الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خالصة، والكلمات هي قوله تعالى:{رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا، لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ} [الأعراف 23/ 7] وتقبل الله التوبة، لأنه كثير القبول للتوبة، واسع الرحمة بالعباد، وأصبح الناس في الأرض صنفين: صنف المؤمنين بالله العاملين بطاعته، فهؤلاء آمنون في جنان الله في الآخرة، وصنف الكافرين المكذبين بما أنزل الله في كتبه، والجاحدين لرسالات الأنبياء، فهؤلاء مخلدون في نار جهنم.
فقه الحياة أو الأحكام:
تثير هذه الآيات مشكلات عديدة هي ما يأتي:
أولا-زوجة آدم في قوله تعالى: {اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} : أثار المفسرون كيفية خلق حواء، فقالوا: إنها خلقت من ضلع آدم، أخذا بظاهر قوله تعالى:{يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ، وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها} [النساء 1/ 4] وقوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ، وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها، لِيَسْكُنَ إِلَيْها} [الأعراف 189/ 7]، وعملا
بحديث أبي هريرة في الصحيحين أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «واستوصوا بالنساء خيرا، فإنهن خلقن من ضلع أعوج»
وفي رواية لمسلم: «إن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، لن تستقيم لك على طريقة واحدة، فإن استمتعت بها، استمتعت بها، وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها» قال العلماء: ولهذا كانت المرأة عوجاء، لأنها خلقت من أعوج، وهو الضلع
(1)
.
وأجيب عن الآيتين
(2)
: بأن كثيرا من المفسرين كالرازي قالوا: إن المراد بقوله «منها» أي من جنسها، ليوافق قوله في سورة [الروم 21/ 30]:
(1)
تفسير القرطبي: 301/ 1
(2)
تفسير المراغي: 93/ 1
{وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها، وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} والمراد أنه خلق أزواجا من جنسكم، لا أنه خلق كل زوجة من بدن زوجها.
وأما الحديث فجاء على طريق تمثيل حال المرأة واعوجاج أخلاقها، باعوجاج الضلوع، فهو على حدّ قوله تعالى:{خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ} [الأنبياء 37/ 21].
هذا وسياق الآية يقتضي أن حواء خلقت قبل دخول آدم الجنة. ونقل عن السدي: إن خلق حواء كان بعد دخول الجنة.
ثانيا-الجنة: وهي في اللغة البستان. اختلف العلماء في الجنة التي أسكنها آدم، هي في السماء أم في الأرض
(1)
؟ قال الأكثرون: إنها التي في السماء، وهي دار الخلد والثواب التي أعدها الله للمؤمنين يوم القيامة، لسبق ذكرها في السورة.
وقالت المعتزلة والقدرية: إنها جنة في الأرض غير جنة الخلد، خلقها الله تعالى امتحانا لآدم عليه السلام، في أرض عدن، أو بفلسطين، أو بين فارس وكرمان. وهو رأي أبي حنيفة وأبي منصور الماتريدي ومذهب السلف. ودليلهم أنها لو كانت جنة الخلد، لما وصل إليها إبليس، فإن الله يقول:{لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ} [الطور 23/ 52]، وقال:{لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذّاباً} [النبأ 35/ 78]، وقال:{لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً* إِلاّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً} [الواقعة 25/ 56 - 26]، وأنه لا يخرج منها أهلها لقوله تعالى:{وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ} [الحجر 48/ 15]، وأيضا فإن جنة الخلد هي دار القدس، قدست عن الخطايا والمعاصي تطهيرا لها، قد لغا فيها إبليس وكذب، وأخرج منها آدم وحواء
(1)
تفسير القرطبي: 302/ 1، تفسير ابن كثير: 78/ 1، تفسير الألوسي: 233/ 1، البداية والنهاية لابن كثير: 75/ 1 وما بعدها.
بمعصيتهما. وكيف يطلب آدم، مع مكانه من الله وكمال عقله، شجرة الخلد، وهو في دار الخلد والملك الذي لا يبلى. ورجح الألوسي هذا الرأي.
ورد القرطبي على هذه الأدلة: بأن الجنة المعرفة بالألف واللام لا يفهم غيرها في تعارف الناس، ولا يستحيل في العقل دخول إبليس الجنة لتغرير آدم. وأما أوصاف الجنة المذكورة في الآيات التي احتجوا بها، فهي بعد دخول أهلها فيها يوم القيامة. ولا يمتنع أن تكون دار الخلد لمن أراد الله تخليده فيها، وقد يخرج منها من قضي عليه بالفناء. والملائكة يدخلونها ويخرجون منها، وقد دخلها النّبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء ثم خرج منها، ولم يكن تقديسها مما يمنع فيها المعاصي.
وأجمع أهل السنة على أن جنة الخلد هي التي أهبط منها آدم عليه السلام.
وكيف يجوز على آدم، وهو في كمال عقله، أن يطلب شجرة الخلد، وهو في دار الفناء؟! الأمر جائز تطلّعا إلى الأفضل والأكمل، كما نتطلع الآن في الدنيا إلى الخلود في الجنة.
