الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
متفق عليه.
{الفصل الثاني}
481-
(4) عن ابن عمر قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الماء يكون في الفلاة من الأرض وما ينوبه من الدواب والسباع، فقال: ((إذا كان الماء قلتين
ــ
بالثياب، وتكون له أزرار كبار، وتجمع على حجال، ومعناهما بالفارسية "تكمهء خانة عروسي". وقيل: إنما هو بتقديم الراء على الزاى، ويكون المراد البيض، يقال أرزت الجرادة- بفتح الراء وتشديد الزاى- إذا كبست ذنبها في الأرض فباضت، ويريد بالحجلة القبجة الطائر المعروف، ويشهد له ما عند الترمذي عن جابر بن سمرة: وكان خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان بين كتفيه غدة حمراء مثل بيضة الحمامة. اختلفت الروايات في بيان كيفية خاتم النبوة وقدره، ولا تعارض بينها لرجوع هذا الاختلاف إلى اختلاف الأحوال. ويأتي الكلام عليه مفصلاً في باب أسمائه صلى الله عليه وسلم وصفته - إن شاءالله تعالى-. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الطهارة، وصفة النبي صلى الله عليه وسلم، والدعوات، والمرضى، ومسلم في الفضائل. وأخرجه أيضاً الترمذي في المناقب.
481-
قوله: (يكون) صفة أو حال. (في الفلاة) أي: في الصحراء الواسعة وتجمع على فلا وفلوات وفلى. (وما ينوبه) أي: ينزل به ويقصده وقال السندي: من ناب المكان وانتابه إذا تردد إليه مرة بعد أخرى ونوبة بعد نوبة. وهو عطف على الماء بطريق البيان نحو أعجبني زيد وكرمه، يعني أنهم سألوه عن حال الماء الذي ينوبه الدواب والسباع. أي: فتشرب منه، وربما تخوض، وتبول، وتلقى الروث فيه. (من الدواب والسباع) بيان لما. (إذا كان الماء قلتين) تثنية قلة بضم القاف وتشديد اللام. قال السندي: زاد عبد الرزاق عن ابن جريج بسند مرسل: بقلال هجر، قال ابن جريج: وقد رأيت قلال هجر فالقلة تسع قربتين أو قربتين وشيئاً، فاندفع ما يتوهم من الجهالة. وقال الخطابي في معالم السنن (ج1:ص35) : قد تكون القلة الإناء الصغير الذي تقله الأيدي ويتعاطى فيه الشرب كالكيزان ونحوها، وقد تكون القلة الجرة الكبيرة التي يقلها القوي من الرجال، إلا أن مخرج الخبر قد دل على أن المراد به ليس النوع الأول، لأنه إنما سئل عن الماء الذي يكون بالفلاة من الأرض في المصانع والوهاد والغدران ونحوها، ومثل هذه المياه لا تحمل بالكوز والكوزين في العرف والعادة لأن أدنى النجس إذا أصابه نجسه، فعلم أنه ليس معنى الحديث. وقد روى من غير طريق أبي داود من رواية ابن جريج "إذا كان الماء قلتين بقلال هجر" أخبرناه محمد بن هاشم. حدثنا الدبري، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج وذكر الحديث مرسلاً، وقال في حديثه: بقلال هجر. قال: وقلال هجر مشهورة الصنيعة، معلومة المقدار، لا تختلف كما لا تختلف المكائل والصيعان والقرب المنسوبة إلى البلدان المحدودة على مثل واحد، وهي أكبر ما يكون من القلال
لم يحمل الخبث)) . رواه أحمد، وأبوداود، والترمذي، والنسائي، والدارمي، وابن ماجه.
ــ
وأشهرها، لأن الحد لا يقع بالمجهول، ولذلك قيل: قلتين على لفظ التثنية، ولو كان وراءها قلة في الكبر لأشكلت دلالته فلما ثناها دل أنه أكبر القلال لأن التثنية لا بد لها من فائدة، وليست فائدتها إلا ما ذكرناها، وقد قدر العلماء القلتين بخمس قرب، ومنهم من قدرها بخمس مائة رطل- انتهى. قلت: قد جاء في حديث مرفوع ضعيف تقييد القلتين بقلال هجر، وهو ما روى ابن عدي في الكامل من حديث ابن عمر: إذا بلغ الماء قلتين من قلال هجر لم ينجسه شيء. وفي سنده المغيرة بن سقلاب، قال النفيلي: لم يكن مؤتمناً على الحديث. وقال ابن عدي: منكر الحديث لا يتابع على عامة حديثه. وقال الذهبي في الميزان في ترجمته: قال أبوحاتم: صالح الحديث. وقال أبوزرعة: لا بأس به. وقال الشيخ رشيد أحمد الكنكوهى شيخ مشائخ الطائفة الديوبندية: إلزام الإجمال في معنى القلة تحكم، أما أولاً فلأن القلة كانت معلومة عندهم فلا يضر جهالتها عندكم، وأما ثانياً فلما ورد في بعض الروايات من زيادة لفظ يفسر المراد ويتبين الإجمال وهو قوله: من قلال هجر- انتهى. فالاعتذار من القول بحديث القلتين بزعم الإجمال في معنى القلة كما قال الطحاوى (ص9) وابن دقيق العيد وابن عبد البر في التمهيد، وغيرهم اعتذار بارد لا يلتفت إليه. (لم يحمل الخبث) أي: مالم يتغير لونه، أو طعمه، أو ريحه. والخبث بفتحتين النجس يعنى لم ينجس بوقوع النجاسة فيه كما فسره به في رواية أبي داود الآتية. ولفظ ابن ماجه والحاكم: لم ينجسه شيء. وتقدير المعنى: لا يقبل النجاسة، بل يدفعها عن نفسه، كما يقال: فلان لا يحتمل الضيم، إذا كان يأباه ويدفعه عن نفسه. ولو كان المعنى أنه يضعف عن حمله فينجس، لما بقى الفرق بين ما بلغ قلتين وما دونه، والحديث مسوق لإفادة التحديد بين المقدار الذي لم ينجس. وقيل: معناه لا يقبل حكم النجاسة كما في قوله تعالى: "ثم لم يحملوها" أي: لم يقبلوا حكمها. والحديث بمنطوقه يدل على أن الماء إذا بلغ قلتين لم ينجس بملاقاة النجاسة، وكذا ما هو أكثر من ذلك بالأولى. وذلك إذا لم يتغير فإن تغير نجس، فهو مخصص أو مقيد بحديث إلا ما غير ريحه أو لونه أو طعمه. وهو وإن كان ضعيفاً فقد وقع الإجماع على معناه. قال ابن المنذر: قد أجمع العلماء على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت له طعماً أو لوناً أو ريحاً فهو نجس -انتهى. والحديث يدل بمفهومه على أن الماء إن كان أقل من قلتين ينجس بالملاقاة. وهذا المفهوم يخصص حديث "خلق الماء طهورا" عند من قال بالمفهوم. (رواه أحمد وأبوداود) وسكت عنه. (والترمذي) لم يتكلم الترمذي على الحديث، وإنما ذكر أقوال العلماء الذي أخذوا به، وهم الشافعي وأحمد واسحق وهذا يشير إلى صحته عندهم وعنده. (والنسائي والدارمي وابن ماجه) ورد في رواية لابن ماجه: قلتين أو ثلاثاً. قال السندي: أي: أو أزيد من قلتين، ذكره لإفادة أن التحديد بقلتين ليس لمنع الزيادة عليه، بل لمنع النقصان عنه، ومثله كثير في الكلام، وليس هو للشك حتى يلزم الاضطراب في الحديث، كما زعم من لا يقول بالحديث - انتهى. والحديث أخرجه أيضاً الشافعي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني والبيهقي. قال الحافظ في الفتح: رواته ثقات، وصححه جماعة من أهل العلم - انتهى. وقال ابن مندة: هو صحيح على شرط مسلم. وقال يحيى بن معين: الحديث جيد الإسناد. وقال البيهقي: إسناد صحيح موصول.
