الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المعاصرين للنّبي صلى الله عليه وسلم، لأنهم من سلالة السابقين، وهم معتزون بنسبهم، راضون بفعلهم. وكذلك أسند القتل إلى الأمة والقاتل واحد، لأن الأمة متضامنة، وهي في مجموعها كالشخص الواحد، فيؤخذ المجموع بجريرة الواحد، وفيه توبيخ وتقريع للغابرين والحاضرين، والجماعة والأفراد.
واذكروا حادثة القتل في تاريخكم، وتخاصمكم وتدافعكم في شأنه، فكل واحد يدرأ القتل عن نفسه ويدعي البراءة ويتهم سواه، والله أنكر فعلهم وكتمانهم، وأنتم اليوم تكتمون ما عندكم من أوصاف النّبي صلى الله عليه وسلم، والله مظهر لا محالة ما تكتمونه وتسترونه من أمر القتل، فقلنا: اضربوا القتيل ببعض أجزاء البقرة المذبوحة، فضربوه، فأحياه الله، وأخبر عن القتلة. ومثل ذلك الإحياء العجيب، يحيي الله الموتى يوم القيامة، فيجازي كل إنسان بعمله، وكذلك يريكم الله آياته الواضحة الدالة على صدق القرآن والنّبي، حيث يخبر بالمغيبات، كي تعقلوا وتؤمنوا بالنبي والقرآن، لعلكم تفقهون أسرار الشريعة وفائدة الخضوع لها، وتمنعون أنفسكم من اتباع أهوائها، وتطيعون الله فيما يأمركم به.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه القصة فيها العبرة والعظة ببيان بعض مساوئ اليهود ومواقفهم المتشددة والمعاندة، وأهم العظات ما يلي:
1 -
ليس التشدد في الدين محمودا، وليس الإلحاف في كثرة السؤال مرغوبا فيه، لذا نهانا الله تعالى عن ذلك وقت نزول القرآن، بقوله:{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة 101/ 5]
وقوله صلى الله عليه وسلم-فيما رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص: «إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما: من سأل عن شيء لم يحرّم على المسلمين، فحرّم عليهم من أجل مسألته»
وقوله عليه السلام فيما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما
أمرتكم به، فأتوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم»
وقوله أيضا فيما رواه البخاري ومسلم: «
…
وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» والسؤال المنهي عنه: مثل السؤال عما أخفاه الله تعالى عن عباده ولم يطلعهم عليه، كالسؤال عن قيام الساعة، وعن حقيقة الروح، وعن سر القضاء والقدر، والسؤال على سبيل التعنت والعبث والاستهزاء، وسؤال المعجزات، وطلب خوارق العادات عنادا وتعنتا، والسؤال عن الأغاليط، والسؤال عما لا يحتاج إليه، وليس في الجواب عنه فائدة عملية، والسؤال عما سكت عنه الشرع من الحلال والحرام.
وقد سجل الله على اليهود ذنب الوقوف في السؤال موقف المستهزئ المعاند المجادل المتشدد المنكر الحق الصريح.
2 -
كان الأمر بذبح بقرة دون غيرها من الحيوان، لأنها من جنس ما عبدوه وهو العجل، ليهون عندهم أمر تعظيمه.
3 -
استهزاؤهم بأوامر الأنبياء عرّضهم للوم والتوبيخ والعقاب.
4 -
إحياء القتيل بقتل حي أظهر لقدرته تعالى في اختراع الأشياء من أضدادها. وقد ذكر الله تعالى إحياء الموتى في سورة البقرة في خمسة مواضع: في قوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ} ، وفي هذه القصة:{فَقُلْنا:}
{اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها} وفي قصة الذين خرجوا من ديارهم وهو ألوف: {فَقالَ لَهُمُ اللهُ: مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ} [البقرة 243/ 2]. وفي قصة عزير: {فَأَماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ، ثُمَّ بَعَثَهُ} [البقرة 259/ 2] وفي قصة إبراهيم: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى} [البقرة 260/ 2].
5 -
الإنكار الشديد على قتل النفس البريئة، وإنما أخره بالذكر عن ذكر موقفهم الاستهزائي العنادي، اهتماما واستهجانا وتقريعا لموقف العناد، وتشويقا
إلى معرفة سبب ذبح البقرة، وهذا الموقف ديدن اليهود وطبيعتهم التي لا تفارقهم. والكتاب الكريم لا يراعي ترتيب المؤرخين في سرد الأحداث والوقائع، وإنما يذكر الكلام بما يتفق مع هدفه: وهي العظة والعبرة، واجتذاب الأنظار وإثارة الانتباه.
6 -
ليس هناك أشد استهجانا وغرابة من جعل الحجارة أنفع من قلوب اليهود، لخروج الماء منها، قال مجاهد: ما تردّى حجر من رأس جبل، ولا تفجر نهر من حجر، ولا خرج منه ماء إلا من خشية الله، نزل بذلك القرآن الكريم.
وهذا يعني أن خشية الحجارة هنا حقيقية، كقوله تعالى:{وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء 44/ 17]. وحكى الطبري عن بعض المفسرين: أن خشية الحجارة من باب المجاز والاستعارة، كما استعيرت الإرادة للجدار، في قوله تعالى:
{يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} [الكهف 77/ 18]
(1)
.
7 -
في قصة البقرة هذه دليل على أن شرع من قبلنا شرع لنا، وبه قال جمهور الأصوليين غير الإمام الشافعي.
8 -
استدل الإمام مالك على صحة القول بالقسامة
(2)
بقول المقتول: دمي عند فلان، أو فلان قتلني. ومنعه الشافعي وجمهور العلماء، لأن قول المقتول:
دمي عند فلان، أو فلان قتلني، خبر يحتمل الصدق والكذب.
(1)
تفسير الطبري: 289/ 1، وانظر تفسير القرطبي أيضا: 465/ 1
(2)
القسامة: هي خمسون يمينا من خمسين رجلا، يقسمها في رأي الحنفية أهل المحلة التي وجد فيها القتيل ويتخيرهم ولي الدم، لنفي تهمة القتل عن المتهم. وعند الجمهور: يحلفها أولياء القتيل لإثبات تهمة القتل على الجاني.