الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأجمع المسلمون على أنه ليس في السحر ما يفعل الله عنده إنزال الجراد والقمّل والضفادع وفلق البحر وقلب العصا وإحياء الموتى وإنطاق العجماوات وأمثال ذلك من عظيم آيات الرسل المنزلة عليهم، فهذا ونحوه مما يجب القطع بأنه لا يكون ولا يفعله الله عند إرادة الساحر.
الفرق بين معجزات الأنبياء عليهم السلام وبين السحر:
لا يصح لمؤمن أن يجمع بين تصديق الأنبياء عليهم السلام وإثبات معجزاتهم وبين التصديق بأفعال السحرة، لقوله تعالى:{وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أَتى} [طه 69/ 20].
وهناك فرق واضح بين المعجزة والسحر القائم على وجوه التخييلات: وهو أن معجزات الأنبياء عليهم السلام هي على حقائقها، وبواطنها كظواهرها، وكلما تأملتها ازددت بصيرة في صحتها. ولو جهد الخلق كلهم على مضاهاتها ومقابلتها بأمثالها، لظهر عجزهم عنها.
أما مخاريق السحرة وتخييلاتهم فهي نوع من الحيلة والتلطف لإظهار أمور لا حقيقة لها، فما يظهر منها ليس على الحقيقة، ويعرف ذلك بالتأمل والبحث. ومن شاء أن يتعلم ذلك بلغ فيه مبلغ غيره، ويأتي بمثل ما قام به
(1)
.
والسحر يوجد من الساحر وغيره، وقد يكون جماعة يعرفونه، ويمكنهم الإتيان به في وقت واحد، والمعجزة لا يمكّن الله أحدا أن يأتي بمثلها وبمعارضتها
(2)
.
وخلاصة القول: إن الساحر لا قدرة له على شيء من الأمور الخارقة، وإن
(1)
أحكام القرآن للجصاص: 49/ 1
(2)
تفسير القرطبي: 47/ 2
السحر يعتمد في الغالب على الخداع والتخييلات والتمويهات، وإن السحرة نصابون يسلبون أموال الناس، وهم في فقر دائم، ولو كانوا قادرين على ما يدعونه لأغنوا أنفسهم، وحققوا الأمجاد بإزالة الممالك، واستخراج الكنوز، والغلبة على البلدان، والاستغناء عن طلب ما في أيدي الناس، كما قال أبو بكر الجصاص الرازي
(1)
.
يتبين مما ذكر ما يأتي:
1 -
السحر في اللغة: كل ما لطف مأخذه وخفي.
2 -
السحر كما وصفه القرآن تخيل يخدع الأعين، فيريها ما ليس كائنا أنه كائن.
3 -
السحر إما حيلة وشعوذة أو صناعة علمية خفية يعرفها بعض الناس، ومنه تأثير الأرواح والتنويم المغناطيسي.
4 -
حكاية القرآن: {يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} ليس دليلا على أن السحر يفعل هذا، وإنما هي حكاية لما كان معروفا عندهم.
5 -
السحر لا يؤثر بطبعه ولا أثر له في نفسه، وإنما هو سبب، وما يترتب عنه من أضرار من قبيل ربط المسببات بالأسباب، كما نصت الآية:{وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ} [البقرة 102/ 2].
6 -
دلت الآية على أن عمل السحر كفر وهو قول مالك وأبي حنيفة، لقوله تعالى:{وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ} أي من السحر، وقوله:
{وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ} أي بعمل السحر، وقوله:{وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا} أي به وبتعليمه، وقوله عن هاروت وماروت:{إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ} .
(1)
أحكام القرآن: 48/ 1
ورأى الشافعي أن السحر معصية: إن قتل بها قتل، وإن أضرّ بها أدّب على قدر الضرر. والرأي الأول أصح، لأن السحر كلام يعظم به غير الله تعالى، مثل سحر أهل بابل الذي كان تعظيما للكواكب، وهو رأي عمر وعثمان وابن عمر وحفصة وأبي موسى الأشعري وقيس بن سعد وسبعة من التابعين.
