المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

في طهوره وترجله وتنعله) متفق عليه. ‌ ‌{الفصل الثاني} 403- (10) عن أبي - مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح - جـ ٢

[عبيد الله الرحماني المباركفوري]

فهرس الكتاب

-

- ‌(3) كتاب الطهارة

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(1) باب ما يوجب الوضوء

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(2) باب آداب الخلاء

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(3) باب السواك

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(4) باب سنن الوضوء

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(5) باب الغسل

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(6) باب مخالطة الجنب وما يباح له

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(7) باب أحكام المياه

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(8) باب تطهير النجاسات

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(9) باب المسح على الخفين

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(10) باب التيمم

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(11) باب الغسل المسنون

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(12) باب الحيض

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(13) (باب المستحاضة)

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

-

- ‌(4) كتاب الصلاة

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(1) باب المواقيت

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(2) باب تعجيل الصلاة

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(3) باب فضائل الصلاة

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(4) باب الأذان

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(5) باب فضل الأذان وإجابة المؤذن

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(6) باب

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(7) باب المساجد ومواضع الصلاة

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(8) باب الستر

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(9) باب السترة

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

الفصل: في طهوره وترجله وتنعله) متفق عليه. ‌ ‌{الفصل الثاني} 403- (10) عن أبي

في طهوره وترجله وتنعله) متفق عليه.

{الفصل الثاني}

403-

(10) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا لبستم وإذا توضأتم، فابدؤا بأيامنكم)) رواه أحمد وأبوداود.

ــ

الشأن ما كان فعلاً مقصوداً، وما يستحب فيه التياسر ليس من الأفعال المقصودة، بل هي إما تروك وإما أفعال غير مقصودة (في طهوره) بضم الطاء أي تطهره (وترجله) أي تمشيط الشعر بالماء أو بالدهن من اللحية والرأس (وتنعله) أي لبسه النعل، وقوله (في طهوره) الخ. بدل من (في شأنه) بإعادة العامل بدل البعض من الكل، فيكون تخصيصاً بعد تعميم، وخص هذه الثلاثة بالذكر اهتماماً بها وبياناً لشرفها، ولا مانع أن يكون بدل الكل من الكل، إذ الطهور مفتاح أبواب العبادات فبذكره يستغنى عنها، والترجل يتعلق بالرأس، والتنعل بالرجل، وأحوال الإنسان إما أن تتعلق بجهة الفوق، أو بجهة التحت، أو بالأطراف، فجاء لكل منها بمثال قاله العيني. والحديث دليل على استحباب البداءة بشق الرأس الأيمن في الترجل، والغسل، والحلق، وبالميامن في الوضوء والغسل، والأكل، والشرب، وغير ذلك. قال النووي: قاعدة الشرع المستمرة استحباب البداءة باليمين في كل ما كان من باب التكريم والتزيين، وما كان بضدها استحب فيه التياسر. والكلام في تقديم اليمين في الوضوء يأتي في شرح حديث أبي هريرة الذي يتلوه (متفق عليه) واللفظ للبخاري في باب التيمن في دخول المسجد وغيره من كتاب الصلاة، وأخرجه أيضاً في الطهارة، والأطعمة، واللباس، وأخرج مسلم في الطهارة معناه، وأخرجه أيضاً الترمذي في آخر الصلاة، والنسائي في الطهارة، وفي الزينة، وأبوداود في اللباس، وابن ماجه في الطهارة.

403-

قوله: (إذا لبستم) أي قميصاً أو سراويل أو نعلاً أو خفاً ونحوها يعني أردتم اللبس (وإذا توضأتم) أي أردتم التطهر بالوضوء أو الغسل (فابدؤوا بأيامنكم) جمع الأيمن وهو بمعنى اليمين، وفي رواية (بميامنكم) جمع الميمنة، ولا فرق بين اللفظين في العربية، والأمر محمول على الندب كما يدل عليه حديث:"كان يحب التيمن"، وكذلك اقتران الوضوء بالتيامن في اللبس المجمع على عدم وجوبه في حديث أبي هريرة هذا يصلح أن يكون قرينة لصرف الأمر إلى الندب، ودلالة الاقتران وإن كانت ضعيفة ولكنها لا تقصر عن الصلاحية للصرف، لاسيما مع اعتضادها بقول علي رضي الله عنه وفعله. أخرجه الدارقطني من طرق، وبدعوى الإجماع على عدم الوجوب. قال النووي: أجمع العلماء - أي أهل السنة - على أن تقديم اليمين على اليسار من اليدين والرجلين في الوضوء سنة، لو خالفها فاته الفضل، وصح وضوئه، ولا اعتداد بخلاف الشيعة (رواه أحمد وأبوداود) في اللباس وسكت عنه، وأخرجه أيضاً ابن ماجه في الطهارة، وابن خزيمة، لكن ليس

ص: 105

404-

(11) وعن سعيد بن زيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه))

ــ

في روايتهما إذا لبستم، وابن حبان والبيهقي كلهم من طريق زهير، عن الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال ابن دقيق العيد: هو حقيق بأن يصح. وللنسائي، والترمذي من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا لبس قميصاً بدأ بميامنه.

404-

قوله: (وعن سعيد بن زيد) هو سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي القرشي أبوالأعور، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، والمهاجرين الأولين. قال المصنف: أسلم قديماً، وشهد المشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم غير بدر، فإنه كان مع طلحة بن عبيد الله يطلبان خبر عير قريش وضرب له النبي صلى الله عليه وسلم بسهم، وكانت فاطمة أخت عمر بن الخطاب تحته، وبسببها كان إسلام عمر، كان آدم طوالاً أشعر. له ثمانية وثلاثون حديثاً، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بحديث، وروى عنه جماعة. مات بالعقيق فحمل إلى المدينة، ودفن بالبقيع سنة (51) وقيل (50) وله بضع وسبعون سنة. (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) أي لا يصح الوضوء ولا يوجد شرعاً إلا بالتسمية، إذ الأصل في النفي الحقيقة، ونفى الصحة أقرب إلى الذات، وأكثر لزوماً للحقيقة فيستلزم عدمها عدم الذات، وما ليس بصحيح لا يجزئ ولا يعتد به فالحديث نص على افتراض التسمية عند ابتداء الوضوء، وإليه ذهب أحمد في رواية، وهو قول أهل الظاهر. وذهبت الشافعية، والحنفية، ومن وافقهم إلى أن التسمية سنة فقط، واختار ابن الهمام من الحنفية وجوبها، وقال الشاه ولي الله الدهلوي في حجة الله البالغة: هو أي الحديث نص على أن التسمية ركن أو شرط، ويحتمل أن يكون المعنى لا يكمل الوضوء، لكن لا أرتضى بمثل هذا التأويل، فإنه من التأويل البعيد الذي يعود بالمخالفة على اللفظ انتهى. قلت: ويبعده أيضاً القرآن بقوله: لا صلاة لمن لا وضوء له، وفي بعض الروايات، ويبعده أيضاً أن الحمل على نفى الكمال مجاز، ولا يصار إليه إلا عند تعذر الحقيقة، وقيام القرينة على إرادة المجاز وهو منتف ههنا. وحديث "من توضأ وذكر اسم الله عليه كان طهورا لجميع بدنه، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه كان طهوراً لأعضاء وضوئه" ضعيف جداً، أخرجه الدارقطني والبيهقي مرفوعاً من حديث ابن عمر، وفيه أبوبكر الداهري عبد الله بن الحكم، وهو متروك ومنسوب إلى الوضع. وأخرجاه أيضاً من حديث أبي هريرة، وفيه مرداس بن محمد بن عبد الله بن أبان عن أبيه، وهما ضعيفان، وأخرجاه أيضاً من حديث ابن مسعود، وفيه يحيى بن هشام السمسار، وهو متروك والحاصل أن هذا الحديث لا يصلح لشدة وهنه أن يكون قرينة لتوجه ذلك النفي إلى الكمال، لا يقال: إنه تعاضد لكثرة طرقه، واكتسب قوة، لأن هذا إنما يفيد إذا كان الضعف في طرق الحديث يسيراً، وأما إذا اشتد الضعف والوهن كما هنا فلا يكتسب الحديث بكثرة طرقه إلا ضعفاً، وأما ما صرح به ابن سيد الناس في شرح الترمذي من أنه قد روى في بعض الروايات:"لا وضوء كاملاً" وقد استدل به الرافعي ففيه انه قال الحافظ: لم أره هكذا- انتهى. وتفوه بعض الحنفية أن قول الحافظ: "لم أره" ليس بحجة على من رآه من المتقدمين. قلت: لا يكفى للاحتجاج على المطلوب راوية أحد كائناً من كان ما لم يعلم كونه حسناً أو صحيحاً، ولم يعلم حال هذه الزيادة، ولم تثبت من وجه معتبر إلى الآن، ولا يمكن لهذا البعض المتفوه ولا لغيره من

