الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الخامس: المتقدمون والمتأخرون
هَذِهِ المَسْألَة كَثُرَ الحَديث عَنْهَا فِي الآوِنَةِ الأخِيرَةِ، واشْتَدَّ الخِلَافُ فِيهَا.
ولتَعْلَمُوا عَافَاكُم الله؛ أنَّ مَعرِفَةَ مَنْهَج المُتَقَدِّمِينَ وتَمْيِيزِهِ عَن مَنْهَجِ المُتَأخِرِين أمْرٌ لَا بُدَّ مِنْهُ، لِضَبطِ أصُولِ هَذَا العِلمِ الشَرَيفِ، وتَحرِيرِ مَقَاصِدِهِ.
فَإنَّ أهْلَ الحَدِيث لَيسُوا عَلَى مَنْهَجٍ واحِدٍ، بَل الأئِمَة المُتَقَدِمُون أنفُسهم، عَلَى خِلَافٍ بَينَهُم فِي بَعْضِ المَسَائِلِ - وإنْ كَانُوا بِالجُمْلَة مُتَّفِقِين - وقَد تَبِعَ بَعضُ المُتَأخِرِين بَعْضَ المُتَقَدِمِين، وأمَّا مِن حَيثُ الجُمْلَة فَالمُتقَدِّمُونَ عَلَى خِلَاف المتَأخِرينَ.
وقد هَجَّنَ جَمْعٌ منهم الشيخ محمد سليمان الأشقر، والشيخ الألباني، والشيخ أحمد معبد على القائلين بالتفريق بين المتقدمين والمتأخرين، وغَلَّظُوا عليهم.
قال محمد سليمان الأشقر في تقديمه لإحدى الرسائل: والمؤلف يغمز برفق بكلامه هذا في النهج الذي ينادي به بعض الذين اتجهوا إلى دراسة الأسانيد والحكم عليها، ممن لم ترسخ أقدامهم بعد في هذا المضمار بالرجوع في الحكم على الرجال إلى البدايات الأولى، ليجتهدوا في ذلك اجتهاد الإمام أحمد، وابن معين، والبخاري وغيرهم من أئمة هذا الشأن، فيكون حالهم حال التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا، غفر الله لنا ولهم وهدانا وإياهم سواء السبيل. اهـ. "منهج دراسة الأسانيد". لوليد بن حسن العاني (ص 6).
وقال الألباني: هذا يدخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: "كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار"(1)، وأنهم يُخَرّبون السنة، وماذا يستفيدون من هذا التقسيم؟ . اهـ. من شريط رقم (842) باختصار. تسجيلات التقوى.
(1) قلت: زيادة "كل ضلالة في النار" شاذة لا يَصِحُّ فيها شيء.
وتابعه مقلدوه على هذا، كعادتهم في عدم مخالفته والتعصب له، وزعموا: أن علماء الحديث أمثال ابن الصلاح وابن حجر لم يأتوا بمصطلحات حديثية من عندياتهم، بل جمعوا ورتبوا ما تركه الأقدمون.
ومن ثم تساءلوا ما الحد الفاصل بين المتقدمين والمتأخرين؟ .
ونحن بحول الله نجيب على هذا كله بدليل وبرهان لا يدع للمعترض مقالًا إن شاء الله.
فنقول: الحق أحق أن يتبع.
فلا ريب أن كتب المتأخرين نفسها مشحونة بالتفريق بين المتقدمين والمتأخرين تصريحًا، فضلًا عن التلميح.
وقد ذكر هذا التفريق الذهبي، وابن كثير، وابن رجب، وابن حجر، والبقاعي، والسخاوي، والسيوطي، والمعلمي اليماني، والوادعي، وغيرهم.
قال الذهبي: صنف - يعني: الإسماعيلي - مسند عمر رضي الله عنه، طالعته وعلقت منه وابتهرت بحفظ هذا الإمام، وجزمت بأن المتأخرين على إياس من أن يلحقوا المتقدمين. اهـ. "تذكرة الحفاظ"(ص/ 849).
