الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بالسجود له، كما أنه خصه بالخلافة في الأرض، وعلمه أسماء الأشياء والأجناس واللغات، مما يدل على تكريم النوع الإنساني بتكريم الأصل أو الأب.
التفسير والبيان:
واذكر أيضا يا محمد لقومك حين قلنا للملائكة الأطهار: اسجدوا لآدم سجود خضوع وتحية وتعظيم، لا سجود عبادة وتأليه، كما يفعل الكفار مع أصنامهم، فسجد الملائكة جميعا له غير إبليس، فإنه امتنع من السجود واستكبر عنه، قائلا: أأسجد له، وأنا خير منه، خلقتني من نار، وخلقته من طين، فصار بإبائه واستكباره وتعاليه وغروره من الكافرين، فاستحق اللعنة إلى يوم الدين، لعصيانه أمر ربه، ورفضه السجود لآدم.
فقه الحياة أو الأحكام:
تتجلى العبرة من هذه القصة بأن آدم وذريته لا يليق بهم عصيان أوامر الله، وإنما يجب عليهم عبادته وحده، دون تلكؤ ولا تقصير، لأنّ الله سبحانه كرم ابن آدم في قوله:{وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ} [الإسراء 70/ 17] وجعل آدم خليفة في الأرض، وعلمه ما لم يكن يعلم:{وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها} وقال الطبري: إن الله تعالى أراد بقصة إبليس تقريع أشباهه من بني آدم، وهم اليهود الذين كفروا بمحمد عليه السلام مع علمهم بنبوته، ومع قدم نعم الله عليهم وعلى أسلافهم
(1)
.
والملائكة والشياطين أرواح لها اتصال بالناس لا نعرف حقيقته، بل نؤمن بما ورد فيه، دون بحث عن الكيفية والحال والمآل.
والسجود نوعان: سجود عبادة وتأليه وهو لله وحده، وله مظهران: إما وضع الجبهة على الأرض وهو المعتاد في الصلاة، وإما الانقياد والخضوع لمقتضى
(1)
تفسير الطبري: 180/ 1 وما بعدها.
إرادته، كما قال:{وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ} [الرحمن 6/ 55] وقال: {وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً} [الرعد 15/ 13]. وهذا بمظهريه لا يكون لغير الله إطلاقا.
والنوع الثاني: سجود تحية وتكريم من غير تأليه، كسجود الملائكة لآدم، وسجود يعقوب وأولاده ليوسف. وهذا في رأي أكثر العلماء كان مباحا إلى عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وأن أصحابه قالوا له حين سجدت له الشجرة والجمل: نحن أولى بالسجود لك من الشجرة والجمل الشارد، فقال لهم:«لا ينبغي أن يسجد لأحد إلا لله رب العالمين»
ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن السجود للبشر، وأمر بالمصافحة، في حديث رواه ابن ماجه في سننه والبستي في صحيحة عن أبي واقد عن معاذ بن جبل رضي الله عنه
(1)
.
والخلاصة: اتفقت الأمة على أن السجود لآدم لم يكن سجود عبادة ولا تعظيم، وإنما كان على أحد وجهين: إما الانحناء والتحية وإما اتخاذه قبلة كالاتجاه للكعبة وبيت المقدس وهو الأقوى في رأي ابن العربي، لقوله تعالى:
(2)
.
وأما حقيقة إبليس: فللعلماء فيها رأيان:
الأول: أنه من الجن، والجن سبط من الملائكة، خلقوا من نار، وإبليس منهم. ودليله واضح من قوله تعالى:{وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ، فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ، فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف 50/ 18].
والثاني-أنه كان من الملائكة: لأن خطاب السجود كان للملائكة، ولأن
(1)
تفسير القرطبي: 293/ 1
(2)
أحكام القرآن: 16/ 1
الظاهر من هذه الآية وأمثالها أنه منهم، قال ابن عباس: كان إبليس من الملائكة، فلما عصى الله، غضب عليه، فلعنه، فصار شيطانا
(1)
. قال البغوي:
وهو الأصح، لأن خطاب السجود كان مع الملائكة. وقوله:{كانَ مِنَ الْجِنِّ} أي من الملائكة الذين هم خزنة الجنة. وقال سعيد بن جبير: من الذين يعملون في الجنة. وقال قوم: من الملائكة الذين كانوا يصوغون حلي أهل الجنة
(2)
.
والراجح لدي هو القول الأول لصريح آية {كانَ مِنَ الْجِنِّ} ولأن إبليس قد عصى أمر ربه، والملائكة لا يعصون الله ما أمرهم.
ويستدل من قصة الإباء عن السجود أن الامتناع عن تنفيذ أوامر الله والاستكبار والغرور مسبب للكفر، لأنه لما كره إبليس السجود في حقه، واستعظمه في حق آدم، فكان ترك السجود لآدم تسفيها لأمر الله وحكمته، فصار من الكافرين.
واختلف، هل كان قبل إبليس كافر أو لا؟ فقيل: لا، وإن إبليس أول من كفر، وقيل: كان قبله قوم كفار وهم الجن الذين كانوا في الأرض. واختلف أيضا: هل كفر إبليس جهلا أو عنادا؟ على قولين بين أهل السنة، ولا خلاف أنه كان عالما بالله تعالى قبل كفره. فمن قال: إنه كفر جهلا قال: إنه سلب العلم عند كفره. ومن قال: كفر عنادا قال: كفر ومعه علمه
(3)
.
واستنبط علماء المالكية من هذه القصة ومن علم الله بكفر إبليس سابقا: أن من أظهر الله تعالى على يديه ممن ليس بنبي كرامات وخوارق للعادات، ليس
(1)
تفسير القرطبي: 294/ 1
(2)
معالم التنزيل بهامش تفسير البغوي: 41/ 1
(3)
تفسير القرطبي: 298/ 1