ص: 106

رواه الترمذي، وابن ماجه.

405-

(12) ورواه أحمد، وأبوداود عن أبي هريرة.

406-

(13) والدارمي عن أبي سعيد الخدري،

ــ

القائلين بعدم الوجوب أن يثبتوا هذه الزيادة من وجه معتبر، ولو كان بعضهم لبعضٍ ظهيراً، فلا تغنى روية ابن سيد الناس هذه الزيادة عن شيء، وقال بعض الحنفية: حمل الرواية على حقيقة معناها الظاهر يوجب تخصيص الآية الذي هو في حكم النسخ، وليس ذلك إلى خبر الواحد- انتهى. قلت: حاصل هذا الجواب أن حمل الحديث على معناه الحقيقي الظاهر، وجعل التسمية في ابتداء الوضوء فرضاً أي شرطاً زيادة على آية الوضوء بخبر الواحد، في رتبة الشرطية، والزيادة على النص القطعي في مرتبة الركنية أو الشرطية بأخبار الآحاد لا تجوز، لأنها نسخ ونسخ النص القطعي بخبر الواحد لا يجوز. وفيه أن ذلك ليس بنسخ، لأن النسخ رفع حكم شرعي ثابت بالخطاب، ولم يرتفع ههنا حكم على أن الزيادة بخبر الواحد على النص القطعي في مرتبة الوجوب أو الاستحباب تجوز عند الحنفية فكأنها ليست بزيادة عندهم، فيلزمهم أن يقولوا بوجوب التسمية، كما قال به ابن الهمام، وكما ذهب جمهورهم إلى تعين الفاتحة وجوباً، على أن حديث التسمية أصح وأقوى وأشهر من حديث الوضوء بالنبيذ، والزيادة بالحديث المشهور على القطعي تجوز عند الحنفية فتأمل. والمراد بقوله:(لم يذكر اسم الله عليه)، أي لم يقل: بسم الله على وضوئه، لقوله في قصة الإناء الذي وضع فيه يده:(توضؤوا بسم الله) . ولقوله: (يا أبا هريرة! إذا توضأت فقل بسم الله والحمد لله)، أخرجه الطبراني في الأوسط (رواه الترمذي وابن ماجه) وزاد هو في أوله:(لا صلاة لمن لا وضوء له) ، وأخرجه أيضاً أحمد والبزار والدارقطني والعقيلي والحاكم والبيهقي كلهم من طريق أبي ثفال المرى وهو مقبول قاله الحافظ، وذكره ابن حبان في الثقات عن رباح بن عبد الرحمن، وهو أيضاً مقبول، ذكره ابن حبان في ثقات أتباع التابعين عن جدته أسماء، قال الحافظ في التلخيص: قد ذكرت الصحابة، وإن لم يثبت لها صحبة، فمثلها لا يسئل عن حالها عن أبيها سعيد بن زيد بن عمرو، قال الترمذي: قال محمد يعني البخاري: أحسن شيء في هذا الباب حديث رباح بن عبد الرحمن.

405-

قوله: (ورواه أحمد وأبوداود عن أبي هريرة) وأخرجه أيضاً الترمذي في العلل، وابن ماجه، والدارقطني وابن السكن والطبراني والبيهقي والحاكم، وقال: صحيح الإسناد. قال المنذري: وليس كما قال، فإنهم رووه عن يعقوب بن سلمة الليثي عن أبيه عن أبي هريرة، وقد قال البخاري وغيره: لا يعرف لسلمة سماع من أبي هريرة ولا ليعقوب سماع من أبيه- انتهى. وأبوه سلمة أيضاً لا يعرف ما روى عنه غير ابنه يعقوب، فأين شروط الصحة؟ وقد أطال الحافظ الكلام عليه في التلخيص (ص26) فارجع إليه.

406-

قوله: (والدارمي عن أبي سعيد الخدري) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي في العلل وابن ماجه وابن عدي

ص: 107

عن أبيه، وزادوا في أوله:(لا صلاة لمن لا وضوء له) .

407-

(14) وعن لقيط بن صبرة، قال: قلت يا رسول الله! أخبرني عن الوضوء. قال: ((أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق،

ــ

وابن السكن والبزار والدارقطني والحاكم والبيهقي من طريق كثير بن زيد الأسلمي وهو صدوق يخطئ، صالح الحديث عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، وهو مقبول، قاله الحافظ عن أبيه عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، وهو ثقة. قال أحمد بن حنبل: إنه أحسن شيء في هذا الباب، وقال أيضاً: أقوى شيء فيه حديث كثير بن زيد عن ربيح. وقال إسحاق بن راهويه: هو أصح ما في الباب. وقال في الزوائد على ابن ماجه: هذا حديث حسن (عن أبيه) هذا من أوهام المصنف لأن الراوي للحديث هو أبوسعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري لا أبوه مالك بن سنان (وزادوا) أي أحمد وأبوداود والدارمي، وهذا أيضاً من أوهامه فإن هذه الزيادة ليست للدارمي، ففي عبارة المصنف ههنا سهوان أحدهما في الإسناد، وهو زيادة (عن أبيه) بعد قوله:(أبي سعيد الخدري) والثاني أن زيادة (لا صلاة لمن لا وضوء له) ليست للدارمي، خلاف ما يفهم من قوله، وزادوا في أوله، واعلم أنه ورد في الباب أحاديث كثيرة لا يخلو واحد منها عن مقال، لكنها تعاضدت بكثرة طرقها، قال المنذري في الترغيب: لا شك أن الأحاديث التي وردت فيها وإن كان لا يسلم شيء منها عن مقال، فإنها تتعاضد بكثرة طرقها، وتكتسب قوة- انتهى. وقال الحافظ: الظاهر أن مجموع الأحاديث يحدث منها قوة تدل على أن له أصلاً، وقال أبوبكر بن أبي شيبة: ثبت لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله، وقال ابن سيد الناس في شرح الترمذي: ولا يخلو هذا الباب من حسن صريح، وصحيح غير صريح، وقال ابن كثير في الإرشاد وقد روى من طرق يشد بعضها بعضاً فهو حديث حسن أو صحيح، وقال ابن الصلاح: يثبت بمجموعها ما يثبت بالحديث الحسن.