وفي أخرى لأبي داود: فإنه لا ينجس.
482-
(5) وعن أبي سعيد الخدري، قال: قيل: يارسول الله! أنتوضأ من بئر بضاعة؟
ــ
وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد احتجا جميعاً بجميع رواته، ووافقه الذهبي. وقال ابن السبكي في الطبقات (ج6:ص20) صحح الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد حديث القلتين. وقال الطحاوي خبر القلتين صحيح، وإسناده ثابت، ذكره القاري. وقال الحافظ أبوالفضل العراقي في أماليه: قد صحح هذا الحديث الجم الغفير من أئمة الحفاظ الشافعي وأبوعبيد وأحمد واسحق ويحيى بن معين وابن خزيمة والطحاوي وابن حبان والدارقطني وابن مندة والحاكم والخطابي والبيهقي وابن حزم وآخرون كذا في قوت المغتذي. وقال الشيخ عبد الحي اللكنوي شيخ النيموي وهما من العلماء الحنفية في السعاية (ص377) والذي يظهر بعد إدارة النظر من الجوانب هو أن نفس الحديث صحيح سالم عن المعارضة ومخالفة الإجماع، وعن النسخ والتأويل وغير ذلك، وغاية ما فيه هو إجمال في المعنى القلة وتعينها. قلت: قد تقدم الجواب عن دعوى الإجمال فتذكر. وقال الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي: قد أخذ الشافعي في ما اختاره بحديث جيد الإسناد، قابل للاعتماد. قال: وقد أجاب بعض الأحناف عن حديث القلتين بأجوبة لا ترضاها الطبائع السليمة، ثم ذكرها وقال: وأنت تعلم أن كل ذلك تعسف. ثم رد تلك الأجوبة، قال إن في تضعيف سند الحديث انكار البداهة فإن صحة رواية القلتين غير منكرة. والروايات الواردة في السنن شاهد صدق على ذلك. كذا في الكواكب الدري (ج1:ص40-43) قلت: الحديث قد تكلم فيه ابن عبد البر، والقاضي اسماعيل بن اسحق، وابن العربي المالكيون من جهة دعوى الاضطراب في السند والمتن، وقد أجاب عنه الحافظ في التلخيص (ص6،5) وأجاد، فارجع إليه. قال القاري: إن الجرح مقدم على التعديل، فلا يدفعه تصحيح بعض المحدثين، وفيه أنه لا وجه لجرح من تكلم في هذا الحديث، كما أوضحه الحافظ والنووي والخطابي وغيرهم. وأيضاً تقديم الجرح على التعديل مختلف فيه. قال في مسلم الثبوت: إذا تعارض الجرح والتعديل فالتقديم للجرح مطلقاً، وقيل: بل للتعديل عند زيادة المعدلين، ومحل الخلاف إذا أطلقا، أو عين الجارح شيئاً لم ينفه المعدل، أو نفاه لا بيقين، وأما إذا نفاه يقيناً فالمصير إلى الترجيح اتفاقاً - انتهى. فيكون الترجيح ههنا للتعديل لجودة أسانيد الأحاديث من حيث ثقة الرواة وكثرة المعدلين والصححين له كما تقدم. وانظر تفصيل الكلام على الحديث في أبكار المنن (ص12،5) وتحفة الأحوذي (ج1:ص71،70) وعون المعبود (ج1:ص24،23) . وفي جعل القلتين حداً فاصلاً بين القليل والكثير كلام حسن للشاه ولي الله الدهلوي في حجة الله البالغة (ج1:ص147،146) فعليك أن تراجعها.
482-
قوله: (بضاعة) بضم الباء وقد كسرها بعضهم، والأول أكثر، وهي دار بني ساعدة بالمدينة، وبئرها معروفة، قاله ياقوت. وقال أبوداود: سمعت قتيبة بن سعيد قال: سألت قيم بئر بضاعة عن عمقها، قال: أكثر ما يكون
وهي بئر يلقى فيها الحيض، ولحوم الكلاب، والنتن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((إن الماء طهور لا ينجسه)) رواه أحمد، والترمذي، وأبوداود، والنسائي.
