الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثالثا: الجبرية:
وعن اعتقاد أصحاب هذا المذهب وأقوال بعض رجاله وصداها عند الأمويين يقول أبو ريان:
«أساس هذا المذهب الاعتقاد بأن الإنسان مجبور على أفعاله، وأن الله تعالى مقدر هذه الأفعال، فلا قدرة للإنسان ولا اختيار، والجهم بن صفوان أول من قال بذلك، وقد استغل الحكام الأمويون مقالته هذه فى توطيد حكمهم وقبول مظالمهم.
ومن آراء الجهم الكلامية: «نفى الصفات الإلهية التى تؤدى إلى تشبيهه تعالى بمخلوقاته، وإثبات صفتى الفعل والخلق لله وحده، إذ لا يصح وصف المخلوقات بها، ومن ثم فهى مجبورة على أفعالها، وكذلك فقد نفى الجهم أن يكون الله متكلما أو أن يكون مرئيا، وقال بخلق القرآن وفناء الخالدين» (1).
وذكر عبد القاهر البغدادى:
«الجهمية أتباع جهم بن صفوان الذى قال بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال، وأنكر الاستطاعات كلها، وزعم أن الجنة والنار تبيدان وتفنيان، وزعم أيضا أن الإيمان هو المعرفة بالله تعالى فقط، وأن الكفر هو الجهل به، وقال: لا فعل ولا عمل لأحد غير الله تعالى، وإنما تنسب الأعمال إلى المخلوقين على المجاز، كما يقال على المجاز، زالت الشمس، ودارت الرحى من غير أن يكونا فاعلين أو مستطلعين لما وصفتا به، وزعم أن الله تعالى حادث، وامتنع عن وصف الله بأنه شىء، أو حىّ، أو عالم مريد، وقال بحدوث كلام الله تعالى كما قالته القدرية
…
وأكفره أصحابنا فى جميع ضلالاته،
(1) دكتور محمد على أبو ريان تاريخ الفكر الفلسفى فى الإسلام ص 146 وانظر الشهرستانى فى الملل النحل ج 1 ص 85 وما بعدها.
وأكفرته القدرية فى قوله: (إن الله تعالى خالق أعمال العباد) فاتفق أحناف الأمة على تكفيره" (1).
وتتلاقى معظم هذه الأقوال مع الأقوال الجعد بن درهم الذى قال بالقدر وخلق القرآن والتعطيل.
وذكر ابن عاشور فى تفسير قوله تعالى: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (2).
وسبب هذه الضلالة العارضة لأهل الضلال من الأمم التى تلوح فى عقول بعض عوام المسلمين فى معاذيرهم للمعاصى والجرائم أن يقولوا: أمر الله أو مكتوب عند الله أو نحو ذلك. هو جهل بأن حكمة الله تعالى فى وضع نظام هذا العالم اقتضت أن يجعل حجابا بين تصرفه تعالى فى أحوال المخلوقات، وبين تصرفاتهم فى أحوالهم بمقتضى إرادتهم، وذلك الحجاب هو ناموس ارتباط المسببات بأسبابها، وارتباط أحوال الموجودات فى هذا العالم بعضها بعض، ومنه ما يسمى بالكسب والاستطاعة عند جمهور الأشاعرة، ويسمى بالقدرة عند المعتزلة وبعض الأشاعرة، وذلك هو مورد التكليف الدال على ما يرضاه الله وما يرضى به، وأن الله وضع نظام هذا العالم بحكمة، فجعل
قوامه هو تدبير الأشياء أمورها من ذواتها بحسب قوى أودعها فى الموجودات لتسعى لما
(1) الفرق بين الفرق ص 158 ط 1 القاهرة 1998 م.
(2)
سورة الأنعام الآية 148.
خلقت لأجله، وزاد الإنسان مزية بأن وضع له عقلا يمكنه من تغيير أحواله على حسب احتياجه، ووضع له فى عقله وسائل الاهتداء إلى الخير والشر، كما قيض له دعاة إلى الخير تنبهه إليه إن ضلّه عقله، أو حجبته شهوة، فإن هو لم يرعو عن غيه، فقد خان نفسه وبهذا ظهر تخليط أهل الضلالة بين مشيئة العباد ومشيئة الله، فلذلك رد الله عليهم هنا قولهم:" لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا" لانهم جعلوا ما هو مشيئة لهم مشيئة الله تعالى، ومع ذلك فهو قد أثبت مشيئة فى قوله:" ولو شاء الله ما أشركوا" فهى مشيئة تكوين نظام الجماعة.
فهذه المشيئة التى اعتلوا بها مشيئة لا تتوصل إلى الاطلاع على كنهها عقول البشر، فلذلك نفى الله عليهم استنادهم إليها على جهلهم بكنهها فقال:
" كذلك كذب الذين من قبلهم" فشبه بتكذيبهم تكذيب المكذبين الذين من قبلهم، فكنى بذلك عن كون مقصد المشركين من هذه الحجة تكذيب النبى- صلى الله عليه وسلم وليس فى هذه الآية ما ينهض حجة لنا على المعتزلة، ولا للمعتزلة علينا، وأن حاول كلا الفريقين ذلك لأن الفريقين متفقان على بطلان حجة المشركين وفى الآية حجة على الجبرية (1).
ومفاد هذا الكلام أن ابن عاشور قد ذهب فى تفسيره لهذه الآية إلى أن الله سبحانه قد وضع نظاما للعالم اقتضت حكمته تعالى أن يجعل حجابا بين تصرفه فى أحوال المخلوقات وبين تصرفاتهم وفق مشيئتهم، أو بمقتضى إرادتهم وفق ناموس ارتباط المسببات والموجودات، وقد يطلق على ذلك (الكسب والاستطاعة) عند الأشاعرة، أو (القدرة) عند المعتزلة.
والإنسان فى حساب هذا الناموس الإلهى مسئول عن أفعاله ليصح التكليف، ويرفض ابن عاشور هذه المعاذير التى يتذرع بها بعض عوام المسلمين
(1) التحرير والتنوير ج 8 ص 147.