407-

قوله: (وعن لقيط) بفتح اللام وكسر القاف وبالطاء المهملة (بن صبرة) بفتح المهملة وكسر الموحدة، هو لقيط بن عامر بن صبرة أبورزين العقيلي، صحابي مشهور، له أربعة وعشرين حديثاً، جعلهما واحداً ابن عبد البر وعبد الغني بن سعيد وابن معين، وحكى ذلك الأثرم عن أحمد، وإليه نحا البخاري وجمعه ابن حبان وابن السكن، وقال ابن المديني وخليفة خياط وابن أبي خيثمة وابن سعد ومسلم والترمذي وابن قانع والبغوي والدارمي وجماعة: إن لقيط بن صبرة غير لقيط بن عامر بن صبرة. (أسبغ الوضوء) أي أبلغه مواضعه، وأوف كل عضو حقه، وقيل: أي أكمله، وبالغ فيه بالزيادة على المفروض كمية وكيفية بالتثليث، والدلك، وتطويل الغرة، وغير ذلك (وخلل بين الأصابع) أي أوصل الماء إلى ما بين أصابع اليدين والرجلين بالتخليل. وفيه دليل على وجوب التخليل بين أصابع اليدين والرجلين مطلقاً من غير فرق بين إمكان وصول الماء بدون تخليل وعدمه (وبالغ في الاستنشاق) بإيصال الماء إلى باطن الأنف. وفي رواية الدولابي (وبالغ في المضمضمة والاستنشاق) وفي رواية لأبي داود: وإذا توضأت فمضمض،

ص: 108

إلا أن تكون صائماً)) . رواه أبوداود، والترمذي، والنسائي وروى ابن ماجه، والدارمي إلى قوله:((بين الأصابع)) .

408-

(15) وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا توضأت فخلل بين أصابع يديك ورجليك)) . رواه الترمذي. وروى ابن ماجه نحوه. وقال الترمذي: هذا حديث غريب.

409-

(16) وعن المستورد

ــ

وفيه دليل على وجوب الاستنشاق والمضمضة، والاقتصار على ذكر هذه الخصال مع أن السؤال كان عن الوضوء إما من الرواة بسبب أن الحاجة دعتهم إلى نقل بعض، والنبي صلى الله عليه وسلم بين كيفية الوضوء بتمامها، أو من النبي صلى الله عليه وسلم بناء على أنه علم أن مقصد السائل البحث عن هذه الخصال، وإن أطلق لفظه في السؤال، إما بقرينة حال، أو وحى، أو إلهام. وقال في التوسط: اقتصر في الجواب علماً منه أن السائل لم يسأله عن ظاهر الوضوء، بل عما خفى من باطن الفم والأنف والأصابع، فإن الخطاب (بأسبغ) إنما يتوجه نحو من علم صفته- انتهى (إلا أن تكون صائماً) فلا تبالغ لئلا يصل إلى باطنه، ولئلا ينزل إلى حلقه، ما يفطره، وكذا حكم المضمضة (رواه أبوداود) في الطهارة، وفي الصيام وفي الحروف، مطولاً ومختصراً، وسكت عنه، ونقل المنذري تصحيح الترمذي، وأقره (والترمذي) في الطهارة وفي الصيام مختصراً وصححه (والنسائي) في الطهارة مختصراً (وروى ابن ماجه والدارمي إلى قوله: بين الأصابع) أي بدون قوله: وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً وهذا وهم من المصنف، لأن ابن ماجه رواه أولاً في باب المبالغة في الاستنشاق مثل رواية الكتاب، إلا أنه ليس فيه قوله:(وخلل بين الأصابع) . ثم رواه في باب تخليل الأصابع بلفظ أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع. وليس فيه ذكر المبالغة في الاستنشاق. والحديث أخرجه أيضاً الشافعي وأحمد وابن الجارود وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه، والبيهقي مطولاً ومختصراً. ورواه الحافظ في الإصابة (ج3: ص329) وقال: هذا حديث صحيح. وصححه أيضاً البغوي وابن القطان. وقال النووي: حديث لقيط بن صبرة أسانيده صحيحة.

408-

قوله: (إذا توضأت) أي شرعت في الوضوء أو غسلت أعضاء الوضوء (فخلل بين أصابع يديك ورجليك) فيه حجة على من قيد التخليل وخصه بأصابع الرجلين (رواه الترمذي) الخ وأخرجه أيضاً أحمد والحاكم (وقال الترمذي: هذا حديث غريب) وفي نسخ الترمذي المصححة الموجودة عندنا"حديث حسن غريب" والحديث في إسناده صالح مولى التوأمة، وقد اختلط في آخر عمره، ولكن موسى بن عقبة راوي الحديث سمع منه قبل أن يختلط، ولذلك حسنه الترمذي، وحسنه البخاري أيضاً كما نقل الحافظ في التلخيص (ص34) .

409-

قوله: (وعن المستورد) بضم الميم وسكون السين المهملة وفتح التاء المثناة وبكسر الراء وبالدال المهملة

ص: 109

بن شداد، قال:((رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بخنصره)) . رواه الترمذي، وأبوداود، وابن ماجه.

410-

(17) وعن أنس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ أخذ كفاً من ماء فأدخله تحت حنكه، فخلل به لحيته، وقال: هكذا أمرني ربي) .

ــ

(بن شداد) بن عمرو القرشي الفهري الحجازي، سكن الكوفة، له ولأبيه صحبة. قال الخزرجي: له سبعة أحاديث، انفرد له مسلم بحديثين، شهد فتح مصر، ومات بالإسكندرية سنة (45) روى عنه جماعة. (يدلك) أي: يخلل كما في رواية أحمد (ج4: ص229)(بخنصره) أي بخنصر يده اليسرى لأنها أليق به (رواه الترمذي) وقال: هذا حديث حسن غريب، كما في بعض نسخ الترمذي المصححة المعتمدة (وأبوداود) وسكت عنه (وابن ماجه) وأخرجه أيضاً أحمد، وابن عبد الحكم في فتوح مصر (ص261) طبعه ليدن. كلهم من طريق ابن لهيعة، وقد صرح الترمذي بانفراده ولكنه ليس كذلك، فقد قال الحافظ في التلخيص (ص34) : تابعه الليث بن سعد، وعمرو بن الحارث وأخرجه البيهقي، وأبوبشر الدولابي، والدارقطني في غرائب مالك من طريق ابن وهب عن الثلاثة، وصححه ابن القطان، انتهى. وفي الباب أحاديث أخرى ذكرها الشوكاني في النيل (ج1:ص149) .

410-

قوله: (أخذ كفاً من ماء) أي عند غسل الوجه، قال المناوي: مقتضى الحديث أنه كان يخلل لحيته بكف واحد، لكن في رواية لابن عدي "خلل لحيته بكفيه"(فأدخله) أي بيمينه (تحت حنكه) الحنك بفتح الحاء المهملة والنون، أعلى باطن الفم والأسفل من طرف مقدم اللحيين، وتحت الحنك تحت الذقن (فخلل به لحيته) قال القاري: أي: أدخل كفاً من ماء تحت لحيته من جهة حلقه فخلل به لحيته ليصل الماء إليها من كل جانب، وكان عند غسل الوجه لأنه من تمامه لا بعد فراغه كما توهم (وقال) لمن حضره (هكذا أمرني ربي) أي أمرني بتخليل اللحية بالوحى الخفى، أو بواسطة جبريل. وفيه وفي حديث عثمان الذي يتلوه دليل على مشروعية تخليل اللحية، واختلف في ذلك اختلافاً كثيراً حتى للحنفية وحدهم فيه ثمانية أقوال كما في رد المختار، والراجح عندي أنه يجب في غسل الجنابة غسل جميع اللحية أي ما يلاقي البشرة منها، وما يسترسل، ويلزم إيصال الماء إلى باطنها خفيفة كانت أو كثة، لقوله صلى الله عليه وسلم:"تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وأنقوا البشر". وأما الوضوء فلا يجب فيه غسلها وإيصال الماء إلى باطنها وتخليلها مطلقاً لا ما يلاقي البشرة أي الشعر المقابل المماس للخدين والذقن، ولا المسترسل أي الشعر الخارج عن دائرة الوجه، بل يسن تخليلها ومسحها، وذلك لما رواه البخاري عن ابن عباس في صفة الوضوء "ثم أخذ غرفة من ماء فجعل بها هكذا" أضافها إلى يده الأخرى فغسل بها وجهه، قال الشوكاني: لا شك أن الغرفة الواحدة لا تكفي كث اللحية لغسل وجهه وتخليل لحيته، ودفع ذلك كما قال بعضهم بالوجدان

ص: 110

رواه أبوداود.

