الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عنعنة الثقة والخلاف في اشتراط اللقاء واشتراط السماع والاكتفاء بالمعاصرة
هذه المسألة فيها اختلاف معروف بين العلماء.
فاختار مسلم في: "مقدمة كتابه" وتوهم الإجماع عليه: قبول العنعنة من الثقة غير المدلس عمن عاصره وأمكن لقيه له، وان لم يثبت لقيه.
واستدل مسلم على صحة قوله، باتفاق العلماء على:
قبول الخبر إذا رواه الثقة عن آخر ممن تيقن أنه سمع منه من غير اعتبار أن يقول: (ثنا) أو (سمعت) ومما استدل به مسلم على المخالف له:
إن من تكلم في صحة الحديث من السلف لم يفتش أحد منهم على موضع السماع، وسمى منهم شعبة، والقطان، وابن مهدي.
وذكر أن: عبد الله بن يزيد روى عن حذيفة وأبي مسعود حديثين، ولم يرد أنه سمع منهما
ولا رآهما قط، ولم يطعن فيهما أحد.
إن عبد الله بن يزيد وقيس بن أبي حازم رويا عن أبي مسعود، وأن النعمان بن أبي عياش روى عن أبي سعيد، ولم يرد التصريح بسماعهم منهما.
وهؤلاء لم يحفظ لهم عن هؤلاء الصحابة سماع، ولا لقاء، وقد قبل الناس حديثهم عنهم.
وكثير من العلماء المتأخرين على ما قاله مسلم رحمه الله، وهو ظاهر كلام ابن حبان وغيره.
واختار: ابن المديني، والبخاري، وجمهور المتقدمين: اشتراط ثبوت لقاء الراوي عمن روى عنه.
واختار أحمد، وأبو زرعة، وأبو حاتم: اشتراطَ ثبوتِ سماعِ الراوي ممن روى عنه.
فإنهم قالوا في الأعمش، ويحيى بن أبي كثير، وأيوب، وابن عون، وقرة بن خالد: رأوا أنسًا ولم يسمعوا منه، فرواياتهم عنه مرسلة.
وقال أحمد: ابن جريج لم يسمع من طاووس ولا حرفًا، ويقول: رأيت طاووسًا.
وقال أبو حاتم الرازي أيضًا: الزهري لا يصح سماعه من ابن عمر، رآه ولم يسمع منه.
وأثبت أيضًا دخول مكحول على واثلة بن الأسقع ورؤيته له ومشافهته، وأنكر سماعه منه.
وقال: لم يصح له منه سماع. وجعل رواياته عنه مرسلة.
ولم يجعلوا روايتهم عنهم متصلة بمجرد الرؤية، والرؤية أبلغ من إمكان اللقي.
واختار أبو عمرو الداني: أن يكون معروفًا بالرواية عنه.
واختار أبو المظفر بن السمعاني: اعتبار اللُّقِيِّ وطولِ الصحبة.
وهذا أشد من شرط غيرهم.
ومما يستدل به الأئمة على عدم السماع والاتصال:
أن يروي عن شيخ من غير أهل بلده، لم يعلم أنه دخل إلى بلده، ولا أن الشيخ قدم إلى بلد كان الراوي عنه فيه.
قال أحمد: لم يسمع زرارة بن أوفى من تميم الداري، تميم بالشام وزرارة بصري.
وقال ابن المديني: لم يسمع الحسن من الضحاك بن قيس، كان الضحاك يكون بالبوادي.
وقال أبو حاتم في رواية ابن سيرين عن أبي الدرداء: لقد أدركه، ولا أظنه سمع منه، ذاك بالشام وهذا بالبصرة.
ومما يستدل به الأئمة على عدم السماع والاتصال:
إن يروي الثقة عمن عاصره ثم يدخل أحيانًا بينه وبينه واسطة.
قال أحمد: البهي ما أراه سمع من عائشة، إنما يروي عن عروة عن عائشة.
وقال أبو حاتم: الزهري لم يثبت له سماع من المسور، يدخل بينه وبينه سليمان بن يسار وعروة بن الزبير.
وكان أحمد يستنكر دخول التحديث في كثير من الأسانيد، ويقول: هي خطأ، يعني ذكر السماع:
قال في رواية هدبة عن حماد عن قتادة: نا خلاد الجهني: هو خطأ، خلاد قديم، ما رأى قتادة خلادًا.
وذكر أبو حاتم: أن بقية بن الوليد كان يروي عن شيوخ ما لم يسمعه، فيظن أصحابه أنه سمعه، فيروون عنه تلك الأحاديث ويصرحون بسماعه لها من شيوخه ولا يضبطون ذلك.
وحينئذ فينبغي التفطن لهذه الأمور، ولا يغتر بمجرد ذكر السماع والتحديث في الأسانيد.
فاتفاق هؤلاء الأئمة على قولهم هذا، يقتضي حكاية إجماع الحفاظ المعتد بهم على هذا القول، وأن القول بخلاف قولهم لا يعرف على أحد من نظرائهم، ولا عمن قبلهم ممن هو في درجتهم وحفظهم.
ويشهد لصحة ذلك حكاية أبي حاتم كما سبق اتفاق أهل الحديث على أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت له السماع من عروة، مع إدراكه له.
وحكى ابن عبد البر نحوه عن العلماء.
فلا يبعد حينئذٍ أن يقال: هذا هو قول الأئمة من المحدثين.
فإن قال قائل: هذا يلزم منه طرح أكثر الأحاديث وترك الاحتجاج بها! ؟
قيل: من هاهنا عظم ذلك على مسلم رحمه الله.
والصواب: أن ما لم يرد فيه السماع من الأسانيد لا يحكم باتصاله، ويحتج به مع إمكان اللقي، كما يحتج بمرسل أكابر التابعين، كما نص عليه الإمام أحمد.
ويرد على ما ذكره مسلم: أنه يلزمه أن يحكم باتصال كل حديث رواه من ثبت له رؤية من النبي صلى الله عليه وسلم بل هذا أولى، لأن هؤلاء ثبت لهم اللقي، وهو يكتفي بمجرد إمكان السماع.
ويلزمه أيضًا الحكم باتصال حديث كل من عاصر النبي صلى الله عليه وسلم وأمكن لقيه له إذا روى عنه شيئًا، وإن لم يثبت سماعه منه، ولا يكون حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا، وهذا خلاف إجماع أئمة الحديث، والله أعلم.
ثم إن بعض ما مثل به مسلم ليس كما ذكره.