: فلما وجدنا أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم -وهم الخلفاء الراشدون المهديون على قربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلمهم بأمره- قد فعلوا ذلك بعده بحضرة أصحابه جميعًا، وفيهم الذي حدث بالحديث الأول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكراهة فلم ينكر ذلك أحد منهم، ثم فعله عبد الله بن مسعود وابن عمر وأسامة بن زيد وأنس بن مالك رضي الله عنهم، فلم ينكر عليهم منكر ثبت بذلك أن هذا هو ما عليه أهل العلم من هذين الخبرين المرفوعين، وبطل بذلك ما حالفه لما ذكرنا وبينا.

1 شرح معاني الآثار ج ص277 وما بعدها.

ص: 168

وبعد هذا ساق الإمام الطحاوي بعض الآثار المؤيدة لهذا الذي انتهى إليه من نسخ كراهة هذا الفعل.

2-

يرفع التضاد الذي يبدو للدارس بين الآثار المتعارضة، وذلك إما بشرحها وتأويلها على معنى يوفق بينها وبين النصوص الأخرى، وإما باحتمال نسخ الأثرين للآخر، وهو -في غالب الأحيان- يؤيد وجهة نظره بما يروي من الآثار التي يستدل على ما اختاره.

فمن ذلك ما أورده في باب الذي يجامع ولا ينزل1 من حديث زيد بن خالد الجهني أنه سأل عثمان بن عفان عن الرجل يجامع فلا ينزل قال: ليس عليه إلا الطهور، ثم قال:"سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم" وأن زيدًا سأل عليًّا والزبير وطلحة وأبي بن كعب فكلهم قال ذلك، ثم روى آثارًا كثيرة بأسانيد متعددة، كلها تؤيد هذا المعنى وإن اختلفت صبغتها، كقوله صلى الله عليه وسلم:"ليس في الإكسال إلا الطهور" وقوله في الجواب عن الرجل يجامع فيكسل: "يغسل ما أصابه ويتوضأ وضوءه للصلاة" وقوله: "الماء من الماء والغسل على من أنزل" وغير ذلك من الآثار.

ثم قال أبو جعفر: فذهب قوم إلى أن من وطئ في الفرج فلم ينزل فليس عليه غسل، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار.

وخالفهم آخرون فقالوا: عليه الغسل وإن لم ينزل:

واحتجوا في ذلك بما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن الرجل يجامع فلا ينزل، فقالت:"فعلته أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم فاغتسلنا منه جميعًا" وما روي عنها أيضًا قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التقى الختانان اغتسل" وأن سعيد بن المسيب قال: ذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التقى الختانان أيوجب الغسل؟ فقال أبو موسى: أنا آتيكم بعلم ذلك، فنهض وتبعته حتى أتى عائشة رضي الله عنها فقال: يا أم المؤمنين، إني أريد أن أسألك عن شيء وأنا أستحيي أن أسألك، فقالت: سل فإنما أنا أمك. قال: إذا التقى الختانان أيجب الغسل؟ فقالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التلقى الختانان اغتسل"، وما روي أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل، هل عليه من غسل؟ -وعائشة رضي الله عنها جالسة- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إني لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل".

قالوا: فهذه الآثار تخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يغتسل إذا جامع وإن لم ينزل، فقيل لهم: هذه الآثار تخبر عن فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد يجوز أن يفعل ما ليس واجبًا عليه، والآثار الأول تخبر عما يجب وما لا يجب فهي أولى.

1 شرح معاني الآثار: ج1 ص53 وما بعدها.

