الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
- أما الشعر الذى تخطى عصور الاحتجاج فكان الشعراء قد رسخت أقدامهم فى العربية، وتقدمتهم دراسات بلاغية مختلفة حيث تأثر شعرهم باتجاهاتها الجديدة
وموضوعاتها المستحدثة، فأخذوا ينشدون أشعارهم وفق معايير نقدية جديدة، واخترعوا أغراضا لم تظهر على ساحة التعبير الشعرى من قبل، واحتاجوا إلى صور فيها من الفطنة والتأمل والتجربة والظلال والألوان وحركات النفس الداخلية ما يسمح بالتعبير عن أشواق الإنسان وعواطفه العليا وذوقه الخالص من التكلف والمبالغة، ودعتهم روح العصر إلى التعبير عن صورهم بوسائل جديدة، ومسالك طريفة يظهرون فيها استقلالهم عن الأشكال الشعرية التقليدية، والمضامين والأشكال والأفكار التى لا توافق زمانهم.
وقد أعان هذا الشعر الجديد ابن عاشور فى توضيح بعض الجوانب البلاغية للآية، فالقرآن لا تنقضى عجائبه، ولكل عصر أدواته التى يحاول بها الوصول إلى مكنون بعض هذه العجائب.
ثانيا: اللغة:
أ- الألفاظ:
لم يشغل الحديث عن اللغة فى المقدمات العشر فى التحرير والتنوير جزءا خاصا به، وقد يرجع ذلك لدورها البارز فى كل ما ذكره ابن عاشور فى هذه المقدمات، فهى جانب مهم فيما تناوله فى المقدمة الأولى [فى التفسير والتأويل وكون التفسير علما] وفى المقدمة الثانية [فى استمداد علم التفسير] وفى الثالثة [فى صحة التفسير بغير المأثور ومعنى التفسير بالرأى] وفى السادسة [فى القراءات] وفى التاسعة [فى أن المعانى التى تتحملها جمل القرآن تعتبر مرادة بها] وفى العاشرة [فى إعجاز القرآن].
وقد أوضح ابن عاشور دور اللغة فى المقدمات المذكورة هذه وعلاقتها بما عنون به كل مقدمة، وقام تفسيره على حيوية هذا الدور وتداخله، فما ترك من آية إلا واستوفى الجانب اللغوى حقه، يتناول كل كلمة منها، يفصل القول فيها من كل جانب لغويا كان أو شرعيا، حقيقة أو مجازا، يستعين بكل ما يمكن الاستعانة به من قرآن وحديث وشعر وقول مفسر. وعالم لغة أو غير ذلك من الشواهد، ومن وراء ذلك كله ثقافته الواسعة فى هذا الميدان، وبعد حديثه عن الكلمة من حيث دلالتها اللغوية أو الشرعية يذكر موقع الجملة التى جاءت فيها هذه الكلمة فى الإعراب ووجه العلاقة بينها وبين الجملة التالية لها، فالسورة عنده تمثل وحدة عامة مهما كان تعدد أغراضها.
ومما ذكره فى" المقدمة الثانية" فى بيان دور اللغة وقواعد العربية وعلاقتهما بفهم معانى القرآن.
«أما العربية فالمراد منها معرفة مقاصد العرب من كلامهم وأدب لغتهم سواء حصلت تلك المعرفة بالسجية والسليقة، كالمعرفة الحاصلة للعرب الذين نزل القرآن بين ظهرانيهم، أم حصلت بالتلقى والتعلم كالمعرفة الحاصلة للعرب الذين شافهوا بقية العرب ومارسوهم، والمولدين الذين درسوا علوم اللسان ودونوها.
إن القرآن كلام عربى فكانت قواعد العربية طريقا لفهم معانيه، وبدون ذلك يقع الغلط وسوء الفهم، لمن ليس بعربى بالسليقة، ونعنى بقواعد العربية مجموع علوم اللسان العربى، وهى: متن اللغة، والتصريف، والنحو، والمعانى، والبيان، ومن وراء ذلك استعمال العرب المتّبع من أساليبهم فى خطبهم وأشعارهم وتراكيب بلغائهم» (1).
(1) التحرير والتنوير، ج 1، ص 18.