411-

(18) وعن عثمان رضي الله عنه: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخلل لحيته)) . رواه الترمذي، والدارمي.

412-

(19) وعن أبي حية، قال: رأيت علياً توضأ فغسل كفيه

ــ

مكابرة منه انتهى. وأما الخفيفة التي ترى بشرتها فيجب إيصال الماء إلى ما تحتها، هذا ما عندي، والله أعلم. واستدل بعضهم على الوجوب بما في حديث أنس من قوله صلى الله عليه وسلم:(هكذا أمرني ربي) . وفيه أنه حديث ضعيف لا يصلح مثله للاستدلال على إيجاب شيء، ولو سلم صلاحيته للاستدلال وانتهاضه للاحتجاج ما أفاد الوجوب على الأمة لظهوره في الاختصاص به، وهو يتخرج على الخلاف المشهور في الأصول هل يعم الأمة ما كان ظاهر الاختصاص به صلى الله عليه وسلم أم لا؟ والفرائض لا تثبت إلا بيقين، نعم! الاحتياط والأخذ بالأوثق لا شك في أولويته. وأما أحاديث الباب الأخرى مما ذكره الزيلعي والحافظ فهي لا تدل على الوجوب لأنها أفعال (رواه أبوداود) وفي سنده الوليد بن زوران، قال الحافظ في التقريب: لين الحديث. وقال الآجري عن أبي داود: لا ندري سمع من أنس أو لا. وقال الذهبي في الميزان: ماذا بحجة مع أن ابن حبان وثقه انتهى. قال الحافظ في التلخيص (ص31) : وله طرق أخرى عن أنس ضعيفة ثم ذكر بعضها مع الكلام عليها.

411-

قوله: (كان يخلل لحيته) أي: يدخل يده في خللها وهي الفروج التي بين الشعر، ومنه فلان خليل فلان أي يخالل حبه فروج جسمه حتى يبلغ إلى قلبه، ومنه الخلال (رواه الترمذي والدارمي) وأخرجه أيضاً ابن ماجه، وابن الجارود في المنتقي، والدارقطني وابن حبان والحاكم، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقال في علله الكبير: قال محمد بن إسماعيل يعني البخاري: أصح شيء في التخليل حديث عثمان، وهو حديث حسن. وقال الزيلعي: أمثل أحاديث تخليل اللحية حديث عثمان. ونقل الحافظ في التهذيب (ج5: ص69) تصحيحه عن ابن خزيمة، وابن حبان. وقال الحاكم صحيح الإسناد: وقد احتجا يعني البخاري، ومسلماً بجميع رواته غير عامر بن شقيق، قال: ولا أعلم في عامر طعناً بوجه من الوجوه. وتعقبه الذهبي في مختصره، وقال إن عامر بن شقيق ضعفه ابن معين، وكذا قال تقي الدين. وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في الثقات. وللحديث شواهد ذكرها الزيلعي في نصب الراية (ج1:ص26،24) والحافظ في التلخيص (ص31) والهيثمي في مجمع الزوائد (ج1:ص335) وهي بمجموعها تصلح للاحتجاج على استحباب تخليل اللحية في الوضوء، قال شيخنا في شرح الترمذي: وهذا هو الحق.

412-

قوله: (عن أبي حية) بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء المثناه التحتية، هو ابن قيس الوادعي الهمداني الخارفي ولا يعرف اسمه، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن القطان: وثقة بعضهم، وصحح حديثه ابن السكن وغيره. وقال ابن الجارود في الكنى: وثقة ابن نمير (توضأ فغسل كفيه) أي شرع في الوضوء، أو أراده، فالفاء للتعقيب، أو لتفصيل

ص: 111

حتى أنقاهما، ثم مضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وذراعيه ثلاثاً، ومسح برأسه مرة، ثم غسل قدميه إلى الكعبين، ثم قام فأخذ فضل طهوره فشربه وهو قائم، ثم قال: أحببت أن أريكم كيف كان طهور رسول الله صلى الله عليه وسلم)) .رواه الترمذي، والنسائي.

413-

(20) وعن عبد خير، قال: ((نحن جلوس ننظر إلى على حين توضأ، فادخل يده اليمنى فملأ فمه، فمضمض واستنشق، ونثر بيده اليسرى، فعل هذا ثلاث مرات، ثم قال: من سره أن ينظر إلى طهور رسول الله صلى الله عليه وسلم،

ــ

ما أجمل في قوله: توضأ، وتفسيره. والمراد بالكفين اليدان إلى الرسغين (حتى أنقاهما) أي أزال الوسخ عنهما، وقد جاء التصريح بالتثليث في الروايات الأخرى (ثم مضمض ثلاثاً واستنشق ثلاثاً) قال القاري: ظاهره الفصل المطابق لمذهبنا، قلت: بل هو محتمل، فإنه يحتمل أن يكون معناه أنه مضمض ثلاثاً بثلاث غرفات، ثم استنشق ثلاثاً بثلاث غرفات أخرى. ويحتمل أن يكون معناه أنه مضمض واستنشق بغرفة، ثم فعل هكذا في الثانية والثالثة. والمحتمل لا يقوم به حجة، أو يرد هذا المحتمل إلى الأحاديث المحكمة الصحيحة الصريحة في الوصل توفيقاً بين الدليلين (وذراعيه) أي يديه من رؤس الأصابع إلى المرفقين (ومسح برأسه مرة) فيه حجة للجمهور خلافاً للشافعي (ثم غسل قدميه) أي ثلاثاً ثلاثاً كما في رواية عبدخير عن علي عند أبي داود، والنسائي. وفيه رد على الشيعة (فضل طهوره) بفتح الطاء أي بقية مائه الذي توضأ به (فشربه وهو قائم) قال بعض العلماء: إن الشرب قائماً مخصوص بفضل الوضوء بهذا الحديث، وبماء زمزم لما جاء فيه أيضاً، وفي غيرهما لا ينبغي الشرب قائماً للنهى. والحق أنه جاء في غيرهما أيضاً، فالوجه أن النهي للتنزيه، وما جاء من الرخصة فهو لبيان الجواز (أحببت أن أريكم) بصيغة المتكلم من الإراءة (كيف كان طهور رسول الله صلى الله عليه وسلم) بضم الطاء أي وضوئه وطهارته (رواه الترمذي) وقال: حديث حسن صحيح (والنسائي) وأخرجه أيضاً أبوداود، وابن ماجه مختصراً.