ص: 169

ثم أورد حجة أهل المقالة الثانية على أهل المقالة الأولى بأن ما أوردوه من الآثار الدالة لهم إنما هي على ضربين: أحدهما: "الماء من الماء" والثاني: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا غسل على من أكسل حتى ينزل". ثم قال: "فأما ما كان من ذلك فيه ذكر الماء من الماء". والثاني: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا غسل على من أكسل حتى ينزل". ثم قال: "فأما ما كان من ذلك فيه ذكر الماء من الماء" فإن ابن عباس رضي الله عنه قد روي عنه في ذلك أن مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم به قد كان على غير ما حمله عليه أهل المقالة الأولى، وأورد الطحاوي عن ابن عباس بسنده أن ذلك كان في الاحتلام، إذا رأى أنه إذا جامع ثم لم ينزل فلا غسل عليه، قال: فهذا ابن عباس قد أخبر أن وجهه غير الوجه الذي حمله عليه أهل المقالة الأولى، فضاد قوله قولهم.

وأما ما روي فيما بين فيه الأمر وأخبر فيه بالقصد أنه لا غسل عليه في ذلك حتى يكون الماء فإن قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف ذلك، ثم روى حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا قعد بين شعبها الأربع ثم اجتهد وجب الغسل" وآثارًا أخرى مثل هذا عن عائشة رضي الله عنها وفي بعضها عبارة "ثم ألزق الختان الختان" بدلًا من "ثم اجتهد" ومن بينها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل".

قال أبو جعفر: فهذه الآثار تضاد الآثار الأول وليس في شيء منها دليل على الناسخ من ذلك ما هو؟ فنظرنا في ذلك، فإذا علي بن شيبة قد حدثنا -وذكر سنده إلى أبي بن كعب- قال أبي بن كعب:"إنما كان الماء من الماء في أول الإسلام، فلما أحكم الله الأمر نهى عنه" وأورد بإسناد آخر أن أبي بن كعب أخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل الماء من الماء رخصة في أول الإسلام، ثم نهى عن ذلك وأمر بالغسل.

وذكر الطحاوي بعد ذلك آثارًا أخرى عن بعض الصحابة تؤيد ما ورد من النسخ ثم قال فهذا أبي قد قال هذا، وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف ذلك، فلا يجوز هذا عندنا إلا وقد ثبت نسخ ذلك عنده من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر بعد ذلك من الآثار ما يدل على اتجاه كبار الصحابة إلى هذا الرأي منهم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا كان عثمان ممن روى خلافه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز ذلك إلا وقد ثبت النسخ عنده، وكذلك أبو هريرة الذي قال -عند سؤاله عما يوجب الغسل: إذا غابت المدورة. مع أنه روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ذلك قال الطحاوي فهذا أيضًا دليل على نسخ ذلك.

ثم أورد آثارًا أخرى كثيرة تؤيد النسخ وقال بعد ذلك: فقد ثبت بهذه الآثار التي رويناها صحة قول من ذهب إلى وجوب الغسل بالتقاء الختانين، فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار.

ثم قال: وأما وجهه من طريق النظر، فإنا رأيناهم لم يختلفوا أن الجماع في الفرج الذي لا إنزال معه حدث، فقال قوم: هو أغلظ الأحداث، فأوجبوا فيه أغلظ الطهارات وهو الغسل، وقال قوم: هو كأخف الأحداث، فأوجبوا فيه أخف الطهارات وهو الوضوء، ثم استعرض مسائل

ص: 170

متصلة بهذا الباب، وأخذ يبين حكمها ويقيس عليه. حتى انتهى إلى قوله: فالنظر على ذلك أن يكون الجماع بغير إنزال في حكم الأحداث أغلظ الأحداث، ويجب فيه أغلظ ما يجب في الأحداث وهو الغسل.

وساق حججًا أخرى ينتصر بها لهذا الرأي، واستوعب أكثر من ثماني صفحات من الكتاب في بيان الحكم في هذا الباب.

