الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التفسير والبيان:
اذكر يا محمد لقومك قصة خلق أبيهم آدم، حين قال الله للملائكة: إني متخذ في الأرض خليفة، يقوم بعمارتها وسكناها، وينفذ أحكامي فيها بين الناس، وتتعاقب الأجيال من بعده في مهامه كلها حتى يعمر الكون، فتساءل الملائكة متعجبين ومستعلمين: كيف تستخلف هذا الخليفة؟ وفي ذريته من يفسد في الأرض بالمعاصي ويريق الدماء بالبغي والعدوان، لأن أفعالهم عن إرادة واختيار، وقد خلقوا من طين، والمادة جزء منهم، ومن كان كذلك فهو إلى الخطأ أقرب.
فكيف تجعل-على سبيل التعجب والتعلم، لا الاعتراض والحسد-مكان أهل الطاعة أهل المعصية، وأنت الحكيم الذي لا يفعل إلا الخير، ولا يريد إلا الخير؟ فإن قلت: من أين عرفوا ذلك حتى تعجبوا منه، وإنما هو غيب؟ قلت: عرفوه بإخبار من الله، أو من جهة اللوح المحفوظ، أو ثبت في علمهم أن الملائكة وحدهم هم الخلق المعصومون، وكل خلق سواهم ليسوا على صفتهم، أو قاسوا أحد الثقلين وهم الإنس على الآخر وهم الجن، حيث أسكنوا الأرض، فأفسدوا فيها قبل سكنى الملائكة
(1)
. أو أنهم عرفوا طبيعة المادة وفيها الخير والشر، وهو ما رجحناه أولا، ويقال: كان هناك نوع من الخلق في الأرض قبل آدم، أفسد وسفك الدماء، وسيحل هذا الخليفة محله، بدليل قوله تعالى:
{ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ} [يونس 14/ 10] فقاس الملائكة هذا الخليفة عليه.
(1)
الكشاف: 209/ 1، تفسير الطبري: 157/ 1
ونحن الملائكة أولى بالاستخلاف، لأن أعمالنا مقصورة على تسبيحك وتقديسك وطاعتك، فأجابهم الله تعالى: إني أعلم من المصلحة في استخلافه ما هو خفي عنكم، وأعلم كيف تصلح الأرض، وكيف تعمر، ومن هو أصلح لعمارتها، ولي حكمة في خلق الخليقة لا تعلمونها. ولعل التنافس على المصالح بين الناس وتنازع البقاء، وحب الذات من أقوى الدواعي على تقدم الكون وتحضر العالم، فبالخير والشر تصلح الدنيا وتعمر، وبها تظهر حكمة إرسال الرسل، واختبار البشر، وجهاد النفس. وفي هذا إرشاد الملائكة أن يعلموا أن أفعاله تعالى في غاية الحكمة والكمال.
ثم عقد الرب سبحانه امتحانا للملائكة، لإظهار عجزهم، وإبطال زعمهم أنهم أحق بالخلافة من خليفته، بعد أن علّم آدم أسماء الأشياء والأجناس المادية من نبات وجماد وإنسان وحيوان، مما تعمر به الدنيا، ثم عرض مجموعة المسميات على الملائكة، أو عرض نماذج منها، أي عرض الأشخاص، لقوله تعالى:
{عَرَضَهُمْ} لأن العرض لا يصح في الأسماء، وقال لهم: أخبروني بأسماء هؤلاء، إن كنتم صادقين في ادعائكم أنكم أحق بالخلافة من غيركم، فعجزوا، وقالوا:
يا رب سبحانك، لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم بكل شيء، الحكيم في كل صنع.
وفي هذا إشارة لتفضيل آدم على الملائكة واصطفائه، بتعليمه ما لم تعلمه الملائكة، فلا يكون لهم فخر عليه.
ثم قال المولى جل جلاله: أخبرهم يا آدم بأسماء الأشياء التي عجزوا عن علمها، واعترفوا بقصورهم عن معرفتها، فلما أخبرهم بكل أسماء تلك الأشياء، أدركوا السر في خلافة آدم وذريته، وأنهم لا يصلحون للاشتغال بالماديات، والدنيا لا تقوم إلا بها، إذ هم خلقوا من النور، وآدم خلق من الطين، والمادة جزء منه.