413-

(وعن عبدخير) ضد شر، هو عبدخير بن يزيد الهمداني أبوعمارة الكوفي، أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه لم يلقه، وصحب علياً، وهو من كبار أصحابه، ثقة مأمون، سكن الكوفة، ويقال: أتى عليه مائه وعشرون سنة. قال الحافظ في التقريب: مخضرم ثقة من كبار التابعين، ولم يصح له صحبة (نحن جلوس) أي جالسون (ننظر إلى على حين توضأ) لنأخذ العلم من بابه (فأدخل يده اليمنى) أي في الإناء، فأخذ بها الماء (ونثر) أي أخرج الماء، والمخاط، والأذى من الأنف (فعل هذا) أي المذكور من المضمضة والاستنشاق، وهذا ظاهر في الوصل (من سره) أي جعله مسروراً، أو

ص: 112

فهذا طهوره)) . رواه الدارمي.

414-

(21) وعن عبد الله بن زيد، قال:((رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مضمض واستنشق من كف واحد، فعل ذلك ثلاثاً)) . رواه أبوداود، والترمذي.

415-

(22) وعن ابن عباس، ((أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه، وأذنيه، باطنهما بالسباحتين، وظاهرهما بإبهاميه)) . رواه النسائي.

ــ

أحب (فهذا طهوره) أي نحو وضوءه صلى الله عليه وسلم، والإشارة إلى تمام ما فعله من الوضوء، والاقتصار من الراوي (رواه الدارمي) وأخرجه أيضاً أحمد والنسائي. ولحديث علي في صفة الوضوء طرق عنه عند الترمذي، وأبي داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان، البزار، ذكرها وجمعها الحافظ في التلخيص (ص28-29) .

414-

قوله: (عن عبد الله بن زيد) أي ابن عاصم المازني، لا ابن عبد ربه الذي رأى النداء كما توهم الطيبي وقلده فيه القاري، لأن الراوي لصفة الوضوء هو عبد الله بن زيد بن عصام المازني، ومنشأ توهم الطيبي رواية سفيان بن عيينة عند النسائي، فإنه أخرج حديث صفة الوضوء من رواية عبد الله بن زيد بن عبدربه، وهذا وهم من ابن عيينة، خطأه في ذلك البخاري وغيره (مضمض واستنشق من كف واحد) كذا بالتذكير في طبعات الهند وفي نسخة القاري، وهكذا في جامع الترمذي، وفي بعض نسخ أبي داوود، ووقع في نسخة الألباني بالتأنيث وكذا في أكثر نسخ أبي داود. وهذا الحديث صريح في الجمع بين المضمضة والاستنشاق في كل مرة؛ بأن يكون بثلاث غرفات يتمضمض ويستنشق من كل واحدة منها (فعل ذلك) أي الجمع بين المضمضة والاستنشاق (رواه أبوداود والترمذي) وأصله عند الشيخين، وقد ذكره المؤلف في الفصل الأول.

415-

قوله: (مسح برأسه وأذنيه) فيه دليل على أن وظيفة الأذنين المسح مع الرأس، وظاهره أنه مسحهما بماء رأسه. وفي رواية ابن حبان "غرف غرفةً فمسح برأسه وأذنيه داخلهما بالسبابتين، وخالف بإبهاميه إلى ظاهر أذنيه، فمسح ظاهرهما وباطنهما". ذكرها الحافظ في التلخيص، وقال: صححها ابن خزيمة، وابن مندة. وفيه، وفي حديث الربيع الآتي بيان كيفية مسح الأذنين (باطنهما) بالجر على البدلية من لفظ أذنيه، والنصب بدل من محله، والمراد بالباطن الجانب الذي فيه الصماخ أي الثقب (بالسباحتين) السباحة والمسبحة الإصبع التي تلي الأبهام، سميت بذلك لأنها يشار بها عند التسبيح، وهذا اسم إسلامي وضعوها مكان السبابة لما فيه من الدلالة على المعنى المكروه، وهو أن الجاهلية كانوا يسبون الناس ويشيرون بها إليهم (وظاهرهما) بالوجهين وهو الطرف الذي يلي الرأس ويلتصق به (رواه النسائي) وأخرجه أيضاً الترمذي وابن ماجه والحاكم والبيهقي بألفاظ متقاربة، وصححه الترمذي وابن خزيمة وابن مندة.

ص: 113

416-

(23) وعن الربيع بنت معوّذ: ((أنها رأت النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ، قالت فمسح رأسه ما أقبل منه وما أدبر، وصدغيه، وأذنيه مرة واحدة. وفي رواية، أنه توضأ فأدخل إصبعيه في جحري أذنيه)) . رواه أبوداود. وروى الترمذي الرواية الأولى، وأحمد وابن ماجة الثانية.

417-

(24) وعن عبد الله بن زيد: ((أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم توضأ، وأنه مسح رأسه بماء غير فضل يديه)) .

ــ

416-

قوله: (وعن الربيع) بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد التحتية المكسورة (بنت معوّذ) اسم فاعل من التعويذ، هي الربيع بنت معوّذ بن عفراء، وعفراء أم معوّذ، وأبوه الحارث بن رفاعة بن الحارث بن سواد، أنصارية نجارية صحابية من المبايعات تحت الشجرة. قال ابن عبد البر: لها قدر عظيم، وكانت ربما غزت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. لها أحد وعشرون حديثاً، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بحديثين، روى عنها جماعة (ما أقبل منه) أي: من الرأس، وما موصولة (وما أدبر) عطف عليه، وهما بدل من رأسه، يعني مسح من مقدم الرأس إلى منتهاه ثم رد يديه من مؤخرة الرأس إلى مقدمه (وصدغيه وأذنيه) معطوف على رأسه، والصدغ بضم الصاد وسكون الدال، الموضع الذي بين العين والأذن، والشعر المتدلى على ذلك الموضع (مرة واحدة) متعلق بمسح، فيكون قيداً في الإقبال والإدبار وما بعد هما، فباعتبار الإقبال يكون مرة، وباعتبار الإدبار مرة أخرى، وهو مسح واحد. والحديث يدل على مشروعية مسح الصدغ والأذن، وأن مسحهما مع الرأس، وأنه مرة واحدة (فأدخل إصبعيه) أي عند مسح الرأس وبعده (في جحري أذنيه) بتقديم الجيم المضمومة تثنية جحر وهو الثقب والخرق يعني صماخهما (رواه أبوداود) أي الروايتين كلتيهما (وروى الترمذي) الخ. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وسكت عنه أبوداود، ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره. وقيل: في تصحيحه نظر، لأن في سنده عبد الله بن محمد بن عقيل، وفيه مقال. قال الشوكاني: ولحديث الربيع روايات في صفة الوضوء وألفاظ، مدار الكل على عبد الله بن محمد بن عقيل، وفيه مقالٌ مشهورٌ لاسيما إذا عنعن، وقد فعل ذلك في جميعها-انتهى. قلت: هو مدلس كما صرح به الحافظ في طبقات المدلسين، لكن قد احتج بحديثه أحمد، وإسحق، والحميدي. وقال البخاري: هو مقارب الحديث. وقال الذهبي: حديثه في مرتبة الحسن، فالظاهر أن حديث الربيع هذا حسن.

417-

قوله: (بماء غير فضل يديه) أي بماء جديد لا ببقية من ماء يديه، أي: أخذ لمسح الرأس ماء جديداً ولم يقتصر على البلل الذي بيديه. قال النووي: لا يستدل بهذا على أن الماء المستعمل لا تصح الطهارة به، لأن هذا إخبار عن الإتيان بماء جديد للرأس، ولا يلزم من ذلك اشتراطه - انتهى. وروى أبوداود من حديث سفيان بن سعيد أي الثوري، عن ابن عقيل، عن الربيع بنت معوذ: أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه من فضل ماء كان في يده. وقد احتج به من رأى طهورية الماء المستعمل، وتأوله البيهقي على أنه أخذ ماء جديداً وصب نصفه، ومسح ببلل يده، ليوافق حديث

ص: 114

رواه الترمذي. ورواه مسلم مع زوائد.