3-

يستنبط الأحكام في كتابه هذا من طريقين: طريق الآثار وطريق النظر، فهو يستعرض الأحاديث والآثار الدالة في الباب، وبين دلالاتها ويوازن بينها، ثم يرجح ويختار، ويسوق كثيرًا مما يؤيد ما اختاره من طريق الآثار، ثم يعقب الاستنباط عن طريق النظر بذكر مسائل أخرى مشابهة لما هو بصدده، ويذكر حكمها ويقيس عليه، ثم ينتهي أخيرًا إلى رأي أبي حنيفة وصحبه، ويذكر بعد ذلك ما يؤيد مذهبه من الأحاديث والآثار.

فمن استعماله الطريقتين ما أورده في باب الوضوء هل يجب لكل صلاة أم لا؟ 1 فيما رواه ابن بريدة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة، فلما كان الفتح صلى الصلوات بوضوء واحد" وأنه صلى الله عليه وسلم: صلى يوم فتح مكة خمس صلوات بوضوء واحد ومسح على خفيه فقال له عمر: صنعت شيئًا -يا رسول الله- لم تكن تصنعه، فقال:"عمدًا فعلته يا عمر".

وما رواه علقمة عن سليمان عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتوضأ لكل صلاة، قال الطحاوي: فذهب قوم إلى أن الحاضرين يجب عليهم أن يتوضئوا لكل صلاة، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث.

وخالفهم في ذلك أكثر العلماء، فقالوا: لا يجب الوضوء إلا من حدث.

ثم أورد حديثًا آخر يؤيد وجهة نظر المخالفين، وهو ما رواه عن جابر بن عبد الله قال:"ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى امرأة من الأنصار ومعه أصحابه، فقربت لهم شاة مصلية2 فأكل وأكلنا، ثم حانت الظهر فتوضأ وصلى، ثم رجع إلى فضل طعامه فأكل، ثم حانت العصر فصلى ولم يتوضأ".

قال أبو جعفر: ففي هذا الحديث أنه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر والعصر بوضوئه الذي كان في وقت الظهر، وقد يجوز أن يكون وضوءه لكل صلاة على ما روى ابن بريدة كان على التماس الفضل لا على الوجوب، ثم يتساءل أبو جعفر: فهل في هذا من فضل فيلتمس، ويجيب على هذا التساؤل: نعم، ويروي حديث عمر بما يفيد أنه توضأ لكل من الظهر والعصر والمغرب فسأله أبو غطيف: أي شيء هذا يا أبا عبد الرحمن؟ الوضوء عند كل صلاة؟ فقال عمر: وقد

1 شرح معاني الآثار: ج1 ص41 وما بعدها.

2 قوله: مصلية أي مشوية. كذا في هامش ج1 ص42 معاني الآثار.

ص: 171

فظنت لهذا مني! ليست بسنة، إن كان لكاف وضوئي لصلاة الصبح صلواتي كلها ما لم أحدث، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"من توضأ على طهر كتب الله له بذلك عشر حسنات" ففي ذلك رغبت يابن أخي.

قال المؤلف: فقد يجوز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما فعل ما رواه عنه ابن بريدة لإصابة هذا الفضل، لا لأن ذلك كان واجبًا عليه.

قال: وقد روي عن أنس عن مالك أيضًا ما يدل على ما ذكرنا، قال أنس: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء فتوضأ منه. فقال الراوي لأنس: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة؟ قال: نعم. قلت: فأنتم؟ قال: كنا نصلي الصلوات بوضوء.

فهذا أنس قد علم حكم ما ذكرنا من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ير ذلك فرضًا على غيره.

وقد يجوز أيضًا أن يكون كان يفعل ذلك وهو واجب ثم نسخ، فنظرنا في ذلك هل نجد شيئًا من الآثار يدل على هذا المعنى فإذا ابن أبي داود قد حدثنا. ثم ساق حديثًا يدل على ذلك النسخ، ثم استطرد بذكر أحكام للسواك في مناسبة وروده في الحديث الذي ساقه، وأورد في هذا المعنى أحاديث كثيرة انتهى منها إلى قوله: فثبت بقوله صلى الله عليه وسلم: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" أنه لم يأمرهم بذلك، وأن ذلك ليس عليهم، وأن في ارتفاع ذلك عنهم -وهو المجعول بدلًا من الوضوء لكل صلاة- دليل على أن الوضوء لكل صلاة لم يكن عليهم ولا امروا به، وأن المأمور به النبي صلى الله عليه وسلم دونهم، وأن حكمه كان في ذلك غير حكمهم.