ثالثا-الشجرة: اختلف العلماء في تعيين الشجرة التي نهي عنها آدم فأكل منها
(1)
. فقال جماعة: هي الكرم، ولذا حرمت علينا الخمر، وقال آخرون:
هي السّنبلة، وقيل: هي شجرة التين. والصواب كما قال القرطبي: أن يعتقد أن الله تعالى نهى آدم عن شجرة، فخالف هو إليها، وعصى في الأكل منها.
واختلفوا أيضا كيف أكل منها مع الوعيد المقترن بالقرب، وهو قوله تعالى:{فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ} [البقرة 35/ 2]، فقال قوم: أكلا من غير التي أشير إليها، فلم يتأوّلا النهي واقعا على جميع جنسها، كأن إبليس غره بالأخذ بالظاهر، أي أنهما ظنّا أن المراد عين شجرة مخصوصة، وكان المراد الجنس. وهو
(1)
تفسير القرطبي: 305/ 1 وما بعدها، أحكام القرآن لابن العربي: 17/ 1 وما بعدها، تفسير الطبري: 185/ 1
قول حسن كما قال القرطبي ورجحه الطبري قبله.
ويقال: إن أول من أكل من الشجرة حواء، بإغواء إبليس إياها.
رابعا-عصيان آدم ثم توبته: قال جمهور الفقهاء من أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي: الأنبياء معصومون من صغائر الذنوب وكبائرها معا، لأنّا أمرنا باتباعهم في أفعالهم وآثارهم وسيرهم أمرا مطلقا من غير التزام قرينة، فلو جوزنا عليهم الصغائر لم يمكن الاقتداء بهم
(1)
.
وبناء عليه، أجيب عن خطيئة آدم التي كانت من الصغائر لا من الكبائر، بأنها صدرت منه قبل النبوة، والعصمة عن المخالفة إنما تكون بعد النّبوة.
أو بأن الذي وقع منه كان نسيانا، فسمّي عصيانا تعظيما لأمره، والنسيان والسهو لا ينافيان العصمة، أو أن ذلك-على طريقة السلف-من المتشابه كسائر ما ورد في القصة، مما لا يمكن حمله على ظاهره
(2)
. والراجح لدي أن هذه المخالفة وقعت نسيانا وسهوا، كما قال جلّ وعزّ:{فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} [طه 115/ 20].
وتوبة آدم كانت بقوله تعالى: {رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ} [الأعراف 23/ 7]، وهذا هو المروي عن ابن عباس. وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه: إنّ أحبّ الكلام إلى الله تعالى ما قاله أبونا آدم حين اقترف الخطيئة: «سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك وتعالى جدّك، لا إله إلا أنت ظلمت نفسي، فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» .
(1)
تفسير القرطبي: 308/ 1، تفسير الرازي: 7/ 3
(2)
تفسير الكشاف: 212/ 1، تفسير الرازي: 7/ 3، تفسير المراغي: 94/ 1، تفسير المنار: 281/ 1
واكتفى القرآن بذكر توبة آدم دون توبة حواء، لأنها كانت تبعا له، كما طوي ذكر النساء في أكثر القرآن والسّنة لذلك. وقد ذكرها في آية أخرى:
{قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا} الآية السابقة
(1)
.
ولا تكون التوبة مقبولة من الإنسان إلا بأربعة أمور: الندم على ما كان، وترك الذنب الآن، والعزم على ألا يعود إليه في مستأنف الزمان، وردّ مظالم العباد وإرضاء الخصم بإيصال حقه إليه والاعتذار إليه باللسان
(2)
.
خامسا-دخول إبليس الجنة: تساءل العلماء: كيف تمكّن إبليس من وسوسة آدم بعد أن طرده الله من الجنة بقوله: {فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} [ص 77/ 38]، فكان خارج الجنة، وآدم في الجنة؟ وأجيب بأجوبة، منها: أنه يجوز أن يمنع إبليس دخول الجنة على جهة التكريم، كدخول الملائكة، ولا يمنع أن يدخل على جهة الوسوسة، ابتلاء لآدم وحواء. وقالت طائفة: إن إبليس لم يدخل الجنة ولم يصل إلى آدم بعد ما أخرج منها، وإنما بوسواسه الذي أعطاه الله تعالى، كما
قال صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» .
سادسا-في قوله تعالى: {فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً} [البقرة 35/ 2]: إشارة إلى أن أفعال العباد مخلوقة من الله تعالى، خلافا للقدرية وغيرهم القائلين: إن العبد يخلق أفعال نفسه. ودلّت الآية (38) على أن من جاءه الهدى على لسان رسول واتبعه، فقد فاز بالنجاة في الآخرة، ودلت الآية (39) على أن الذين لم يتبعوا هدى الله-وهم الذين كفروا بآيات الله اعتقادا وكذبوا بها لسانا-جزاؤهم الخلود في نار جهنم بسبب جحودهم بها، وإنكارهم إياها، اتباعا لوسوسة الشيطان.
(3)
(1)
تفسير الكشاف: 211/ 1
(2)
تفسير الرازي: 20/ 3، تفسير المراغي: 92/ 1
(3)
الكشاف: 211/ 1، القرطبي: 313/ 1، الرازي: 15/ 3