وتعيننا هذه الفقرة على ترسّم خطى ابن عاشور فى تفسيره اللغوى، فقواعد العربية طريق لفهم معانى القرآن، وما تعنيه هذه القواعد من مجموع علوم اللسان العربى، وهى متن اللغة والتصريف والنحو والمعانى والبيان فضلا عما استعمله العرب فى أساليبهم فى الخطب والشعر وتراكيب البلغاء منهم.
وقد قدّمنا الحديث عن" الشعر" لأنه أخطر ما دونه العرب على لسانهم وأكثر أنواع البيان بقاء وانتشارا.
وفى سبيل تحديد الأسس التى قام عليها تفسيره للألفاظ نأتى بهذا المثال، ثم بأمثلة أخرى تفصّل أبعاد هذا التفسير، وطريقة تناوله لصور الألفاظ المختلفة.
قال فى تفسير لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ، من قوله تعالى:
الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (سورة البقرة: الآية 1، 2) «حال من الكتاب أو خبر أول أو ثان، والريب الشك، وأصل الريب القلق واضطراب النفس، وريب الزمان وريب المنون نوائب ذلك، قال الله تعالى: نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (1)، ولما كان الشك يلزمه اضطراب النفس وقلقها غلب عليه الريب فصار حقيقة عرفية، يقال رابه الشيء إذا شككه أى يجعل ما أوجب الشك فى حاله، فهو متعد، ويقال أرابه كذلك إذ الهمزة لم تكسبه تعدية زائدة، فهو مثل لحق وألحق، وزلقه، وأزلقه، وقد قيل إن أراب أضعف من راب، أراب بمعنى قرّبه من أن يشك، قاله أبو زيد، وعلى التفرقة قال بشار:
(1) سورة الطور: الآية 30.
أخوك الذى إن ربته قال إنما
…
أرتب وإن عاتبته لان جانبه (1)
وفى الحديث «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» أى دع الفعل الذى يقربك من الشك فى التحريم إلى فعل آخر لا يدخل عليك فى فعله شك فى أنه مباح (2).
ويعنى ابن عاشور هنا بتوضيح معنى" الريب" وأصل هذه الكلمة، ويأتى بشاهد من القرآن، ويبين حركة النفس فى حال الشك وما يصاحبها من قلق غلب عليه" الريب"
فصار حقيقة عرفية، ويأخذ فى شرح" رابه" دون همزة أو عند دخولها عليه، ثم يقارن بينهما من حيث الأقرب إلى كلام العرب كما ذكره أبو زيد، ويأتى ببيت بشار لتوضيح الفرق بينهما، ثم بحديث يفسر به المقصود من" الريب".
وبعد فراغه من ذلك يتناول بالتفصيل معنى" هُدىً" لغويا ويتتبع نظائره ودلالته والمنقول منه، وما استقر عليه معناه فى الشرع وأثره على المتقين.
وقوله هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الهدى اسم مصدر الهدى، ليس له نظير فى لغة العرب إلا سرّى وتقى وبكى ولفى مصدر لفى فى لغة قليلة، وفعله هدى هديا يتعدى إلى المفعول الثانى بإلى، وربما تعدى إليه بنفسه على طريقة الحذف المتوسع (3).
«والهدى على التحقيق هو الدلالة التى من شأنها الإيصال إلى البغية،
(1) أى إن فعلت معه ما يوجب شكه فى مودتك راجع نفسه، وقال إنما قربنى من الشك ولم أشك فيه، أى التمس لك العذر.
(2)
التحرير والتنوير، ج 1، ص 222.
(3)
التحرير والتنوير، ج 1، ص 222.
وهذا هو الظاهر فى معناه لأن الأصل عدم الترادف، فلا يكون هدى مرادفا لدلّ، ولأن المفهوم من الهدى الدلالة الكاملة، وهذا مرافق للمعنى المنقول إليه الهدى فى العرف الشرعى» (1).
ويقول فى" لِلْمُتَّقِينَ"
وعن كل من الهدى والمتقين يقول:
«والمراد من الهدى ومن المتقين فى الآية معناهما اللغوى، فالمراد أن القرآن من شأنه الإيصال إلى المطالب الخيرية، وأن المستعدين للوصول به إليها
(1) المصدر السابق، الصفحة نفسها.
(2)
التحرير والتنوير، ج 1، ص 225.
(3)
التحرير والتنوير، ج 1، ص 226.
(4)
المصدر السابق، الصفحة نفسها.