وقال ابن رجب: وكذا الكلام في العلل والتواريخ قد دونه أئمة الحفاظ، وقد هجر في هذا الزمان ودَرَسَ حفظه وفهمه، فلولا التصانيف المتقدمة فيه لما عرف هذا العلم اليوم بالكلية، ففي التصنيف فيه ونقل الكلام الأئمة المتقدمين مصلحة عظيمة جدًّا. "شرح العلل"(1/ 352).
وقال ابن حجر: وبهذا التقرير يتبين عظم موقع كلام الأئمة المتقدمين، وشدة فحصهم، وقوة بحثهم، وصحة نظرهم، وتقدمهم بما يوجب المصير إلى تقليدهم في ذلك، والتسليم لهم فيه. "النكت"(2/ 726).
وقال السخاوي: ولذا كان الحكم من المتأخرين عسرًا جدًّا، وللنظر فيه مجال، بخلاف الأئمة المتقدمين الذين منحهم الله التبحر في علم الحديث، والتوسع في حفظه، كشعبة والقطان وابن مهدي ونحوهم، وأصحابهم مثل: أحمد وابن المديني وابن معين وابن راهويه وطائفة، ثم أصحابهم مثل البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي، وهكذا إلى زمن الدارقطني والبيهقي، ولم يجيء بعدهم مساوٍ لهم ولا مقارب، أفاده العلائي، وقال: فمتى وجدنا في كلام
أحد المتقدمين الحكم به كان معتمدًا، لما أعطاهم الله من الحفظ الغزير، وإن اختلف النقل عنهم عدل إلى الترجيح. اهـ. "فتح المغيث"(1/ 237).
وقال عبد الرحمن المعلمي: إنني عندما أقرن نظري بنظر المتأخرين أجدني أرى كثيرًا منهم
متساهلين. من المقدمة لكتاب "الفوائد المجموعة" ص 8.
وقال أيضًا: وتحسين المتأخرين فيه نظر "الأنوار الكاشفة" ص 29.
قلت: بل وفي مصنفات منكري التفريق بين المتقدمين والمتأخرين ما يُرَدُّ به عليهم، فكم استخدموا مصطلح المتقدمين والمتأخرين، ومن ثم هم يتحجرونه على مخالفيهم! .
قال الألباني نفسه: وهو ضعيف (1) لسوء حفظه، بذلك وصفه غير واحد من الحفاظ المتقدمين والمتأخرين "السلسة الصحيحة"(ح/ 3044).
وقال الألباني: فإن حميدًا هذا (2) قد وثقه جمهور الأئمة المتقدمون، ومنهم البخاري، ولم يضعفه أحد منهم إلا أحمد في رواية "سلسلة الأحاديث الصحيحة"(3412).
وقال الألباني: فأول علة تبدو للناظر لأول وهلة في هذا السند هو عنعنة ابن جريج، فإنه كان
يدلس بشهادة غير واحد من الأئمة المتقدمين والمتأخرين. "السلسلة الضعيفة والموضوعة"(3/ 60).
وقال الألباني: وهو شديد الضعف (3) كما يشهد بذلك أقوال الحفاظ المتقدمين منهم والمتأخرين "السلسلة الضعيفة والموضوعة"(3/ 624).
ومثل هذا كثير في كتب الشيخ الألباني رحمه الله.
فلا شك أن من فرق بين الفريقين فله في هذا التفريق سلف، فكيف ينكر؟ .
بل كيف ينكر عبدٌ أمرًا وهو مكثر من الوقوع فيه؟ ! .
وقد تدبرت الافتراق بين المنهجين مليًا فرأيته يدور على تسعة أمور:
وسيأتي بيان هذه النقاط والتمثيل لها من غير توسع ممل ولا اختصار مخل، إن شاء الله.
(1) يعني: مؤمل بن إسماعيل.
(2)
هو ابن قيس الأعرج المكي القاري.
(3)
يعني: عبد العزيز بن أبي ثابت.