الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المعروف. الفوم الثوم، بدليل قراءة ابن مسعود:«وثومها» ، ولاقتران البصل بعده.
{أَدْنى} أقل مرتبة، إما من الدّنو: وهو القرب، أو من الدّون، كما تقول: هذا دون ذاك، أي أقل مقدارا، والدّنو والقرب يعبر بهما عن قلة المقدار. {مِصْراً} بلدا من البلدان الزراعية.
{ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ} جعلت ووضعت عليهم. {الذِّلَّةُ} الذّل والهوان. {الْمَسْكَنَةُ} الفقر والحاجة. {وَباؤُ بِغَضَبٍ} رجعوا متلبسين به. {ذلِكَ} أي الضرب والغضب. {بِأَنَّهُمْ} بسبب أنهم فالباء سببية. {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ} كزكريا ويحيى عليهما السلام. {بِغَيْرِ الْحَقِّ} أي ظلما. {يَعْتَدُونَ} يتجاوزون الحدّ في المعاصي. وكرر {ذلِكَ} للتأكيد، وقصد بالتكرار التعليل، وهو ردّ إلى علة الجزاء وتأكيد للإشارة إليه، والباء في {بِما} باء السبب، أي بعصيانهم، والعصيان: خلاف الطاعة، والاعتداء: تجاوز الحدّ في كل شيء.
التفسير والبيان:
واذكروا أيها اليهود إذ قال أسلافكم من قبل: يا موسى، لا يمكن أن نستمر على طعام واحد، وهو المنّ والسلوى-ومخاطبة اليهود المعاصرين مع أن الجناية من آبائهم دليل على مبدأ تكافل الأمة الواحدة-فاطلب لنا من ربك أن يطعمنا مما تنبت الأرض من أطايب البقول التي يأكلها الناس كالنعناع والكرفس والكراث وأشباهها، وإنما سألوه الدعاء، لعلمهم أن دعاء الأنبياء أقرب إلى الإجابة من دعاء غيرهم.
فقال موسى متعجبا وموبخا مستنكرا: أتطلبون هذه الأنواع الخسيسة بدل ما هو خير منها وأهنأ، وهو المنّ والسلوى، الأول فيه الحلاوة المألوفة، والثاني أطيب لحوم الطير، وهما غذاء كامل لذيذ؟ وإذ طلبتم الأدون نفعا وخيرا، فاهبطوا وانزلوا من التّيه
(1)
واسكنوا في أي بلد زراعي، فإن لكم فيه ما طلبتم.
وقد كنّوا عن المنّ والسلوى بطعام واحد، وهما اثنان: لتكرارهما في كل يوم غذاء، كما تقول لمن يداوم على الصوم والصلاة والقراءة: هو على أمر واحد، لملازمته ذلك.
(1)
بلاد التّيه: ما بين بيت المقدس إلى قنّسرين، وهي اثنا عشر فرسخا في ثمانية فراسخ.
لكن الله تعالى عاقبهم على كفران تلك النعم، وعلى الاستهزاء بآيات الله التي آتاها موسى وهي معجزاته الباهرة، وعلى قتلهم الأنبياء ظلما، فهم قتلوا أشعيا وزكريا ويحيى وغيرهم بغير مسوغ للقتل، وكانت عقوبتهم إلحاق الذّل والهوان بهم في الدنيا، ذلاّ وهوانا ملازما لهم ومحيطا بهم، كما تحيط الخيمة بمن فيها، والذليل عادة يستخذي ويستهين، ثم استحقاق غضب الله وبلائه ونقمته في الدنيا وعذابه الأليم في الآخرة.
وكان ذلك العقاب بسبب عصيانهم أوامر ربهم عصيانا متكررا، وتعديهم حدود دينهم، واعتدائهم على الناس ومنهم الأنبياء، فعلة جزائهم أمران: أنهم كانوا يعصون ويعتدون، والعصيان: فعل المناهي، والاعتداء: المجاوزة في حدّ المأذون فيه والمأمور به.
وضرب الذّلة والمسكنة أي الذّل والفقر والحاجة على اليهود، وإن كانوا ذوي مال، أمر قائم على أساس الشعور الذاتي النابع من أعماق النفس، فهم في فقر دائم وذلّ مستمر، وقد ورثوا صفات الذّل وضعف النّفس وامتهانها وحقارة التصرفات ودناءة الأخلاق، فلا يكادون يحسون بغنى النفس وعزتها، ولا تشبع نفوسهم، ولا ترتوي من شيء، وتظل أطماعهم وأحقادهم مسيطرة عليهم، حتى إنهم يعبدون المادة، ويؤلهون المال، وذلك كله بسبب إحساسهم الداخلي بالاستزادة من الأموال.
وقيام دولة لليهود أيضا لا يصادم هذه الآية التي تقرر إلحاق الذّل والهوان بهم، لأن مقومات الدولة الحقيقية غير متوافرة لهم، وهم في أمسّ الحاجة دائما إلى الشعور بالطمأنينة والاستقرار، مما أحوجهم إلى الدعم المستمر غير المتناهي اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، من الدول الكبرى، وعلى رأسها أمريكا.