لكن تكفير السحرة محصور بمن يعظم الكواكب، ويسند الحوادث إليها، أو يزعم أنه يقدر على خوارق العادات، لأنه يدعي أنه يقدر على مثل معجزات الأنبياء.
أما الإفساد بالنميمة أو خفة اليد، دون ادعاء ما ذكر، فلا يكون كفرا، ولا يعد فاعله كافرا.
7 -
عقوبة الساحر: للعلماء رأيان في قتل الساحر، قال الجمهور (أبو حنيفة ومالك وأحمد): يقتل الساحر،
لقوله صلى الله عليه وسلم: «حدّ الساحر ضربه بالسيف»
(1)
وإذا عمل المسلم السحر، كان مرتدا، فيقتل
لقوله صلى الله عليه وسلم: «من بدّل دينه فاقتلوه» .
ويقتل الساحر ولا تقبل توبته في رأي أبي حنيفة، سواء أكان مسلما أم ذميا، لأن الساحر جمع إلى كفره السعي في الأرض بالفساد، فأشبه المحارب (قاطع الطريق). ولا يقتل الساحر الذمي في رأي مالك إلا أن يقتل بسحره، ويضمن ما جنى، ويقتل إن جاء منه ما لم يعاهد عليه
(2)
.
7 -
أجاز سعيد بن المسيب والمزني أن يطلب من الساحر حل السحر عن المسحور، قال ابن بطال: وفي كتاب وهب بن منبّه: أن يأخذ سبع ورقات من
(1)
أخرجه الترمذي عن جندب، لكنه ليس بالقوي، انفرد به إسماعيل بن مسلم، وهو ضعيف.
(2)
أحكام القرآن للجصاص: 50/ 1 وما بعدها، تفسير القرطبي: 47/ 2 وما بعدها.
سدر أخضر، فيدقه بين حجرين، ثم يضربه بالماء، ويقرأ عليه آية الكرسي، ثم يحسو منه ثلاث حسوات، ويغتسل به، فإنه يذهب عنه كل ما به، إن شاء الله تعالى، وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله.
8 -
تساءل ابن العربي بمناسبة {وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ} فقال: كيف أنزل الله تعالى الباطل والكفر؟ ثم قال: كل خير أو شر أو طاعة أو معصية أو إيمان أو كفر منزّل من عند الله تعالى، قال النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح: ماذا فتح الليلة من الخزائن؟ ماذا أنزل الله تعالى من الفتن؟ أيقظوا أصحاب الحجر، ربّ كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة
(1)
.
9 -
هل هاروت وماروت ملكان؟ اختلف العلماء، فقال جماعة: هما ملكان بعثهما الله يبينان للناس بطلان ما يدعون حقيقته، ويكشفان لهم عن وجوه الحيل التي يخدعون بها الناس، وينهيانهم عن العمل بها، يقولان:{إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ} فكانا يعلمانهم للتحرز لا للعمل، لأن الملائكة أمناء الله على وحيه، وسفراؤه إلى رسله:{لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ} [التحريم 6/ 66]، {بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ، لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ، وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [الأنبياء 26/ 21 - 27]، {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ} [الأنبياء 20/ 20].
قال الزمخشري: والذي أنزل على الملكين هو علم السحر، ابتلاء من الله للناس، من تعلمه منهم وعمل به، كان كافرا، ومن تجنبه أو تعلمه، لا ليعمل به، ولكن ليتوقاه ولئلا يغتربه، كان مؤمنا:
عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه*ومن لا يعرف الشر من الناس يقع فيه وروي عن الحسن البصري: أنه كان يقرأ: {وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ} بكسر
(1)
أحكام القرآن لابن العربي: 28/ 1، وانظر أيضا تفسير ابن كثير: 148/ 1