418-

(25) وعن أبي أمامة ذكر وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((وكان يمسح الماقين، وقال:

ــ

عبد الله بن زيد، "ومسح رأسه بماء غير فضل يديه". قلت: حديث الربيع هذا صحيح أو حسن، ولا تعارض بينه وبين حديث عبد الله بن زيد لأنهما عن حادثتين مختلفتين، فلا حاجة إلى تأويل البيهقي، بل يقال: كلا الأمرين جائزان، إن شاء أخذ لرأسه ماء جديداً، وإن شاء مسحه بفضل ماء يكون في يده، لكن قيل: في متن حديث الربيع اضطراب، فإن ابن ماجه أخرج من طريق شريك عن ابن عقيل عنها، قالت: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بميضاة فقال: اسكبي، فسكبت، فغسل وجهه وذراعيه، وأخذ ماء جديداً فمسح به رأسه مقدمه ومؤخره. قلت: شريك هذا هو ابن عبد الله القاضي، وهو صدوق يخطئ كثيراً، تغير حفظه منذ ولى القضاء بالكوفة. وقال ابن معين: صدوق، ثقة إلا إذا خالف فغيره أحب إلينا منه، وقد خالف ههنا الثوري، فحديث شريك هذا مرجوح، ولا يعل الراجح بالمرجوح. والحاصل أنه يجوز كلا الأمرين عندي إلا أن الأولى أن يأخذ ماء جديداً لمسح الرأس ولا يقتصر على بلل يديه (رواه الترمذي) وقال: حسن صحيح. وأخرجه أيضاً أبوداود وسكت عنه. (ورواه مسلم مع زوائد) أي مطولاً، وكذا الدارمي. فأصل الحديث مخرج في صحيح مسلم، وما رواه الترمذي طرف منه، والظاهر أن البغوي لم يشعر أنه في كتاب مسلم، ونقله عن جامع الترمذي فجعله من الحسان، أو شعر بذلك لكن نسى ذكره في الصحاح.

418-

قوله: (وعن أبي أمامة) الظاهر أنه هو أبوأمامة الصدي بن عجلان الباهلي، لا أبوأمامة أسعد بن سهل بن حنيف الأنصاري الأوسي كما توهم الطيبي، فقد ذكر الإمام أحمد هذا الحديث في مسنده في مسانيد أبي أمامة الباهلي الصدي بن عجلان (ج5:ص258و268) فصنيعه هذا يدل على أن أبا أمامة راوي حديث "الأذنان من الرأس" ومسح الماقين" عند أحمد، هو صدي بن عجلان الباهلي لا غير، ويؤيد ذلك صنيع الحافظ في تهذيب التهذيب (ج4:ص430) والإصابة (ج2:ص182) ، حيث ذكر في ترجمة أبي أمامة الباهلي شهر بن حوشب (راوي هذا الحديث عن أبي أمامة) فيمن روى عنه، ولم يذكر شهراً فيمن روى عن غير أبي أمامة الباهلي ممن كنيته أبوأمامة، ويقوى ذلك أيضاً أن الشيخ عبد الغني النابلسي ذكر هذا الحديث في أحاديث أبي أمامة الباهلي، ولم يذكره في أحاديث غيره من كنيته أبوأمامة من الصحابة كأسعد بن سهل بن حنيف المتقدم ذكره، وأياس بن ثعلبة أبي أمامة البلوي الأنصاري. (ذكر وضوء رسول الله) أي وصف وضوءه، وفي بضع نسخ أبي داود: وذكر وضوء النبي (قال) أي أبوأمامة، وهو بدل من ذكر (وكان يمسح) أي يدلك (الماقين) تثنية مأق بفتح الميم وسكون الهمزة، ويجوز تخفيفها، وهو طرف العين الذي يلي الأنف والأذن، واللغة المشهورة موق، وإنما مسحهما على الاستحباب مبالغة في الإسباغ، لأن العين قلما تخلو من قذى ترميه من كحل وغيره، أو رمص فيسيل وينعقد على طرفي العين (وقال) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكون مرفوعاً، أو

ص: 115

الأذنان من الرأس)) ، رواه ابن ماجه، وأبوداود، والترمذي. وذكرا قال حماد: لا أدري الأذنان من الرأس من قول أبي أمامة؛ أم من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ــ

أبوأمامة فيكون موقوفاً، والراجح عندنا هو الأول لما سيأتي (الأذنان من الرأس) أي حكماً من حيث أنهما يمسحان بماء الرأس لا من الوجه، فيغسلان معه، واختلفوا في أنهما يمسحان ببقية ماء الرأس، أو يؤخد لهما ماء جديد، والراجح عندنا أنهما يمسحان بماء الرأس، ولو أخذ لمسحهما ماء جديداً لم يفعل بأساً لقوله: الأذنان من الرأس. وتقرير دلالته على ذلك أنه لايخلو من أحد الأمرين: إما أن يراد به الحكم أو بيان الخلقة، لا يجوز الثاني لكونه صلى الله عليه وسلم مبعوثاً لبيان الأحكام دون الخلقة والحقائق، ولكونهما من الرأس مشاهدة مغنية عن البيان، فتعين الأول، ثم لا يخفى إما أن يكون المراد من الحكم كونهما ممسوحتين بماء الرأس، أو كونهما ممسوحتين كالرأس، ولا يجوز الثاني، لأن اشتراك الشيء مع الشيء لا يوجب أن يكون ذلك الشيء من الشيء الآخر، كالرجل مع الوجه يشتركان في حكم الغسل، ولا يقال: إن الرجل من الوجه، فتعين الأول وهو كونهما ممسوحتين بماء الرأس، ويؤيد ذلك ما تقدم من حديث ابن عباس عند ابن حبان وغيره، في صفة الوضوء، وفيه "وغرف غرفة فمسح برأسه وأذنيه داخلهما بالسبابتين، وخالف بإبهاميه إلى ظاهر أذنيه

" الحديث. واستدل النسائي على ذلك بحديث: إذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه، لأن خروج الخطايا منهما بمسح الرأس إنما يحسن إذا كانا منه، وقد سبق التنبيه على ذلك في أوائل الطهارة. قال شيخنا في شرح الترمذي بعد ذكر ما احتج به على أخذ الماء الجديد لمسح الأذنين أخذاً من النيل ما نصه: لم أقف على حديث مرفوع صحيح خال عن الكلام يدل على مسح الأذنين بماء جديد، نعم ثبت ذلك عن ابن عمر من فعله، روى مالك في موطأه عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يأخذ الماء بإصبعيه لأذنيه - انتهى. وقال ابن القيم في الهدى: لم يثبت عنه أنه أخذ لهما ماء جديداً، وإنما صح ذلك عن ابن عمر. (رواه ابن ماجه وأبوداود والترمذي) وأخرجه أيضاً أحمد (ج5:ص258و268) كلهم من حديث حماد بن زيد، عن سنان بن ربيعة، عن شهر بن حوشب، وعن أبي أمامة، قال الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بذاك القائم (وذكرا) أي أبوداود والترمذي في روايتهما عن قتيبة، عن حماد، ولذا قدم المصنف عليهما ابن ماجه مع أنه خلاف العادة (قال حماد) هو حماد بن زيد بن درهم الأزدى الجهضمي أبوإسماعيل البصرى أحد الأعلام الأثبات. قال الحافظ: ثقة ثبت فقيه. قيل: إنه كان ضريراً، ولعله طرأ عليه لأنه صح أنه كان يكتب. ولد سنة (98) ومات في رمضان سنة (179) وله إحدى وثمانون سنة. (لا أدرى الأذنان من الرأس من قول أبي أمامة) أي موقوفاً. (أم من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي مرفوعاً. ورواه أبوداود أيضاً عن سليمان بن حرب عن حماد، وقال: قال سليمان بن حرب: يقولها أبوأمامة. ورواه ابن ماجه، عن محمد بن زياد، عن حماد بإسناده بلفظ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الأذنان من الرأس"، وكان يمسح رأسه مرة، وكان يمسح المأقين. وهذا اللفظ لا يحتمل أن يكون كلمة "الأذنان من الرأس" مدرجة في الحديث، بل هو نص في أنها من اللفظ النبوى، وقد أطالوا البحث في هذه الكلمة، وهل هي مدرجة

