الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
1 - تفسير القرآن بالقرآن:
هو أجل الوسائل لمعرفة أجل الغايات، فما أجمل فى كتاب الله فى موضع فإنه قد بسط فى موضع آخر.
يقول محمد الأمين الجكنى عن هذا النوع من التفسير:
وتفسير القرآن بالقرآن يراه الشيخ الذهبى مرحلة تتقدم غيرها من مراحل التفسير «ولا يجوز لأحد مهما كان أن يعرض عنها إلى مرحلة أخرى، لأن صاحب الكلام أدرى بمعانى كلامه، وأعرف به من غيره» (2).
وتقع وجوه الاختلاف بين كل مفسر وآخر فى استخدام هذا النوع من التفسير بأنواعه المختلفة حيث نرى من يستعين به فى معنى لفظة أو تحديد دلالتها (3)، أو توضيح حكم، أو جمع تفاصيل قصة من القصص القرآنى وزعت فى سور كثيرة.
(1) محمد الأمين بن محمد المختار الجكنى الشنقيطى" ت 1393 هـ" أضواء البيان فى إيضاح القرآن بالقرآن، المجلد الأول، ص 67، طبع وتوزيع الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء، الرياض، المملكة العربية السعودية 1403 هـ- 1983 م.
(2)
دكتور محمد حسين الذهبى، التفسير والمفسرون، ج 1، ص 40، دار الكتب الحديثة، القاهرة.
وانظر تقى الدين أحمد بن تيمية، مقدمة فى أصول التفسير، ص 39، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت- لبنان، 1980 م.
(3)
ذكرت الدكتور عائشة عبد الرحمن عن المنهج الذى شرحه المرحوم الأستاذ" أمين الخولى فى كتابه" مناهج تجديد فى فهم دلالات الألفاظ:
«نقدر أن العربية هى لغة القرآن فنلتمس الدلالة اللغوية الأصيلة التى تعطينا حس العربية للمادة فى مختلف استعمالاتها الحسية والمجازية، ثم تخلص للمح الدلالة القرآنية باستقراء كل ما فى القرآن من صيغ اللفظ، وتدبر سياقها الخاص فى الآية والسورة، وسياقها العام فى القرآن كله» . التفسير البيانى للقرآن الكريم، ج 1، ص 11، دار المعارف، مصر، ط 6.
ونرى أيضا من يستخدمه فى ترجيح قراءة على أخرى من القراءات المشهورة، أو دفع لما يوهم التعارض بين بعض الآيات.
ويقول ابن عاشور فى مقدمة التحرير والتنوير عن هذا النوع من التفسير:
وقد سار ابن عاشور فى تفسير القرآن بالقرآن وفق هذا المفهوم الذى حدده فى الفقرة السابقة، ومن أمثلة ذلك ما ذكره فى توضيح معنى لفظة فى قوله تعالى:
(1) سورة الحجر: الآية 6.
(2)
سورة القلم: الآية 2.
(3)
التحرير والتنوير، ج 1، ص 27.
كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (سورة المطففين: الآية 14) " والقلوب: العقول ومحال الإدراك، وهذا كقوله تعالى:
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ (1).
وفى معنى" إهلاك القرى" ذكر فى قوله تعالى:
ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ (سورة الأنعام:
الآية 131).
" والإهلاك: إعدام ذات الموجود وإماتة الحى.
قال تعالى: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ (2)، فإهلاك القرى إبادة أهلها وتخريبها، وإحياؤها إعادة عمرانها بالسكان والبناء، قال تعالى: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها (3) وإهلاك القرى هنا شامل لإبادة سكانها. لأن الإهلاك تعلق بذات القرى، فلا حاجة إلى التمجز فى إطلاق القرى على أهل القرى كما فى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ (4). لصحة الحقيقة هنا، ولأنه يمنع منه قوله: وأهلها غافلين. ألا ترى إلى قوله تعالى: وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً (5).
(1) التحرير والتنوير، ج 30، ص 199، والآية من سورة البقرة:7.
(2)
سورة الأنفال: الآية 42.
(3)
سورة البقرة: الآية 259.
(4)
سورة يوسف: الآية 82.
(5)
سورة الإسراء: الآية 16.
فجعل إهلاكها تدميرها، وإلى قوله: وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها (1).
