الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فقه الحياة أو الأحكام:
إن دين الله وتكاليفه يسر لا عسر، فهو يمتاز بشيئين أساسيين هما: التعقل والمنطق، والقيام بالواجب قدر الطاقة والوسع، دون إعنات ولا إرهاق. وليست مهمة الأنبياء لقسر الناس وإكراههم على الإيمان والاعتقاد الحق، وإنما هي محصورة بالتبليغ والبيان، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، والنّبي بعد التبليغ لا يكون مسئولا عنهم ولا مؤاخذا بكفر من كفر بعد التبشير والإنذار.
وإن المساومات الرخيصة على العقيدة الحقة لا تفيد شيئا، ولا تحقق هدفا.
وإن من يتمسك بدينه الأصلي حتى ولو كان من اليهود والنصارى فلا بد من أن يؤديه دينه الذي لم يبدله ولم يحرفه إلى الاستمساك بالقرآن والإقرار بنبوة محمد صلّى الله عليه وآله، وسلم: لأن دين الله في الأصل ذو جوهر واحد، وعباداته وشرائعه تلتقي عند غاية واحدة، وهي توحيد الإله والاعتراف بربوبيته، والأخلاق والفضائل الإنسانية الصحيحة لا يختلف فيها اثنان. وليس غرض اليهود والنصارى بما يقترحون من الآيات أن يؤمنوا، بل لو أتاهم بكل ما يسألون عنه لم يرضوا عنه، وإنما يرضيهم ترك ما هو عليه من الإسلام، واتباعهم.
وفي كل ذلك عبرة للأجيال، كما قال تعالى:{لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ} [يوسف 111/ 12]. وإن تلاوة كتاب الله ينبغي أن تكون بتدبر وفهم وإمعان، لا لمجرد التلاوة، كما قال تعالى:{أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ، أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها} [محمد 24/ 47] وقال: {لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ، وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ} [ص 29/ 38].
والفائدة المنشودة من القرآن هي العمل به، فهو كما ثبت
في الحديث الصحيح: «والقرآن حجة لك أو عليك» ومن يتلو القرآن، وهو معرض عن آياته والعمل به، يكون كالمستهزئ بربه. أما الأمي فعليه سؤال العلماء لشرح
معنى القرآن، وإفهامه مراده:{فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل 43/ 16].
هذا.. وقد استدل بالآية (120) أبو حنيفة والشافعي وداود الظاهري وأحمد بن حنبل على أن الكفر كله ملة واحدة، لقوله تعالى:{مِلَّتَهُمْ} فوحد الملة، وبقوله تعالى:{لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون 6/ 109]، و
بقوله عليه السلام: «لا يتوارث أهل ملتين شتى» على أن المراد به الإسلام والكفر، بدليل
قوله عليه السلام: «لا يرث المسلم الكافر» .
وذهب الإمام مالك، وأحمد في الرواية الأخرى: إلى أن الكفر ملل، فلا يرث اليهودي النصراني، ولا يرثان المجوسي، أخذا بظاهر قوله عليه السلام:
«لا يتوارث أهل ملتين» . وأما قوله تعالى: {مِلَّتَهُمْ} فالمراد به الكثرة، وإن كانت موحدة في اللفظ، بدليل إضافتها إلى ضمير الكثرة، كما تقول: أخذت عن علماء أهل المدينة-مثلا-علمهم، وسمعت عليهم حديثهم، يعني علومهم وأحاديثهم.
والخطاب في قوله تعالى: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ} إما للرسول، لتوجه الخطاب إليه، وإما للرسول، والمراد به أمته. وإذا كان الرسول هو المخاطب فأمته أولى، لأن منزلتهم دون منزلته.
وسبب الآية: أنهم كانوا يسألون المسالمة والهدنة، ويعدون النّبي صلى الله عليه وسلم بالإسلام، فأعلمه الله أنهم لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم، وأمره بجهادهم.
واستدل الإمام أحمد بقوله: {مِنَ الْعِلْمِ} على كفر من اعتقد أن القرآن مخلوق، فإنه سئل عمن يقول: القرآن مخلوق، فقال: كافر، قيل: بم كفّرته؟ فقال: بآيات من الله تعالى: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} [الرعد 37/ 13] والقرآن من علم الله، فمن زعم أنه مخلوق فقد كفر.