ــ
فيها الماء إلى العانة. قلت: فإذا نفص؟ قال: دون العورة. قال أبوداود: وقدرت أنا بئر بضاعة بردائي مددته عليها ثم ذرعته، فإذا عرضها ستة أذرع. وسألت الذي فتح باب البستان فأدخلني إليه: هل غير بناءها عما كانت عليه؟ قال: لا. ورأيت فيها ماء متغير اللون انتهى. (يلقى فيها الحيض) بكسر الحاء وفتح الياء، جمع حيضة بكسر الحاء وسكون الياء، وهي الخرقة التي تستعملها المرأة في دم الحيض. (والنتن) بفتح النون وإسكان التاء، وهو الشيء المنتن ويجوز كسر التاء أيضاً. قيل: عادة الناس دائماً في الإسلام والجاهلية تنزيه المياه وصونها عن النجاسات والأقذار، فلا يتوهم أن الصحابة - وهم أطهر الناس وأنزههم - كانوا يفعلون ذلك عمداً مع عزة الماء فيهم، وإنما ذلك من أجل أن هذه البئر كانت في الأرض المنخفضة، وكانت السيول تحمل الأقذار من الطرق وتلقيها فيها. وقيل: كانت الرياح تلقي ذلك. ويجوز أن تكون السيول والرياح تلقيان جميعاً، فعبر عنه القائل بوجه يوهم أن الإلقاء من الناس لقلة تدينهم، وهذا مما لا يجوزه مسلم، فيكف يظن بالذين هم أفضل القرون، وأزكاهم، وأطهرهم. ذكر هذا المعنى الخطابي في المعالم. (ج1:ص37) والطيبي في شرح المشكوة. (إن الماء طهور) أي: طاهر مطهر. قيل: الألف واللام للعهد الخارجي، فتأويله إن الماء الذي تسألون عنه وهو ماء بئر بضاعة، فالجواب مطابقي لا عموم كلي. (لا ينجسه شئ) قال الخطابي: كان ماء بئر بضاعة، لكثرته لا يؤثر فيه وقوع هذه الأشياء، ولا يغيره. فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شأنها ليعلموا حكمها في الطهارة والنجاسة، فكان من جوابه لهم أن الماء طهور لا ينجسه شيء، يريد الكثير منه الذي صفته صفة ماء هذه البئر في غزارته وكثرة جمامه، لأن السؤال إنما وقع عنها بعينها، فخرج الجواب عليها. وهذا لا يخالف حديث القلتين، إذ كان معلوماً أن الماء في بئر بضاعة يبلغ القلتين، فأحد الحديثين يوافق الآخر، ولا يناقضه، والخاص يقضي على العام، ويبينه، لا ينجسه ولا يبطله - انتهى. وإن كان الألف واللام في قوله:"الماء" للنجس فالحديث مخصص أو مقيد بحديث القلتين، وهما مخصصان بحديث: إلا ما غير ريحه أو لونه أو طعمه، وهو وإن كان ضعيفاً فقد وقع الإجماع على معناه كما تقدم. وقال الشاه ولي الله في حجة الله (ج1:ص147) قوله صلى الله عليه وسلم: الماء طهور لا ينجسه شيء، معناه المعادن لا تتنجس بملاقاة النجاسة إذا أخرجت ورميت، ولم يتغير أحد أوصافه، ولم تفحش، وهل يمكن أن يظن ببئر بضاعة أنها كانت تستقر فيها النجاسات. كيف وقد جرت عادة بني آدم بالاجتناب عما هذا شأنه فكيف يستقى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ بل كانت تقع فيها النجاسات من غير أن يقصد إلقاءها، كما تشاهد من آبار زماننا، ثم تخرج تلك النجاسات، فلما جاء الإسلام سألوه عن الطهارة الشرعية الزائدة على ما عندهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الماء طهور لا ينجسه شيء يعني لا ينجس نجاسة غير ما عندكم. (رواه أحمد والترمذي) وحسنه. (وأبوداود) وسكت عنه. (والنسائي) وأخرجه أيضاً الشافعي، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي، والطحاوي، وصححه أحمد، ويحيى بن معين، وأبومحمد بن
483-
(6) وعن أبي هريرة، قال: ((سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو الطهور ماؤه
ــ
حزم، والحاكم، وأعله ابن القطان بجهالة راوية عن أبي سعيد، واختلاف الرواة في اسمه واسم أبيه. وقد رد عليه شيخ النيموى الشيخ عبد الحي اللكنوي في السعاية (ج1:ص363) بوجوه، وقد أحسن في الرد وأجاد. وقد أطال شيخنا الكلام في الحديث في أبكار المنن (ص13-20) والحافظ في التلخيص (ص4،3) فعليك أن تراجع هذه الكتب.
483-
قوله: (سأل رجل) من بني مدلج، كما في مسند أحمد. قيل: اسمه عبد الله، ذكره الدارقطني، وابن بشكوال، كما في شرح ابن رسلان. وقيل: إسمه عبد، بسكون الباء بلا إضافة. وقال البغوي: بلغني أن إسمه عبدود، هكذا حكاه ابن بشكوال. وقال الطبراني: اسمه عبيد العركي بالتصغير، والعركي بفتح المهملة والراء بعدها كاف هو ملاح السفينة. (إنا نركب البحر) أي: مراكبه من السفن، والمراد به هنا المالح، لأنه المتوهم فيه لملوحته ومرارته ونتن ريحه. وزاد الحاكم نزيد الصيد. وفيه جواز ركوب البحر من غير حج ولا عمرة وجهاد ولا يعارضه ما ورد عند أبي داود: لا تركب البحر إلا حاجاً أو معتمراً أو غازياً، لأنه ضعيف. (ونحمل معنا القليل من الماء) أي: الحلو العذب. وفي رواية إنا ننطلق في البحر، نريد الصيد، فيحمل أحدنا معه الأدواة، وهو يرجو أن يأخذ الصيد قريباً، فربما وجده كذلك، وربما لم يجد الصيد حتى يبلغ من البحر مكاناً لم يظن أن يبلغه، فلعله يحتلم أو يتوضأ، فإن اغتسل أو توضأ بهذا الماء، فلعل أحدنا يهلكه العطش، فهل ترى في ماء البحر أن نغتسل به، أو نتوضأ به، إذا خفنا ذلك؟ وكأن السائل لما رأى ماء البحر خالف المياه بملوحة طعمه ونتن ريحه توهم أنه غير مراد من قوله تعالى:{فاغسلوا وجوهكم} أي: بالماء المعلوم إرادته من قوله: {فاغسلوا} أو أنه لما عرف من قوله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء طهوراً} ظن اختصاصه فسأل عنه، فأفاده صلى الله عليه وسلم الحكم بقوله:(هو) أي: البحر يعني مكانه. (الطهور) بفتح الطاء أي: الطاهر المطهر. (ماءه) قوله: هو مبتدأ، والطهور مبتدأ ثان، خبره ماءه، والجملة خبر المبتدأ الأول. ويحتمل أن يكون هو مبتدأ، والطهور خبراً، وماءه فاعله، والمعنى: أن ماءه طاهر في ذاته، مطهر لغيره، لا يخرج عن الطهورية بحال إلا ما تقدم من تخصيصه بما إذا تغير أحد أوصافه بوقوع النجاسة، ولم يقل في جوابه نعم، مع حصول الغرض به ليقرن الحكم بعلته وهي الطهورية المتناهية في بابها. وقيل: لو أجابهم بنعم، لصار مقيداً بحال الضرورة لأنه عليه وقع سؤالهم وليس كذلك. وقيل: لو قال: نعم، لم يستفد منه من حيث اللفظ إلا جواز الوضوء الذي وقع السؤال عنه. وإذا قال: الطهور، الخ. أفاد جواز رفع جميع الأحداث وإزالة الأنجاس به لفظاً. وفي الحديث جواز الطهارة بماء البحر، وبه قال جميع العلماء، إلا ما روى عن ابن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص: أنه لا يجزئ التطهر به، وهذا رأيهما إن صح السند إليهما. ولا حجة في أقوال الصحابة لا سيما إذا
والحل ميتته)) . رواه مالك، والترمذي، وأبوداود، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي.