قال: فهذا وجه هذا الباب من طريق تصحيح معاني الآثار، وقد ثبت بذلك ارتفاع وجوب الوضوء لكل صلاة.

وأما وجه ذلك من طريق النظر، فإنا رأينا الوضوء طهارة من حدث، فأردنا أن ننظر في الطهارات من الأحداث كيف حكمها؟ وما الذي ينقضها؟، فوجدنا الطهارات التي توجبها الأحداث على ضربين: فمنها الغسل، ومنها الوضوء. وأورد وجهه نظره التي انتهى منها إلى أن النظر أن يكون حكم الطهارات من سائر الأحداث أنه لا ينقضها مرور الوقت كما لا ينقض الغسل مرور الوقت.

وبعد أن ساق حجة أخرى تؤيد هذا ومسائل قاس عليها ما هو بصدده قال: وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى، وقد قال بذلك جماعة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أورد كثيرًا من الآثار التي تؤيد مذهب أبي حنيفة وصحبه رضوان الله عليهم.

ومن استعماله طريق الآثار وحده في الاستنباط وإهداره طريق النظر ما صنعه في باب صلاة العصر هل تعجل أو تؤخر1 حيث روى فيه حديث أنس بن مالك إذا يقول: "ما كان أحد أشد

1 شرح معاني الآثار: ج1 ص189 وما بعدها.

ص: 172

تعجيلًا لصلاة العصر من رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كان أبعد رجلين من الأنصار دارًا من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبو لبابة بن عبد المنذر أخو بني عمرو بن عوف، وأبو عيسى بن خير أحد بني حارثة: دار أبي لبابة بقباء، ودار أبي عبس في بني حارثة، ثم إن كانا ليصلينان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر، ثم يأتيان قومهما وما صلوها لتبكير رسول الله صلى الله عليه وسلم بها".

وبعد أن أورد هذا الحديث عن أنس بأسانيد متعددة وروايات مختلفة يستدل منها على التعجيل بصلاة العصر قال: وأما ما روى الزهري عن أنس رضي الله عنه فإنه قال: "كنا نصليها مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم نأتي العوالي والشمس مرتفعة" فقد يجوز أن تكون مرتفعة قد اصفرت، ثم قال: فقد اضطرب حديث أنس هذا لأن معنى ما روى الزهري منه بخلاف ما روى إسحاق بن عبد الله، وعاصم بن عمرو وأبو الأبيض عن أنس رضي الله عنه، ثم روى حديثًا عن غير أنس، رواه عن أبي أروى قال:"كنت أصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم العصر بالمدينة ثم آتي الشجرة ذا الحليفة قبل أن تغرب الشمس، وهي على رأس فرسخين "وفي رواية أخرى عن أبي أروى أيضًا: "كنت أصلي العصر مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم أمشي إلى ذي الخليفة فآتبهم قبل أن تغيب الشمس".

قال: وأما قوله قبل أن تغرب الشمس فقد يجوز أن يكون ذلك وقد اصفرت الشمس ولم يبق منها إلا أقل القليل، ثم روى ما يؤيد ذلك من حديث ابن مسعود قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة العصر والشمس بيضاء مرتفعة، يسير الرجل حين ينصرف منها إلى ذي الحليفة ستة أميال قبل غروب الشمس".

ثم روى عن أنس مرة أخرى: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة العصر والشمس بيضاء محلقة" روى هذا الحديث عن أنس تأييدًا لتأخير رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العصر، ثم لا يكون بين صلاته صلى الله عليه وسلم وبين المغرب إلا بمقدار ما يسير الرجل إلى ذي الحليفة، ثم روى حديثًا آخر عن أنس أنه سئل عن مواقيت الصلاة فقال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة العصر ما بين صلاتيكم هاتين" واستدل منه ومما سبقه على أنه صلى الله عليه وسلم كان يؤخرها.