ص: 116

419-

(26) وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: ((جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا

ــ

من قول أبي أمامة أو مرفوعة. ورجح كثير منهم أبوحاتم، وأبوزرعة، والدارقطني، والبيهقي الإدراج. وقال الحافظ في التلخيص (ص33) : قد بينت أنه مدرج في كتابي في ذلك أي: تقريب المنهج بترتيب المدرج. والظاهر أنه مرفوع ليس بمدرج، والحديث حسن أو صحيح، فقد روى من غير وجه بأسانيد بعضها جيد ويؤيد بعضها بعضاً. قال ابن دقيق العيد في الإمام في حديث أبي أمامة هذا: أنه معلول بوجهين: أحدهما الكلام في شهر بن حوشب، والثاني في الشك في رفعه، ولكن شهر وثقه أحمد، ويحيى، والعجلي، ويعقوب بن شيبة، وسنان بن ربيعة، أخرج له البخاري أي: مقروناً بآخر، وهو وإن كان قد لين فقال ابن عدى: أرجو أنه لابأس به، وقال ابن معين: ليس بالقوى. فالحديث عندنا حسن - انتهى. وقال الزيلعي في نصب الراية (ج1:ص19) : قد اختلف فيه على حماد فوقفه ابن حرب عنه، ورفعه أبوالربيع، واختلف أيضاً على مسدد عن حماد، فروى عنه الرفع، وروى عنه الوقف. وإذا رفع ثقة حديثاً ووقفه آخر، أو فعلهما شخص واحد في وقتين ترجح الرافع لأنه أتى بزيادة، ويجوز أن يسمع الرجل حديثاً فيفتى به في وقت، ويرفعه في وقت آخر، وهذا أولى من تغليط الراوي، ثم نقل الزيلعي حديث "الأذنان من الرأس" من حديث عبد الله بن زيد مرفوعاً من سنن ابن ماجه وقال: هذا أمثل إسناد في الباب لا تصاله وثقة رواته - انتهى. وقال البوصيرى في الزوائد: هذا إسناده حسن إن كان سويد بن سعيد حفظه، قلت: سويد بن سعيد هذا صدوق في نفسه إلا أنه عمى فصار يتلقن ما ليس من حديثه، وقد أخرج له مسلم، واحتج به، ثم نقله الزيلعي من حديث ابن عباس مرفوعاً أيضاً من سنن الدارقطني من طريق أبي كامل الجحدري، عن غندر، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، ثم قال: قال ابن القطان: إسناده صحيح لاتصاله وثقة رواته، قال وأعله الدارقطني بالاضطراب في إسناده، وقال: إسناده وهم، وإنما هو مرسل، ثم أخرجه عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً، وتبعه عبد الحق في ذلك، وقال: إن ابن جريج الذي دار الحديث عليه يروى عنه عن سليمان بن موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً. قال: وهذا ليس يقدح فيه، وما يمنع أن يكون فيه حديثان مسند ومرسل - انتهى. قال شيخنا في شرح الترمذي: كلام ابن القطان هذا متجه، وقد روى "الأذنان من الرأس" من حديث أبي هريرة. وأبي موسى، وابن عمر، وعائشة، وأنس أيضاً، انظر التلخيص (ص33) ونصب الراية (ج1:ص20) .

419-

قوله: (وعن عمرو بن شعيب عن أبيه) شعيب (عن جده) أي: جد شعيب وهو عبد الله بن عمرو بن العاس (يسأله) حال من فاعل جاء (عن الوضوء) أي: كيفيته (فأراه) أي: بالفعل، لأنه أبلغ في التعليم من القول. وفي الكلام حذف، تقديره: أي: فأراد أن يريه ما سأله فتوضأ (ثلاثاً ثلاثاً) أي: غير المسح، فقد جاء في هذا الحديث أن المسح كان

ص: 117

فقد أساء وتعدى وظلم)) . رواه النسائي، وابن ماجه، وورى أبوداود معناه.

420-

(27) وعن عبد الله بن المغفل، أنه سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة. قال أي بني سل الله الجنة، وتعوذ به من النار: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور

ــ

مرة في رواية سعيد بن منصور ذكره الحافظ في الفتح، وقد سبق التنبيه على ذلك (فقد أساء) أي: في مراعاة آداب الشرع، فإن الزيادة استنقاص لما استكمله الشرع (وتعدى) أي: عما حد له وجعله غاية التكميل (وظلم) أي: نفسه باتعابها فيما زاد على الثلاثة من غير حصول ثواب له، أو بإتلاف الماء ووضعه في غير محله، وإنما ذمه بهذه الكلمات الثلاث إظهاراً لشدة النكير عليه، وزجراً له عن ذلك. وقد جاء في رواية أبي داود زيادة أو نقص، واستشكلت. والمحققون على أنها وهم لجواز الوضوء مرة مرة ومرتين ومرتين، وقد تكلف لتوجيهها بما هو مذكور في النيل (ج1:ص168) والعون (ج1:ص52) إن شئت الوقوف عليه فارجع إليهما (رواه النسائي وابن ماجه) إلا أن رواية ابن ماجه بلفظ "هذا الوضوء فمن زاد على هذا فقد أساء، أو تعدى، أو ظلم" بأو، بدل الواو (وروى أبوداود معناه) بأطول من هذا، وسكت عليه: وأخرجه أيضاً أحمد، وابن خزيمة. قال الحافظ في التلخيص: من طرق صحيحه، وصرح في الفتح: أنه صححه ابن خزيمة وغيره.

420-

قوله: (أنه سمع ابنه) يمكن أي يكون هو يزيد بن عبد الله بن مغفل، الذى روى عنه أبونعامة الحنفي في ترك الجهر بالبسملة عند الترمذي وغيره، ويزيد هذا مجهول الحال، ويمكن أن يكون هذا ابناً لعبد الله بن مغفل آخر غير هذا الذى روى عنه أبونعامة، وعلى هذا فلم أقف على اسمه (أسألك القصر) قال في المجمع القصر هو الدار الكبيرة المشيدة لأنه يقصر فيه الحرم (قال) أي: عبد الله لابنه حين سمعه يدعو بهذه الكلمات (أي) بفتح الهمزة وسكون الياء حرف نداء ينادي به القريب (بني) تصغير للإبن مضافا إلى ياء المتكلم، (سل) أمر من سأل يسئل (الله الجنة) أي ينبغي لك أن تكتفي بسؤال الجنة، ولا تجاوز في السؤال عن الحد بزيادة القيود والأوصاف. قيل: إنما أنكر عبد الله على ابنه في هذا الدعاء، لأنه طمح إلى ما لا يبلغه عملاً حيث سأل منازل الأنبياء، وجعله من الإعتداء في الدعاء لما فيه من التجاوز عن حد الأدب، ونظر الداعي إلى نفسه بعين الكمال. وقيل: لأنه سأل شيئاً معيناً فربما كان مقدراً لغيره. وقيل: إنكار عبد الله على ابنه من قبيل سد باب الإعتداء فإنه لما سمع ابنه يدعو بهذا الدعاء خاف عليه أن يتجاوز عنه إلى ما فيه الإعتداء حقيقة فنبه على ذلك، وأنكر عليه سداً للباب (يعتدون) بتخفيف الدال من الاعتداء، أي يتجاوزون عن الحد الشرعي (في الطهور) بالزيادة على الثلاث وإسراف الماء، وبالمبالغة

ص: 118

والدعاء)) . رواه أحمد، وأبوداود، وابن ماجه.