484-
(7) وعن أبي زيد، عن عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ليلة الجن: ((ما في إداوتك؟ قال: قلت: نبيذ،
ــ
عارضت المرفوع. وتعريف الطهور باللام الجنسية المفيدة للحصر لا ينفي طهورية غيره من المياه، لوقوع ذلك جواباً لسؤال من شك في طهورية ماء البحر من غير قصد للحصر. وقيل: التعريف ههنا للدلالة على انحصار المسند إليه في المسند. قال الطيبي: تعريف الطرفين للحصر لإفادة أنه يتجاوز إلى النجاسة. (والحل) بكسر الحاء مصدر حل الشيء ضد حرم أي: الحلال. (ميتته) بفتح الميم، والجملة عطف على "الطهور ماءه". والمراد "بميتته" ما مات فيه من دوابه مما لا يعيش إلا فيه لا ما مات فيه مطلقاً، فإنه وإن صدق عليه لغة أنه ميتة بحر، فمعلوم أنه لا يراد إلا ما ذكرنا. وظاهره حل كل ما مات فيه ولو كان كالكلب والخنزير، وفيه اختلاف، وسيأتي بيانه وتحقيق الراجح فيه في محله. قال الرافعي: لما عرف صلى الله عليه وسلم اشتباه الأمر على السائل في ماء البحر أشفق أن يشتبه عليه حكم ميتته، وقد يبتلى بها راكب البحر، فعقب الجواب عن سؤاله ببيان حكم الميتته. وقيل: سأله عن ماءه فأجابه عن ماءه، وطعامه، لعلمه بأنه قد يعوزهم الزاد فيه، كما يعوزهم الماء فلما جمعتهم الحاجة انتظم الجواب بهما، وفيه أن المفتي إذا سئل عن شيء، وعلم أن للسائل حاجة إلى ذكر ما يتصل بمسألته استحب تعليمه إياه لأن الزيادة في الجواب بقوله:"الحل ميتته" لتتميم الفائدة، وهي زيادة تنفع لأهل الصيد، وكان السائل منهم، وهذا من محاسن الفتوى. (رواه مالك والترمذي) وقال: حديث حسن صحيح. (وأبوداود) وسكت عنه. (والنسائي، وابن ماجه، والدارمي) وأخرجه أيضاً الشافعي وأحمد وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني وابن الجارود والبيهقي وابن أبي شيبة وصححه ابن المنذر وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وابن مندة والبغوي وابن الأثير في شرح المسند وابن الملقن في البدر المنير والخطابي والطحاوي وآخرون. وقال الحافظ في تهذيب التهذيب (ج4:ص42) صحح البخاري فيما حكاه عنه الترمذي في العدل المفرد حديثه - انتهى. وانظر متابعاته وشواهده في المستدرك للحاكم، وقد أعلمه بعضهم بما هو مدفوع، إن شئت الوقوف عليه فارجع إلى النيل (ج1:ص16:15) .
484-
قوله: (وعن أبي زيد) المخزومي مولى عمرو بن حريث، وقيل: أبوزائد، أو أبوزيد بالشك. قال ابن عبد البر: اتفقوا على أنه مجهول. وقال الترمذي: هو مجهول عند أهل الحديث، يعني أنه مجهول الحال. (ليلة الجن) هي الليلة التي جاءت الجن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهبوا به إلى قومهم ليتعلموا منه الدين وأحكام الإسلام. (ما في أدواتك) أي: أي شيء في مطهرتك؟ في النهائية الأدواة بالكسر إناء صغير من جلد. (قال) أي: ابن مسعود. (قلت: نبيذ) بفتح النون وكسر الباء، ماء ألقي فيه تمرات حتى صار حلواً رقيقاً غير مسكر مطبوخاً كان أو غير مطبوخ. قال الجزري: النبيذ ما
قال: تمرة طيبة وماء طهور. رواه أبوداود، وزاد أحمد، والترمذي. فتوضأ منه. وقال الترمذي: أبوزيد مجهول.
ــ
يعمل من الأشربة من التمر والزبيب والعسل والحنطة والشعير، نبذت التمر والعنب إذا تركت عليه الماء ليصير نبيذاً، وانتبذته اتخذته نبيذاً سواء كان مكسراً أم لا. (تمرة طيبة وماء طهور) أي: النبيذ ليس إلا تمرة وهي طيبة، وماء وهو طهور، فلا يضر اختلاطها، وليس فيه ما يمنع التوضئ. (رواه أبوداود) وأخرجه أيضاً ابن ماجه والدارقطني والبيهقي والطحاوي. (وزاد أحمد والترمذي فتوضأ منه) فيه دليل على أن التوضؤ بالنبيذ جائز، لكن الحديث ضعيف جداً لا يصلح للاحتجاج، كما ستعرف. واعلم أنه إذا ألقى في الماء تمرات فتغير طعمه وصار حلواً لكن كان رقيقاً يسيل على الأعضاء كالماء غير مطبوخ ولا مسكر جاز الوضوء به عند الحنفية مطلقاً، سواء وجد الماء أو لا، خلافاً للأئمة الثلاثة، وهي مسألة الماء المضاف أي: المقيد المخلوط بالشيء، وهذا أحد أقسام النبيذ الأربعة، ولا خلاف في جواز الوضوء به عند أئمة الحنفية. والثاني: ما ألقى فيه تمرات حتى صار حلواً رقيقاً وطبخ ولم يسكر، ولا يجوز الوضوء به عند الأئمة الثلاثة مطلقاً كالأول، واختلف فيه أئمة الحنفية، قال ابن عابدين: لا يجوز به الوضوء في الصحيح كما في المبسوط، ورجح غيره الجواز. وقال الجصاص: عن أبي حنيفة في ذلك ثلاث روايات، إحداها: يتوضأ به ويشترط فيه النية، ولا يتيمم، وهذه هي المشهورة. وقال قاضي خان: هو قوله الأول، وبه قال زفر. والثانية: يتيمم ولا يتوضأ، رواها عنه نوح بن أبي مريم، وأسد بن عمر والحسن بن زياد، قال قاضي خان: وهو الصحيح عنه، والذي رجع إليها، وبها قال أبويوسف وأكثر العلماء، واختار الطحاوي هذا. والثالثة: روى عنه الجمع بينهما، وهذا قول محمد – انتهى. والثالث: من أنواع النبيذ ما أسكر ولا خلاف في عدم جواز الوضوء به. والرابع: ما ألقي فيه تمرات ولم يتغير أي لم يحل، وهذا مما لا خلاف في جواز الوضوء به. وقد ظهر من هذا التفصيل أن محل الاختلاف بين الأئمة الثلاثة وبين أبي حنيفة إنما هو القسمان الأولان والحق في ذلك قول الجمهور لأن النبيذ ليس بماء، وقال تعالى:{فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً} . واحتج لأبي حنيفة بحديث ابن مسعود هذا، وقد أجاب الجمهور عنه بأنه ضعيف لا يصح الاحتجاج به. قال القاري في المرقاة (ج1:ص344) : قال السيد جمال الدين: أجمع المحدثون على أن هذا الحديث ضعيف. وقال الحافظ في الفتح: هذا الحديث أطبق علماء السلف على تضعيفه – انتهى. وقال النووي: حديث النبيذ ضعيف باتفاق المحدثين. قلت: وضعفه العلماء لوجوه: منها أن في سنده أبازيد وهو مجهول قاله البخاري، وأبوأحمد الحاكم والترمذي وأبوزرعة وابن حبان وأبواسحق الحربي وابن عدى والنووي والبيهقي والحافظ وآخرون. وقال ابن عبد البر: اتفقوا على أن أبا زيد مجهول وأجاب عنه بعض الحنفية بأن جهالة أبي زيد لا تقدح في ثبوت الحديث بعد ورود المتابعات له، فقد تابعه جماعة عن ابن مسعود. قال العيني (ج3:ص180) : روى هذا الحديث أربعة عشر رجلاً عن ابن مسعود كما رواه أبوزيد. الأول أبورافع
