الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(9) باب المسح على الخفين
{الفصل الأول}
519-
(1) عن شريح بن هانئ، قال: سألت: علي بن أبي طالب عن المسح على الخفين، فقال:
((جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم)) . رواه مسلم.
520-
وعن المغيرة بن شعبة: أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك. قال المغيرة: فتبرز رسول الله صلى الله عليه وسلم
ــ
(باب المسح على الخفين) أي: باب ذكر أدلة شرعية على ذلك، وما يتعلق به من التوقيت في المسح، وبيان محله، وشرطه، والمسح إصابة اليد المبتلة بالعضو، وإنما عدي بعلى إشارة إلى موضعه، وهو فوق الخف دون داخله وأسفله على ما ورد مخالفاً للقياس. والخف نعل من أدم يغطي الكعبين، والجورب لفافة الرجل من أي شيء كان من الشعر، أو الصوف أو الكرباس، أو الجلد ثخيناً أو رقيقاً إلى ما فوق الكعب يتخذ للبرد. والمسح على الخفين ثابت بالسنة كما سترى. وقد صرح جمع من الحفاظ بأن المسح على الخفين متواتر، وجمع بعضهم رواته، فجاوزوا الثمانين، ومنهم العشرة. وقال الحسن البصري: حدثني سبعون من الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمسح على الخفين. أخرجه ابن أبي شيبة. وذكر أبوالقاسم بن منده أسماء من رواه في تذكرته، فكانوا ثمانين صحابياً. وذكر الترمذي والبيهقي في سننهما، وابن عبد البر في الاستذكار منهم جماعة. قال النووي: أجمع من يعتد به في الإجماع على جواز المسح على الخفين في السفر والحضر سواء كان لحاجة أو لغيرها.
519-
قوله: (عن شريح) بالتصغير (بن هانئ) بالهمزة على وزن فاعل، أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وبه كنى النبي صلى الله عليه وسلم أباه هانئ بن يزيد، فقال: أنت أبوشريح. وشريح من جملة أصحاب علي رضي الله عنه، كذا ذكره المصنف في أسماء رجاله في عداد الصحابة، وقد تقدم أنه مخضرم تابعي، فكأن المصنف تبع ابن عبد البر في ذكر المخضرمين مع الصحابة. (عن المسح) أي: عن مدته. (ثلاثة أيام ولياليهن) بفتح الياء. (للمسافر ويوما وليلة للمقيم) فيه دليل لما ذهب إليه جمهور العلماء من توقيت المسح بثلاثة أيام للمسافر، ويوم وليلة للمقيم، وهو الحق والصواب، لما ورد في التوقيت بذلك أحاديث عن أكثر من عشرة من الصحابة. وإنما زاد في المدة للمسافر لأنه أحق بالرخصة من المقيم لمشقة السفر واختلفوا في ابتداء مدة المسح، فقال كثير من العلماء: إن ابتداء المدة من حين الحدث بعد لبس الخف لا من حين اللبس ولا من حين المسح. ونقل عن أحمد أنه قال: إن ابتداءها من وقت اللبس. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان.