421-

(28) وعن أبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:((إن للوضوء شيطاناً يقال له: الولهان، فاتقوا وسواس الماء)) . رواه الترمذي، وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديثٌ غريبٌ، وليس إسناده بالقوى عند أهل الحديث، لأنا لا نعلم أحداً أسنده غير خارجة،

ــ

في الغسل إلى حد الوسواس. والحديث عام يتناول الغسل، والوضوء، وإزالة النجاسة (والدعاء) قيل الاعتداء في الدعاء هو الدعاء بما لايجوز، ورفع الصوت به، والصياح. وقيل: سؤال منازل الأنبياء. وقيل: هو أن يتكلف السجع في الدعاء. (رواه أحمد وأبوداود) في الطهارة وسكت عنه هو والمنذري. (وابن ماجه) في أبواب الدعاء، لكن ليس في روايته لفظ الطهور فلا يكون شاهداً في الباب، فكان الأولى للمصنف أن لا يذكر ابن ماجه. وقيل عزا الحديث لابن ماجه نظراً إلى أصل الحديث، وإن اقتصر هو منه على الدعاء. والحديث أخرجه أيضاً ابن حبان والحاكم.

421-

قوله: (إن للوضوء) المشهور ضم الواو على إرادة الفعل، ويحتمل الفتح على إرادة الماء وهو أنسب بآخر الحديث على بعض الاحتمالات، يعني أن لأجل إلقاء الوسوسة في الوضوء وما يتعلق به (شيطاناً) أي: نوعا خاصاً، وصنفاً معيناً من الشيطان، اسم هذا النوع الولهان، وليس المراد أنه واحد بالشخص. (الولهان) بالواو واللام المفتوحتين، صفة مشبهة من الوله، وقيل: أصله مصدر "وله" بكسر اللام ومصدره أيضاً "الوله" بفتح اللام، وهو الحزن، أو ذهاب العقل والتحير من شدة الوجد وغاية العشق. وسمى به شيطان الوضوء إما لشدة حرصه على طلب الوسوسة، وإما لإلقائه الناس بالوسوسة في مهواة الحيرة، حتى يرى صاحبه حيران، ذاهب العقل، لايدري كيف يلعب به الشيطان، ولا يعلم هل وصل الماء إلى العضو أم لا، وكم مرة غسله، كما ترى عياناً في الموسوسين في الوضوء (فاتقوا وسواس الماء) بكسر الواو الأولى المصدر، وبفتحها الإسم، مثل الزلزال بفتح الزاى وكسرها، أي: وسواساً يفضى إلى كثرة إراقة الماء حالة الوضوء والاستنجاء. والمراد بالوسواس التردد في طهارة الماء ونجاسته بلا ظهور علامات النجاسة، ويحتمل أن يراد بالماء البول، أي وساوس البول المفضية إلى الاستنجاء، وقال ابن الملك: أي وسواس الولهان، وضع الماء موضع ضميره مبالغة في كمال الوسواس في شأن الماء، أو لشدة ملازمته له. والحديث يدل على كراهية الإسراف في الماء للوضوء وهو أمر مجمع عليه (رواه الترمذي وابن ماجه) وأخرجه أيضاً أحمد (ج5:ص126) وأبوداود والطيالسي في مسنديهما، والحاكم (هذا حديث غريب) أي إسناداً (لأنا لا نعلم) علة للغرابة والضعف (أحداً أسنده) أي رفعه (غير خارجة) أي خارجه بن مصعب أبوالحجاج السرخسي، قال الترمذي: وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن الحسن قوله.

ص: 119

وهو ليس بالقوى عند أصحابنا.

422-

(29) وعن معاذ بن جبل، قال:((رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ مسح وجهه بطرف ثوبه)) . رواه الترمذي.

423-

(30) وعن عائشة، رضي الله عنها، قالت: ((كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خرقة ينشف

ــ

وقال ابن أبي حاتم في العلل: سئل أبي عن هذا الحديث فقال: رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم منكر - انتهى. لكن يؤيده ما روي في الباب عن عمران بن حصين عند البيهقي بسند ضعيف نحو حديث أبي بن كعب، وما روي عن عبد الله بن مغفل، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقد تقدما، وعن عبد الله بن عمر عند ابن ماجه، وعبد الله بن عمرو بن العاص عند أحمد وابن ماجه، وسيأتي في الفصل الثالث (وهو) أي: خارجة (ليس بالقوى عند أصحابنا) أي: أهل الحديث فقد ضعفه ابن المبارك وابن معين وأحمد ووكيع والنسائي والدارقطني وابن حبان وغيرهم. وقال الحافظ: متروك، وكان يدلس عن الكذابين. ويقال: إن ابن معين كذبه.

422-

قوله: (مسح وجهه) أي: نشفه بعد الوضوء. (بطرف ثوبه) فيه دليل على جواز التنشيف بعد الوضوء، واختلف فيه على أقوال، والراجح عندي قول من قال بجواز التنشيف بعد الوضوء والغسل، للأحاديث الواردة في الباب، واحتج من كرهه بحديث ميمونة في غسل النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه "فناولته ثوباً فلم يأخذه فانطلق وهو ينفض يديه" أخرجه البخاري، وفي رواية ابن ماجه "فرده وجعل ينفض الماء" قال: هذا الحديث يدل على كراهة التنشيف بعد الغسل، فيثبت به كراهته بعد الوضوء أيضاً. وفيه ما قال الحافظ: من أنه لا حجة فيه لأنها واقعة عين يتطرق إليه الاحتمال، فيجوز أن يكون الرد لأمر آخر لا يتعلق بكراهة التنشيف، بل لأمر يتعلق بالخرقة، أو لكونه كان مستعجلاً، أو غير ذلك. قال المهلب: يحتمل تركه لإبقاء بركة الماء، أو للتواضع، أولشئ آخر رآه في الثوب من حرير، أو وسخ. وقال إبراهيم النخعي: إنما رده مخافة أن يصير عادة. وقال التيمي: في هذا الحديث دليل على أنه كان ينشف ولولا ذلك لم تأته بالمنديل. وقال ابن دقيق العيد: نفضه الماء بيده يدل على أنه لا كراهة في التنشيف لأن كلا منهما إزالة – انتهى كلام الحافظ مختصراً. (رواه الترمذي) وقال: هذا حديث غريب، وإسناده ضعيف، ورشدين بن سعد، وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي يضعفان في الحديث - انتهى. وقال الذهبي في ترجمة رشدين: كان صالحاً عابداً سيئ الحفظ غير معتمد. وقال الحافظ في ترجمة الإفريقي: ضعيف في حفظه، وكان رجلاً صالحاً، وكان البخاري يقوى أمره، ولم يذكره في كتاب الضعفاء والحديث أخرجه أيضاً ابن عساكر.

423-

قوله: (ينشف) أي: يسمح من التنشيف، قال في القاموس: نشف الثوب العرق كسمع ونصر، شربه، والحوض

ص: 120