عند الطحاوى (ج1:ص57) والحاكم. والثاني: رباح أبوعلي عند الطبراني في الأوسط. الثالث: عبد الله بن عمر عند أبي موسى الأصبهاني في كتاب الصحابة. الرابع: عمرو البكالي عند أبي أحمد في الكنى بسند صحيح. الخامس: أبوعبيدة بن عبد الله بن مسعود. والسادس: أبوالأحوص، وحديثهما عند محمد بن عيسى المدائني. فإن قلت: قال البيهقي: محمد بن عيسى المدائني واهي الحديث، والحديث باطل، قلت: قال البرقاني فيه: ثقة لا بأس به، وقال اللالكائي: صالح ليس يدفع عن السماع. السابع: عبد الله بن مسلمة عند الحافط أبي الحسن بن المظفر في كتاب غرائب شعبة. الثامن: قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عند ابن المظفر أيضاً بسند لابأس به. التاسع: عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي عند الإسماعيلي في جمعه حديث يحيى بن أبي كثير عن يحيى عنه. العاشر: عبد الله بن عباس عند ابن ماجه والطحاوي. الحادي عشر: أبووائل شقيق بن سلمة عند الدارقطني. الثاني عشر: ابن عبد الله، رواه أبوعبيدة بن عبد الله، عن طلحة بن عبد الله، عن أبيه أن أباه حدثه. الثالث عشر: أبوعثمان بن سنة عند أبي حفص بن شاهين في كتاب الناسخ والمنسوخ من طريق جيدة وخرجها الحاكم في مستدركه. الرابع عشر: أبوعثمان النهدى عند الدورقي في مسنده بطريق لا بأس بها - انتهى كلام العيني. قلت: لم يذكر العيني أسانيد هذه المتابعات حتى يعرف حالها وأنها تصلح للمتابعة أم لا. ولا يكفي تصحيحه لبعض تلك الأحاديث لأنه ليس من أهل هذا الشأن، فلا يعتمد على تصحيحه أبداً. وأنا أذكر الكلام في بعضها حسبما وقفت عليه فأقول: أما حديث أبي رافع عن ابن مسعود فقد رواه أيضاً أحمد (ج1:ص455) ، والدارقطني (ص28) ، وفي سنده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، قاله الدارقطني وغيره. قال صاحب العرف الشذى لم آخذ حديثه في باب الوضوء بالنبيذ لكونه سيء الحفظ. وأما حديث رباح أبي علي فأخرجه أيضاً البيهقي من طريق موسى بن علي بن رباح عن أبيه، عن ابن مسعود، وفيه أبوعبد الرحمن محمد بن الحسين، وروح بن الصلاح، وهما ضعيفان على أنه ليس فيه ذكر الوضوء بالنبيذ، وأما حديث عبد الله بن عمر وأماحديث عمرو البكالي فلعله هو ما أخرجه أحمد في مسنده (ج1:ص399) في حديث طويل لكن ليس فيه ذكر الوضوء بالنبيذ. وأما حديث أبي عبيده بن عبد الله بن مسعود، وأبي الأحوص فأخرجه أيضاً الدارقطني من حديث محمد بن عيسى بن حيان، عن الحسن بن قتيبة، عن يونس بن أبي اسحق، قال الدارقطني: تفرد به الحسن بن قتيبة عن يونس، والحسن بن قتيبة، ومحمد بن عيسى ضعيفان، وقال الدارقطني: لا يصح. وأما حديث عبد الله بن مسلمة وأما حديث قابوس بن أبي ظيبان فأخرجه أيضاً الطحاوي، وقابوس هذا فيه لين، على أنه ليس في حديثه ذكر الوضوء بالنبيذ. وأما حديث عبد الله بن عمرو بن غيلان فأخرجه أيضاً ابن جرير، وعبد الله بن عمرو هذا لا يعرف بجرح ولا تعديل. وأخرجه الدارقطني (ص29) ، عن معاوية بن سلام، عن أخيه زيد، عن جده أبي سلام عن ابن غيلان الثقفي أنه سمع عبد الله بن مسعود. قال الدارقطني: وابن غيلان هذا مجهول، قيل: اسمه عمرو، وقيل: عبد الله بن عمرو بن غيلان، ورواه أبونعيم في دلائل النبوة مطولاً من طريق الطبراني بسنده إلى معاوية بن سلام، عن زيد بن سلام، عن أبي سلام عن من حدثه عمرو بن غيلان الثقفي. قال ابن كثير: هذا إسناد غريب جداً، ولكن فيه رجل مبهم
لم يسلم. قلت: ومع ذلك ليس في رواية أبي نعيم هذه ذكر الوضوء بالنبيذ. وأما حديث عبد الله بن عباس فأخرجه أيضاً أحمد (ج1:ص398) والدارقطني (ص28) والطبراني في معجمه والبزار في مسنده، وفيه ابن لهيعة، وقد تفرد به، وهو ضعيف الحديث. وأما حديث أبي وائل ففيه الحسين بن عبيد الله العجلي، قال الدارقطني: يضع الحديث على الثقات - انتهى. ولم يذكر العيني كلام الدارقطني هذا،
فإن كان لا يدري فتلك مصيبة
…
... وإن كان يدري فالمصيبة أعظم
وأما حديث ابن عبد الله، فلم يذكر العيني من خرجه، فلا يدري في أي كتاب هو وكيف هو. وأما حديث أبي عثمان بن سنة الخزاعي، فأخرجه أيضاً ابن جرير، وليس فيه ذكر الوضوء بالنبيذ. وأما حديث أبي عثمان النهدي فلعله هو ما رواه البيهقي عنه أن ابن مسعود أبصر زطافي بعض الطريق، الحديث، أو ما رواه الترمذي في أبواب الأمثال من جامعه. وليس فيهما ذكر الوضوء بالنبيذ. ومن وجوه تضعيف حديث ابن مسعود في الوضوء بالنبيذ أن أبا زيد هذا كان نباذاً، قال الحافظ في تهذيب التهذيب (ج1:ص102) قال أبوداود: كان أبوزيد نباذاً بالكوفة. ومنها أن أبا زيد لا يعرف سماعه من ابن مسعود قال البخاري: أبوزيد مجهول لا يعرف بصحبة عبد الله، وقال ابن المديني: أخاف أن لا يكون أبوزيد سمعه من عبد الله. وقال أبوحاتم: لم يلق أبوزيد عبد الله. ومنها أن الراوي عن أبي زيد أبا فزارة راشد بن كيسان العبسي قال ابن حبان فيه: أنه مستقيم الحديث إذا كان فوقه ودونه ثقة، فأما مثل أبي زيد مولى عمرو بن حريث الذي لا يعرفه أهل العلم فلا. كذا في تهذيب التهذيب (ج3ص227) . ومنها أنه معارض بما هو أقوى منه، وهو ما روى مسلم عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: لم أكن ليلة الجن مع النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا نص على أن ابن مسعود لم يشهد ليلة الجن، فلم يكن ما روى عنه في الوضوء بالنبيذ في هذه الليلة ثابتاً. قال الطحاوي: إن حديث ابن مسعود روي من طريق لا تقوم بمثلها حجة. وقد قال عبد الله بن مسعود: إني لم أكن ليلة الجن مع النبي صلى الله عليه وسلم، وددت أني كنت معه. وسئل أبوعبيدة هل كان أبوك ليلة الجن مع النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال لا. مع أن فيه انقطاعاً، لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، ولم نعتبر فيه اتصالاً ولا انقطاعاً، ولكنا احتججنا بكلام أبي عبيدة لأن مثله في تقدمه في العلم ومكانه من أمره لا يخفى عليه مثل هذا، فجعلنا قوله حجة فيه. ذكره الزيلعي في نصب الراية (ج1: ص146) قال بعض الحنفية: إن ليلة الجن كانت غير مرة، فإنكار المعية في مرة من تلك المرات لا يستلزم إنكار معيته في التارة الأخرى. وذكر بعضهم أنه وقع ذهاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجن في مكة ثلاث مرات، لم يحضر ابن مسعود أول مرة منها، وهي التي نفى ابن مسعود حضوره فيها في رواية مسلم، وحضرها في المرتين الأخريين، مرة بالحجون جبل بمكة، ومرة بأعلى مكة قد غاب عليه السلام في الجبال فيها، ووقع في المدينة أيضاً ثلاث مرات، منها واقعة بقيع الغرقد، قد حضرها ابن مسعود، كما رواه أبونعيم في دلائل النبوة. قلت: المشهور عند الصحابة والتابعين من ليلة الجن هي ليلة واحدة فقط ولم يحضرها ابن مسعود وأما بقية المرات التي يقال إنه حضرها هو فلم تثبت. وجمع بعضهم بأن ابن مسعود لم يكن عند المخاطبة وتعليم الأحكام، وإنما كان بعيداً منه. قلت: إنما يحتاج إلى الجمع إذا تساوت طرق الحديث في القوة، وتعارضت. وأما إذا كان أحدها
ضعيفاً والآخر قوياً فلا، لعدم التعارض حينئذٍ، بل يقدم القوي على الضعيف، لأن القوي لا يؤثر فيه مخالفة الضعيف، وأيضاً قد نفى ابن مسعود شهوده ليلة الجن مطلقاً، ولم يقيده بحال دون حال، فتخصيص إنكاره بوقت دون وقت من غير قرينة مما لا يصغي إليه. وقال بعضهم إن حديث النفي قد أسقط الرواة منه حرفاً. قال ابن قتيبة في مختلف الحديث (ص119) بعد ما ذكر حديثاً أسقط الرواة منه حرفاً فاختل بسببه المعنى: وهذا مثل قول ابن مسعود في ليلة الجن: ما شهدها أحد غيري، فأسقط الراوي"غيري" قلت: هذه مجرد دعوى من غير بينه ولا برهان، فلا يلتفت عليها، فإن نسبة الغلط والإسقاط إلى الثقات العدول من غير دليل مما يرفع الأمان من السنن النبوية، وأما الاستشهاد على ذلك بما رواه الحاكم في المستدرك (ج2:ص503) عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه وهو بمكة:" من أحب منكم أن يحضر الليلة أمر الجن فليفعل، فلم يحضر منهم أحد غيري"، الحديث. ففيه أن في سنده أبا عثمان بن سنة الشامي، وهو مجهول، قال أبوزرعة: لا أعرفه. وقال الذهبي في الميزان: ما أعرف روى عنه غير الزهري- انتهى. ولذا لم يصححه الحاكم. وقال الذهبي في تلخيصه: هو صحيح عند جماعة- انتهى. ولم يذكر الذهبي أسماء الجماعة حتى يعرف مرتبتهم في تصحيح الحديث وتضعيفه، ولو سلم صحته فهو مخالف ومناقض لما هو أقوى منه أن ابن مسعود قال: لم أكن ليلة الجن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أنه ليس في رواية الحاكم هذه ذكر الوضوء بالنبيذ. وقال بعضهم: إن المثبت مقدم على النافي. قلت: هذا إذا كانت رواية الإثبات مساوية لرواية النفي في القوة والصحة، وأما إذا كانت رواية الإثبات ضعيفة، فالترجيح لرواية النفي لقوتها وصحتها. وقد علمت أن رواية إنكار ابن مسعود لشهوده ليلة الجن صحيحة لا تقاومها رواية الإثبات. ومن وجوه الطعن في حديث ابن مسعود هذا أنه مخالف لكتاب الله، لأن الله تعالى قال:{فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيباً} ، والنبيذ ليس بماء. قال الزيلعي في نصب الراية (ج1:ص146) أنه عليه السلام قال: هل معك ماء؟ قال: لا. فدل على أن الماء استحال في التمر حتى سلب عنه اسم الماء وإلا لما صح نفيه عنه- انتهى. أو يقال: إن ماء النبيذ لا يسمى ماء مطلقاً، فواجده ليس واجد ماء، فيجب عليه التيمم بنص الكتاب، وعلى تقدير صحة الحديث كان ينبغي لأولئك أن يؤولوا هذا الحديث ليوافق الآية، على أن تلك التمرات الملقاة في الماء لم تغيره، وتسمية ابن مسعود له نبيذاً من المجاز الأول، أو المراد به الوضع اللغوي وهو ما ينبذ فيه شيء وإن لم يغيره وأجاب أيضاً الجمهور عن حديث ابن مسعود هذا بأنه لو كان صحيحاً وهو غير صحيح، فهو من أحاديث الآحاد، فلا يعارض الكتاب ولو صلح معارضاً لكان منسوخاً بآيتي النساء والمائدة، لأنهما مدنيتان بلا خلاف. وحديث ابن مسعود هذا إنما زعم رواته أنه كان ليلة الجن في مكة وهي قبل الهجرة. قال السندهي: قد اعترف المحققون كالنووي، والتوربشتي، والمحقق ابن الهمام بقوة هذا الكلام، وقال المحقق: إنه الذي مال إليه المتأخرون-انتهى. وقال صاحب البذل (ج1:ص55) بعد ذكر رواية التيمم عن أبي يوسف: وهي الرواية المرجوع إليها عن أبي حنيفة وقوله الأخير، وعليه الفتوى، واختاره الطحاوي، وهو المذهب المصحح المختار عندنا، لأن الحديث وإن صح آية التيمم ناسخة له إذ هي مدنية- انتهى. وقال الطحاوي في شرح الآثار (ج1:ص58) قد أجمع الناس على أنه لا يجوز الوضوء به أي:
485-
(8) وصح عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قال:((لم أكن ليلة الجن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم)) . رواه مسلم.