520-
قوله: (فتبرز) أي: خرج إلى البراز، وهو الفضاء الواسع فكنوا به عن قضاء الحاجة
قبل الغائط، فحملت معه إداوة قبل الفجر، فلما رجع أخذت أهريق على يديه من الإداوة، فغسل يديه ووجهه، وعليه جبة من صوف، ذهب يحسر عن ذراعيه، فضاق كم الجبة، فأخرج يديه من تحت الجبة، وألقى الجبة على منكبيه، وغسل ذراعيه، ثم مسح بناصيته وعلى العمامة، ثم أهويت لأنزع خفيه، فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما،
ــ
(قبل الغائط) بكسر القاف وفتح الباء. أي: جانبه لقضاء الحاجة. والغائط هو المكان المطمئن في الفضاء أو المكان المنخفض من الأرض. (فحملت معه) أي: ذاهبا معه. (إداوة) بكسر الهمزة، أي: إناء من ماء أخذ المغيرة من أعرابية صبته له من قربة جلد ميتة دبغته، وأخذ الماء ليتوضأ به لا ليستنجى. (قبل الفجر) أي: قبل صلاة الصبح وبعد طلوع الفجر. (فلما رجع) من قضاء الحاجة. (أخذت) أي: شرعت. (أهريق على يديه من الإداوة) أي: أصب الماء. وفيه دلالة على جواز الاستعانة في الطهارة بصب الماء. (فغسل يديه) أي: كفيه. (ووجهه) لا دلالة فيه على عدم وجوب المضمضة والاستنشاق في الوضوء كما زعم ابن حجر لاحتمال عدم ذكره لهما إما اختصاراً أو نسياناً، أو لكونهما داخلين في حد الوجه من وجه على ما حققه في محله، ومع تحقق الاحتمال لا يصح الاستدلال، قاله القاري. قلت: قد وقع ذكر المضمضة والاستنشاق عند البخاري في الجهاد ففيه: أنه تمضمض واستنشق وغسل وجهه. (وعليه) أي: على بدنه، والواو للحال. (جبة) أي: شامية من جباب الروم. (ذهب) أي: شرع وأخذ، وهو استئناف. (يحسر) من باب ضرب أي: يكشف كميه. (عن ذراعيه) أي: ليغسلهما. (فضاق كم الجبة) بحيث لم يقدر على أن يخرج يديه إلى المرفقين عن كمي الجبة من غاية ضيقهما. (وألقى الجبة) أي: ذيلها. (وعلى العمامة) تحصيلاً وتكميلاً للاستيعاب الواجب. (ثم أهويت) أي: مددت يدي. وقيل: قصدت الهوى من القيام إلى القعود. وقيل: الإهواء إمالة اليد إلى شيء ليأخذه، أي: انحنيت. (لأنزع خفيه) كأنه لم يكن قد علم برخصة المسح، أو علمها وظن أنه صلى الله عليه وسلم سيفعل الأفضل بناء على أن الغسل أفضل، أوجوز أنه لم يحصل شرط المسح وهذا الأخير أقرب لقوله:(دعهما) أي: أتركها ولا تنزعها عن رجلي. (فإني أدخلتهما) أي: القدمين. (طاهرتين) أي: لبستهما حال كون قدمي طاهرتين. وفيه دليل على أن الشرط لمسح الخفين طهارة القدمين وقت اللبس. ويلزم منه اشتراط تمام الوضوء عند من يقول بوجوب الترتيب في الوضوء، ولا يلزم عند غيره كما لا يخفى. والراجح هو القول الأول، لقوله: صلى الله عليه وسلم " إذا تطهر ولبس خفيه) . في حديث أبي بكرة الآني في الفصل الثاني. ولحديث صفوان بن عسال عند أحمد وغيره: قال: أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر- الحديث. ولحديث أنس مرفوعاً: إذا توضأ أحدكم فلبس خفيه فليمسح عليهما- الحديث. أخرجه الدارقطني والحاكم وصححه. قال الأمير اليماني: تقييد اللبس والمسح ببعد الوضوء دليل على أنه أريد بالطهارة في حديث المغيرة وما في معناه الطهارة المحققة من الحدث الأصغر. (فمسح عليهما) فيه رد على من زعم أن المسح على
ثم ركب فركبت، فانتهينا إلى القوم، وقد قاموا إلى الصلاة ويصلي بهم عبد الرحمن بن عوف، وقد ركع بهم ركعة، فلما أحس بالنبي صلى الله عليه وسلم، ذهب يتأخر فأومأ إليه، فأدرك النبي صلى الله عليه وسلم إحدى الركعتين معه. فلما سلم، قام النبي صلى الله عليه وسلم، وقمت معه، فركعنا الركعة التي سبقتنا)) . رواه مسلم.
