الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وذكر فى الإجابة عن ذلك:
«قلت: أرانى كما حسبت أثبت ذلك وأبيحه، وهل اتسعت التفاسير وتفننت مستنبطات معانى القرآن إما رزقه الذين أوتوا العلم من فهم كتاب الله؟ وهل يتحقق قول علمائنا: «إن القرآن لا تتقضى عجائبه» إلا بازدياد المعانى باتساع التفسير؟
ولولا ذلك لكان التفسير مختصرا فى ورقات قليلة، وقد قالت عائشة:
«ما كان رسول الله يفسر من كتاب الله إلا آيات معدودات علمه جبريل إياهن» (1).
ويقول معللا الأسباب التى أدت إلى عدم الركون إلى التفسير بالمأثور فحسب:
«لو كان التفسير مقصورا على بيان معانى مفردات القرآن من جهة العربية لكان التفسير نزرا، ونحن نشاهد كثرة أقوال السلف من الصحابة، فمن يليهم فى تفسير آيات القرآن وما أكثر ذلك الاستنباط برأيهم وعلمهم، قال الغزالى والقرطبى: لا يصح أن يكون كل ما قاله الصحابة فى التفسير مسموعا من النبى- صلى الله عليه وسلم لوجهين:
أحدهما: أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يثبت عنه من التفسير إلا تفسير آيات قليلة، وهى ما تقدم عن عائشة.
ثانيهما: أنهم اختلفوا فى التفسير على وجوه مختلفة لا يمكن الجمع بينها وسماع جميعها» (2).
ثم يتساءل:
(1) المصدر السابق، الصفحة نفسها.
(2)
التحرير والتنوير، ج 1، ص 30.
ويقول عن المحاذير التى جعلت أمام من يفسر القرآن بالرأى:
وهذه الوجوه تدور حول ألا يكون المراد بالرأى هو القول عن مجرد خاطر دون الاستناد إلى نظر فى أدلة العربية ومقاصد الشريعة وتصاريفها، وألا يتدبر المفسر القرآن حق تدبره، فيفسره بما يخطر له من بادئ الرأى دون إحاطة بجوانب الآية ومواد التفسير، أو أن يكون له ميل إلى نزعة أو مذهب أو نحلة فيتأول القرآن وفق رأيه ويصرفه عن المراد، أو يفسر القرآن برأى مستند إلى ما تقتضيه اللفظة، ثم يزعم أن ذلك هو المراد دون غيره لما فى ذلك من تضييق على المتأولين، وأخيرا أن يكون القصد من التحذير أخذ الحيطة فى التدبر والتأويل ونبذ التسرع إلى ذلك.
ويقول عن موقف التابعين فى التفسير، وعن بعض المفسرين الذين التزموا بالآثار المروية، وعن بعضهم الآخر الذين نحوا بتفاسيرهم إلى التفسير بغير المأثور:
(1) سورة النساء: الآية: 115.
وانظر التحرير والتنوير، ج 1، ص 30.
(2)
المصدر السابق، الصفحة نفسها.
وهذه ضوابط استخلصها ابن عاشور من المراحل المتعاقبة لتاريخ التفسير التى تنوعت فيها أدوات المفسرين واتجاهاتهم، خصوصا أصحاب الاتجاهات الإخبارية والنزعات الحزبية، أو الإشارات الصوفية أو القصصية، وأقحموا فى التفسير ما لا خير فيه، وجاءوا بالموضوعات والإسرائيليات، وابتعدوا عن أصالة العربية ومقاصد الشريعة، وضيقوا معانى الآية، واستباحوا لأنفسهم أن يقولوا دون علم أو تأويل صحيح.
أما هؤلاء الذين خلصت نياتهم وسلمت قلوبهم واكتملت أدواتهم وقدراتهم والذين عرفهم تاريخ التفسير من صحابة وتابعين ومفسرين فلهم أن يقولوا بما هداهم الله إليه، وقد راح ابن عاشور وفق هذه الضوابط التى انتهى إليها فى (التفسير بالرأى) يفسر آيات الكتاب الكريم، يستعين أولا بمقومات
(1) التحرير والتنوير، ج 1، ص 33.