وفى إيضاح معنى آية والقصد من كناية الضمائر فيها.
ذكر فى قوله تعالى:
وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ* وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ* وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ* سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ* إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ* إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (2).
" الكتاب المستبين" هو التوراة، والمستبين القوى الوضوح، فالسين والتاء للمبالغة يقال: استبان الشيء إذا ظهر ظهورا شديدا. وتعدية فعل الإتيان إلى ضمير موسى وهارون مع أن الذى أوتى التوراة هو موسى كما قال تعالى:
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ (3) من حيث إن هارون كان معاضدا لموسى فى رسالته فكان له حظ من إيتاء التوراة كما قال الله فى الآية الأخرى وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً (4)، وهذا من استعمال الإيتاء فى معنييه الحقيقى والمجازى» (5).
(1) سورة الفرقان: الآية 40.
وانظر التحرير والتنوير، ج 8، ص 82.
(2)
سورة الصافات: الآيات 17 - 122.
(3)
سورة البقرة: الآية 87.
(4)
سورة الأنبياء: الآية 48.
(5)
التحرير والتنوير، ج 23، ص 164.
وفى توضيح الدلالة من خلال السياق ذكر فى قوله تعالى:
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (سورة الزمر: الآية 9).
وفعل" يعلمون" فى الموضعين منزل منزلة اللازم فلم يذكر له مفعول.
والمعنى: الذين اتصفوا بصفة العلم، وليس المقصود الذين علموا شيئا معينا حتى يكون من حذف المفعولين اختصارا إذ ليس المعنى عليه، وقد دل على أن المراد الذين اتصفوا بصفة العلم قوله عقبة إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ أى أهل العقول، والعقل والعلم مترادفان، أى لا يستوى الذين لهم علم فهم يدركون حقائق الأشياء على ما هى عليه، وتجرى أعمالهم على حسب علمهم، مع الذين لا يعلمون فلا يدركون الأشياء على ما هى عليه، بل تخلط عليهم الحقائق وتجرى أعمالهم على غير نظام، كحال الذين توهموا الحجارة آلهة ووضعوا الكفر موضع الشكر. فتعين أن المعنى، لا يستوى من هو قانت آناء الليل يحذر ربه ويرجوه، ومن جعل لله أندادا ليضل عن سبيله، وإذ قد تقرر أن الذين جعلوا لله أندادا هم الكفار بحكم قوله قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا (1). ثبت أن الذين لا يستوون معهم هم المؤمنون، أى هم أفضل منهم، وإذ قد تقرر أن الكافرين من أصحاب النار فقد اقتضى أن المفضلين عليهم هم من أصحاب الجنة.
وعدل عن أن يقول: هل يستوى هذا وذاك، إلى التعبير بالموصول إدماجا للثناء على فريق ولزم فريق بأن أهل الإيمان أهل علم وأهل الشرك أهل
(1) سورة الزمر: الآية 8.
جهالة فأغنت الجملة بما فيها من إدماج عن ذكر جملتين، فالذين يعلمون هم أهل الإيمان، قال تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ (1) والذين لا يعلمون هم أهل الشرك الجاهلون، قال تعالى: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ (2).
والأمثلة السابقة دار أغلبها حول معنى" اللفظة" لتحقيق الدلالة القرآنية لها من خلال السياق.
ومن الأمثلة التى تتصل بالأحكام، ما ذكره فى قوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (سورة الأنعام: 151).
«ومن المفسرين من فسر الفواحش بالزنا، وجعل ما ظهر منها ما يفعله سفهاؤهم فى الحوانيت وديار البغايا، وبما بطن اتخاذ الأخدان سرا، روى هذا عن السدى، وروى عن الضحاك وابن عباس، كان أهل الجاهلية يرون الزنا سرا حلالا، ويستقبحونه فى العلانية، فحرم الله الزنى فى السر والعلانية، وعندى أن صيغة الجمع فى الفواحش ترجّح التفسير الأول كقوله تعالى:
الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ (3).
ولعل الذى حمل هؤلاء على تفسير الفواحش بالزنى قوله فى سورة
(1) سورة فاطر: الآية 28.
(2)
سورة الزمر: الآية 64، وانظر التحرير والتنوير، ج 23، ص 349.
(3)
سورة النجم: الآية 32.