486-
(9) وعن كبشة بنت كعب بن مالك - وكانت تحت ابن أبي قتادة - أن أباه قتادة دخل عليها، فسكبت له وضوءاً، فجاءت هرة تشرب منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة: فرآني أنظر إليه، فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟
ــ
بالنبيذ مع وجود الماء، فكذلك هو عند فقد الماء. والمروى في حديث ابن مسعود أنه توضأ به إنما هو، وهو عليه السلام غير مسافر، لأنه خرج من مكة يريدهم، فهو في حكم استعماله له بمكة، فلو ثبت ذلك جاز الوضوء به في حال وجود الماء فلما أجمعوا على خلاف ذلك ثبت طرحهم لهذا الحديث، وهو النظر عندنا- انتهي ملخصاً.
485-
قوله: (عن علقمة) هو علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي، ثقة، ثبت، فقيه، عابد، من كبار التابعين، كان أعلم الناس وأشبههم هدياً ودلاً وسمتاً بابن مسعود، مات بعد الستين، وقيل: بعد السبعين. (لم أكن ليلة الجن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم) لا عند المخاطبة وتعليم الأحكام إياهم، ولا قبل ذلك، ولا بعد. قال ابن مسعود: ووددت أني كنت معه. وفيه رد على ابن قتيبة وغيره ممن تأويل الحديث بأنه لم يكن منا أحد أي: غيري. (رواه مسلم) من طريق أبي معشر عن إبراهيم عن علقمة في باب الجهر بالقراءة في الصبح، والقراءة على الجن من كتاب الصلاة. وأخرجه أحمد ومسلم فيه والترمذي في تفسير سورة الأحقاف من طريق داود عن الشعبي، عن علقمة مطولاً، وأبوداود في الطهارة مختصراً.
486-
قوله: (وعن كبشة) بفتح الكاف وسكون الموحدة بعدها شين معجمة. (بنت كعب بن مالك) الأنصارية زوجة عبد الله بن أبي قتادة، قال ابن حبان: لها صحبة. وتبعه الزبير بن بكار، وأبوموسى، والمستغفري، وقال الخزرجي في الخلاصة، والحافظ في اللسان (ج6:ص860) : وثقها ابن حبان وصحح الترمذي حديثها. (وكانت تحت ابن أبي قتادة) أي: كانت زوجة ولده عبد الله، وهو عبد الله بن أبي قتادة السلمي الأنصاري المدني ثقة من أوساط التابعين، توفي سنة (95) ، روى عن أبيه وجابر، وعنه جماعة. (أن أباقتادة) تقدم ترجمته. (دخل عليها) أي: على كبشة. (فسكبت) بصيغة المتكلم، ففي رواية الترمذي: قالت: فسكبت له، ويحتمل أن يكون بسكون التاء على التأنيث. (له) أي: لأبي قتادة. (وضوء) بفتح الواو أي: ماء الوضوء في إناء. (تشرب منه) أي: تريد الشرب من الماء الذي كان في الإناء، والجملة حال أو صفة. (فأصغى لها الإناء) أي: أماله للهرة ليسهل عليها الشرب. (فرآني أنظر إليه) أي: فرآني أبوقتادة والحال أني أنظر إلى شرب الهرة الماء من الإناء نظر المنكر المتعجب، أو أنظر إلى فعل أبي قتادة متعجبة، فقال أبوقتادة:(أتعجبين؟) أي: بشربها من وضوئي، أو بإصغائي لها الإناء. (يا ابنة أخي) المراد أخوة الإسلام. ومن عادة العرب
قالت: فقلت: نعم. فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم أو الطوافات)) . رواه مالك، وأحمد، والترمذي، وأبوداود، والنسائي، وابن ماجة، والدارمي.
ــ
أن يدعوا بيا ابن أخي، ويا ابن عمي، وإن لم يكن أخاً أو عماً له في الحقيقة. (فقلت: نعم) أتعجب منه. (فقال) أي: لا تعجبي (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنها ليست بنجس) بفتح الجيم، قاله المنذري، والنووي وابن دقيق العيد، وابن سيد الناس. وقال السندي: بفتحتين مصدر نجس الشيء بالكسر، فلذلك لم يؤنث كما لم يجمع في "إنما المشركون نجس" والصفة منه نجس بكسر الجيم وفتحها. ولو جعل المذكور في الحديث صفة يحتاج التذكير إلى التأويل، أي: ليست ينجس ما تلغ فيه - انتهى. وذكر الكازروني: أن بعض الأئمة قال: هو بفتح الجيم. والنجس النجاسة، فالتقدير: إنها ليست بذات نجس. وفيما سمعنا وقرأنا على مشائخنا هو بكسر الجيم، وهو القياس، أي: ليست بنجسة، ولم يلحق التاء نظراً إلى أنها بمعنى السنور. (إنها) استيناف فيه معنى التعليل. (من الطوافين عليكم أو الطوافات) قيل: هو شك من الراوي، وقيل: ليست للشك لوروده بالواو في رواية أبي داود وغيره، بل للتنويع، ويكون ذكر الصنفين من الذكور والإناث يريد أن هذا الحيوان لا يخلو أن يكون من جملة الذكور الطوافين أو الإناث الطوافات. ومحصل الكلام أنه شبه ذكور الهر بالطوافين وإناثها بالطوافات، والجمع بالواو والنون في الذكور تشبيهاً له بالعبيد والخدم العقلاء الذي يدخلون على الإنسان ويطوفون حوله للخدمة، كقوله تعالى:{طوافون عليكم} [58:24] وهذا إشارة إلى علة الحكم بطهارتها، وهي أنها كثيرة الدخول والاتصال بأهل المنزل وبما في منزلهم، ففي الحكم بنجاستها حرج، وهو مدفوع. والحديث دليل على أن ذات الهرة طاهرة، وأن سؤرها غير نجس، وأن الوضوء منه وكذا الشرب غير مكروه، وحديث عائشة الآتي نص في ذلك. وفيه رد على من قال: إن سؤر الهرة مكروه بكراهة تحريمية أو تنزيهية. وارجع للتفصيل إلى شرح الترمذي لشيخنا الأجل المباركفوري. (رواه مالك) عن اسحق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة، عن كبشة. قال البخاري: جود مالك بن أنس هذا الحديث، وروايته أصح من رواية غيره. وقال الحاكم: قد صحح مالك هذا الحديث، واحتج به في موطئه، وقد شهد البخاري ومسلم لمالك أنه الحكم في حديث المدنيين، فوجب الرجوع إلى هذا الحديث في طهارة الهرة. (وأحمد والترمذي) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وهذا أحسن شيء في هذا الباب. وقد جود مالك هذا الحديث عن اسحق بن عبد الله، ولم يأت به أحد أتم من مالك. (وأبوداود) وسكت عنه، ونقل المنذري تصحيح الترمذي وكلام البخاري، وأقرهما. (والنسائي وابن ماجه والدارمي) وأخرجه أيضاً الشافعي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والدارقطني، والبيهقي. قال الحافظ: وصححه البخاري، والعقيلي، والدارقطني، وابن خزيمة.