ثم تساءل المؤلف كيف يتفق هذا وقد روى عن أنس رضي الله عنه حديثًا في ذم من يؤخر العصر؟ وروى حديثه في هذا، وبين أنه في التأخير المكروه الذي لا يتمكن معه مصليها من أدائها على وجهها، ولا يستطيع فيها أن يذكر الله متمكنًا قبل أن تتغير الشمس.

ثم قال: فأما صلاة يصليها متمكنًا، ويذكر الله تعالى فيها متمكنًا قبل تغير الشمس فليس ذلك من الأول في شيء.

ص: 173

ثم قال: والأولى بنا في هذه الآثار لما جاءت هذا المجيء أن نحملها ونخرج وجوهها على الاتفاق لا على الخلاف والتضاد.

وبعد أن أورد حديث عائشة رضي الله عنها بأسانيده المتعددة ورواياته التي يبدو منها تعجيل النبي صلى الله عليه وسلم لصلاة العصر، ورده على ذلك، وبعد أن أورد حديث أبي برزة الذي يقول:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العصر فيرجع الرجل إلى أقصى المدينة والشمس حية" وأجاب عنه بما سبق له الإجابة به قال: فلم نجد في هذه الآثار لما صححت وجمعت ما يدل إلا على تأخير العصر، ولم نجد شيئًا منها يدل على تعجيلها إلا قد عارضه غيره، فاستحيينا بذلك تأخير العصر، إلا أنها تصلى والشمس بيضاء، وفي وقت يبقى بعده من وقتها مدة قبل أن تغيب الشمس.

ثم قال: ولو خلينا والنظر لكان تعجيل الصلوات كلها في أوائل أوقاتها أفضل، ولكن اتباع ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما تواترت به الآثار أولى.

فقد رأينا هنا كيف أعمل الآثار في استنباط الحكم وأهمل النظر، حيث استطاع أن يحمل وجوه الآثار على الاتفاق فاستقامت دليلًا على الحكم، فلا حاجة به إذًا إلى النظر والاجتهاد، فإنه لا اجتهاد مع النص.

ومثل ذلك أيضًا ما جاء في باب الرجل يتحرك سنه هل يشدها بالذهب أم لا1. فإنه بعد أن استعرض الأحاديث والآثار الواردة في الباب، وبعد أن أورد تساؤلًا قال فيه: فإن قال قائل: فقد رأينا خاتم الفضة أبيح للرجال ومنعوا من خاتم الذهب، فقد أبيح لهم من الفضة ما لم يبح لهم من الذهب قيل لهم: قد كان النظر ما حكينا، وهو إباحة خاتم الذهب للرجال كخاتم الفضة، ولكنا منعنا من ذلك، وجاء النهي عن خاتم الذهب نصًّا، فقلنا به وتركنا له النظر، ولولا ذلك لجعلنا في الإباحة كخاتم الفضة.

4-

يعنى بسرد الأحاديث والآثار بأسانيدها دون اعتناء بالكلام على درجة الحديث أو تقويم رجاله اكتفاء بذكر الإسناد الذي انتهى به إلى هذا الأثر أو ذلك الحديث.

ولا يكون الكلام منه على درجة الحديث أو رجاله إلا عند المقارنة والترجيح بين الآثار، فإنه حينئذ يتكلم على رجال الإسناد، وعلى درحة الأحاديث، انتصارًا لفريق على فريق، واختيارًا لرأي دون رأي.

ومن ذلك ما ذكره عند الكلام على الأحاديث والآثار الواردة في باب صلاة العيدين كيف التكبير فيها2، فإنه بعد أن سرد الأحاديث الواردة في هذا الباب، والدالة على أن التكبير سبعًا في الأولى من الركعات وخمسًا في الثانية، في الأضحى وفي الفطر على السواء قال: قالوا: فهذه الآثار نقول وإليها نذهب.