ــ
الخفين منسوخ بآية المائدة لأنها نزلت في غزوة المريسيع، وهذه القصة كانت في غزوة تبوك، وهي بعدها باتفاق، إذ هي آخر المغازي. (فانتهينا) أي: وصلنا. (وقد قاموا إلى الصلاة) أي: صلاة الصبح، جملة حالية. (ويصلي بهم) أي: والحال أنه يصلي إماماً لهم. وفي مسلم: وقد قاموا في الصلاة يصلي بهم. (عبد الرحمن بن عوف) بن عبدعوف بن عبدبن الحارث بن زهرة القرشي الزهري أبومحمد المدني، أحد العشرة، ولد بعد الفيل بعشر سنين، وأسلم قديماً على يد أبي بكر الصديق، وهاجر إلى الحبشة الهجرتين، وأحد الستة، شهد بدراً والمشاهد كلها، وكان اسمه عبد الكعبة، ويقال: عبدعمرو، فغيره النبي صلى الله عليه وسلم. أصيب يوم أحد، وجرح عشرين جراحة أو أكثر فأصابه بعضها في رجله فعرج. قال الزهرى: تصدق على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بأربعة آلاف، ثم بأربعين ألف دينار، ثم حمل على خمس مائة فرس، ثم على خمس مائة راحلة. وكان عامة ماله من التجارة. وأوصى لنساء النبي صلى الله عليه وسلم بحديقة قومت بأربعمائة ألف. ومناقبه كثيرة شهيرة. له خمسة وستون حديثاً، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بخمسة. مات سنة (34) . وقيل:(33) . وقيل (31) . قال بعضهم: وله (75) سنة، ودفن بالبقيع. (فلما أحس بالنبي) أي: علم بمجيئة. (ذهب يتأخر) من موضعه ليتقدم النبي صلى الله عليه وسلم. (فأومأ إليه) أي: أشار إليه أن يكون على حاله. (فأدرك النبي صلى الله عليه وسلم إحدى الركعتين معه) أي:اقتدى به في الركعة الثانية. وفيه جواز اقتداء الفاضل بالمفضول، وأن الأفضل تقديم الصلاة في أول الوقت، فإنهم فعلوها أول الوقت، ولم ينتظروا النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الإمام الراتب إذا أخر عن أول الوقت استحب للجماعة أن يقدموا أحدهم فيصلي بهم. (فلما سلم) أي: عبد الرحمن. (قام النبي) أي: لأداء ما سبق. فيه أن من سبقه الإمام ببعض الصلاة أتى بما أدرك، فإذا سلم أتى بما بقي عليه، ولا يسقط ذلك عنه. وفيه إتباع المسبوق للإمام في فعله في ركوعه، وسجوده، وجلوسه، وإن لم يكن ذلك موضع فعله للإمام، وإنما المسبوق إنما يفارق الإمام بعد سلام الإمام. (فركعنا) أي: صلى كل منا منفرداً، ويحتمل على بعد أن يكون المعنى: صليت معه مقتدياً به في الركعة التي فاتتنا، فيكون دليلاً على جواز إمامة المسبوق، ولا يخفى ما في هذا الاستدلال من الضعف والوهن، لأن ضمير الجمع يكفي له الاشتراك في أصل القضاء، ولا يقتضي ذلك التبعية بحيث أن يكون أحدهما إماماً للآخر في قضاء ما فاتتهما من الركعة، ولو سلم فهي واقعة حال تحتمل الخصوصية وغير ذلك. (رواه مسلم) للحديث طرق وألفاظ عند مسلم ليس السياق المذكور من أوله إلى آخره، أي: بتمامه في طريق منها، بل هو مأخوذ مركب من عدة طرق عنده كما لا يخفى على من تأمل في طرقه وألفاظه. وأصل الحديث متفق عليه بين الشيخين وله ألفاظ في الصحيحين، وأبي داود، والنسائي وابن ماجه، أخرجوه مطولاً ومختصراً، أورده مسلم في الطهارة والصلاة