487-
(10) وعن داود بن صالح بن دينار، عن أمه، أن مولاتها أرسلتها بهريسة إلى عائشة. قالت: فوجدتها تصلي، فأشارت إلى أن ضعيها. فجاءت هرة فأكلت منها. فلما انصرفت عائشة من صلاتها، أكلت من حيث أكلت الهرة. فقالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم. وإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بفضلها)) . رواه أبوداود.
ــ
487-
قوله: (وعن داود بن صالح بن دينار) التمار المدني مولى الأنصار، قال أحمد: لا أعلم به بأساً. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الحافظ: صدوق من صغار التابعين، روى عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، والقاسم، وسالم، وأبي سلمة، وأبيه صالح، وأمه وغيرهم. (عن أمه) أي: والدة داود بن صالح، وهي مجهولة لم يذكرها إلا الذهبي في الميزان، فقال في آخر كتابه في من لم تسم من النساء: والدة داود بن صالح التمار عن عائشة، وعنها ابنها، ولم يزد على ذلك، وهذا ظاهر في أنها لا تعرف. (أن مولاتها) أي: مولاة أمه أي: معتقة أم داود بصيغة المعلوم ولم تسم أيضاً. (أرسلتها) أي: أم داود (بهريسة) فعلية بمعنى مفعولة، هرسها من باب قتل أي: دقها، وفي النوادر الهريس الحب المدقوق بالمهراس قبل أن يطبخ فإذا طبخ فهو الهريسة بالهاء، وفي بعض كتب اللغة الهريس والهريسة طعام يعمل من الحب المدقوق واللحم. (قالت) أي: أمه. (فوجدتها) أي: عائشة. (فأشارت) أي: عائشة باليد أو بالرأس. (أن ضعيها) أي: الهريسة وأن مفسرة لمعنى القول في الإشارة. وفيه إن مثل هذه الأشياء جائزة في الصلاة، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة الإشارة في الصلاة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وسيأتي الكلام في هذه المسألة في موضعها إن شاءالله تعالى. (فأكلت منها) أي: بعضها (أكلت من حيث أكلت الهرة) أي: من محل أكلها. (إنها من الطوافين عليكم) قال القاري: ظاهره أن أو فيما تقدم للشك، ويمكن أن يكون هنا اقتصاراً، أو يحمل على التغليب. (وإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بفضلها) أي: بسؤر الهرة وفيه رد صريح على الطحاوي حيث قال في الجواب عن حديث أبي قتادة المتقدم: أنه محمول على مماسة الثياب وغيرها، فإن المرفوع منه قوله عليه السلام: ليست بنجس، لا يثبت طهارة سؤرها، والاصغاء فعل أبي قتادة، مستدلاً بهذا المرفوع، لأن حديث عائشة هذا نص في أن التوضوء بسؤرها من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، على أن قوله صلى الله عليه وسلم: ليست بنجس، ظاهر في طهارة ذاتها وطهارة سؤرها المتولد من لحمها الطاهر، وهو الذي فهمه أبوقتادة وعائشة، مع أنه لا دليل فيه على حمله على مماسة الثياب، فجواب الطحاوي مردود عليه لبطلانه. (رواه أبوداود) وسكت عنه هو والمنذري، وأخرجه أيضاً الدارقطني، والبيهقي كلهم من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن داود. قال الدارقطني رفعه الدراوردي عن داود بن صالح، ورواه عنه هشام بن عروة موقوفاً على عائشة – انتهى. قلت: عبد العزيز الدراوردي صدوق، وثقه مالك والنسائي وابن معين وابن سعد، وغيرهم. نعم في سنده أم داود، وهي مجهولة. وفي الباب أحاديث أخرى
488-
(11) وعن جابر، قال:((سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: نعم وبما أفضلت السباع كلها)) . رواه في شرح السنة.
489-
(12) وعن أم هانئ، قالت:((اغتسل رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وميمونة في قصعة فيها اثر العجين)) .
ــ
عن عائشة، وأنس، ذكرها الزيلعي في نصب الراية، والهيثمي في مجمع الزوائد، وهي تؤيد حديث الدراوردي، عن داود، عن أمه، عن عائشة.
488-
قوله: (بما أفضلت الحمر) أي: الأهلية، بضمتين جمع حمار، أي: أبقته من فضالة الماء الذي تشربه. (وبما أفضلت السباع كلها) فيه دليل على طهارة سؤر الحمر والسباع خلافاً لمن قال: إن سؤر السباع كلها نجس، وسؤر الحمار مشكوك، قالوا: الحديث محمول على الحياض والغدران، أي: الماء الكثير وإلا لزم طهارة سؤر الكلاب أيضاً، لأن التأكيد بكل يجعل العام محكماً في العموم، فلا يقبل التخصيص. وقال من ذهب إلى طهارة سؤر السباع: إن الكلب والخنزير مخصوصان من عموم الحديث بالأدلة الأخرى القاضية بنجاستها. والحديث عام للأواني الصغيرة والحياض في الفلوات، فتخصيصه بالحياض تخصيص من غير دليل. وحديث القلتين لا يدل على نجاسة سؤر السباع كما ظن هؤلاء، فإن منشأ السؤال أن المعتاد من السباع إذا وردت المياه أن تخوض فيها وتبول، وربما لا تخلوا أعضائها من لوث أبوالها ورجعيها. وأيضا جوابه صلى الله عليه وسلم في حديث القلتين عموم كلي لا مطابقي فتأمل. (رواه في شرح السنة) وأخرجه أيضاً الشافعي (ص3) والدارقطني (ص23) والبيهقي في المعرفة، وفي السنن (ج1:ص249) وقال: له أسانيد إذا ضم بعضها إلى بعض كانت قوية قاله الشوكاني. قلت: الحديث رواه الدارقطني من طريقين، في أحدهما إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، وهو متروك، وفي الثاني إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة هو ضعيف، وقد ضعف الدارقطني هذا الحديث بسببهما.
489-
قوله: (وعن أم هانئ) بالهمزة هي بنت أبي طالب الهاشمية، اسمها فاختة، وقيل: هند. وهي شقيقة علي وإخوته، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبها في الجاهلية، وخطبها هبيرة بن أبي وهب، فزوجها أبوطالب من هبيرة، وأسلمت يوم الفتح، ففرق الإسلام بينها وبين هبيرة. وخطبها النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: والله إن كنت لأحبك في الجاهلية، فكيف في الإسلام، ولكني امرأة مصبية، فسكت عنها. لها ستة وأربعون حديثا، اتفقا على حديث، روى عنها جماعة. (اغتسل رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وميمونة) بالرفع، وقيل: بالنصب. (في قصعة) أي: من قصعة، وهي بفتح الكاف وسكون الصاد ظرف كبير. (فيها أثر العجين) هو الدقيق المعجون بالماء، من عجن الدقيق. (من بابي ضرب ونصر) اعتمد عليه بجمع كفه يغمزه، والظاهر أن أثر العجين في تلك القصعة لم يكن كثيراً مغيراً للماء، وهذا يدل على أن الطاهر القليل لا