1 شرح معاني الآثار: ج4 ص257.

2 شرح معاني الآثار: ج4 ص343 وما بعدها.

ص: 174

ثم قال: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: بل التكبير في العيدين تسع تكبيرات: خمسًا في الأولى وأربعًا في الآخرة، ويوالي بين القراءتين.

قال: وكان من الحجة لهم على أهل المقالة الأولى فيما احتجوا به عليهم من الآثار التي ذكرنا أن حديث عبد الله بن عمر إنما يدور على عبد الله بن عبد الرحمن وليس عندهم بالذي يحتج بروايته، ثم هو أيضًا من عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وذلك عندهم أيضًا ليس بسماع وأما حديث ابن لهيعة فبين الاضطراب مرة يحدث عن عقيل، ومرة عن خالد بن يزيد عن ابن شهاب، ومرة عن خالد بن يزيد عن عقيل، ومرة عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة رضي الله عنها، وأبي واقد رضي الله عنه. قال: وبعد، فمذهبهم في ابن لهيعة ما قد شرحناه في غير موضع من هذا الكتاب، وأما حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فإنما يدور على ما رووه عن عبد الله بن عامر، وهو عندهم ضعيف.

ثم يقول بعد سطور قليلة: فلما انتفى أن يكون في هذه الآثار شيء يدل على كيفية التكبير في العيدين لما بينا من وهائها وسقوطها نظرنا في غيرها، هل فيها ما يدل على شيء من ذلك؟ ثم ساق حديثًا قال في تقويمه: إنه حديث حسن الإسناد، وعن رجاله: إنهم أهل رواية، معروفون بصحة الرواية ليس كمن روينا عنه الآثار الأول، فإن كان هذا الباب من طريق صحة الإسناد يؤخذ، فإن هذا أولى أن يؤخذ به مما خالفه.

وبعد: فهذه بعض نماذج لما بدا لنا في هذا الكتاب عند الدراسة، عرضناها على القارئ الكريم تصويرًا لما في الكتاب من جهد مشكور، وعناية فائقة بعرض الأحاديث والآثار، واستنباط الأحكام منها بعد عرض الأدلة التي تساند كل فريق إن كان في المسألة خلاف. وترجيح أحد الرأيين أو الآراء في الأدلة، والانتصار في النهاية لمذهب أبي حنيفة الذي ارتضاه المؤلف، وسوق الأدلة بعد هذا تدعيمًا لهذا المذهب، وهو في هذا كله طويل النفس، قوي الحجة، غزير المادة، محيط بمذاهب العلماء في الخلافيات، يعرض أدلتهم ويدعم ما يراه منها موافقًا لمذهبه، ويفند ما عدا ذلك، مما يجعله بحق أستاذًا لتربية ملكة التفقه عند الدارسين، ورائدًا من الذين يعتز بهم رجال الفقه والحديث، حتى لقد نوه به علماء الرجال، ووصفوه بأنه انتهت إليه رياسة الحنفية بمصر، وقال عنه العلامة الكفوي في الطبقات بعد أن عده في الطبقة الثانية من أصحابنا: هو الشيخ الإمام جليل القدر مشهور في الآفاق ذكره الجميل مملوء في بطون الأوراق

إلى أن قال: وكان رحمه الله إمامًا في الأحاديث والأخبار، سمع الحديث من خلق كثير من الغرباء ومن المصريين. ثم قال: وكان رحمه الله عالمًا بجميع مذاهب الفقهاء.

أجزل الله الأجر للإمام أبي جعفر الطحاوي، فقد أسدى الخير للمسلمين، وقدم لهم من تراث الإسلام ما يستحق الدراسة ويستأهل التقدير، جزاه الله عن أمة الإسلام خير الجزاء.

ص: 175