الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من خلال استقراء الأمثلة السابقة- وغيرها- مما أورده ابن عاشور فى أسباب النزول يمكن القول أن أبرز سمات استخدام ابن عاشور لأسباب النزول هى:
- ذكر أكثر من رواية فى سبب نزول الآية الواحدة دون ترجيح أو توثيق، وأحيانا يستبعد واحدة من هذه الروايات مع تعليل هذا الاستبعاد.
- أهم مصادر أسباب النزول عند ابن عاشور: البخارى، والموطأ، والواحدى، والطبرى، وابن عطية وتفسير الفخر الرازى، ولا يمنع ذلك أن تكون هناك مصادر أخرى من كتب الحديث كصحيح مسلم، والترمذى، وابن ماجة وغيرهم، أو من كتب التفسير الأخرى كتفسير الجصاص والقرطبى والزمخشرى.
- قد يكتفى أحيانا باسم التابعى الذى وردت عنه الرواية دون ذكر الإسناد من قبيل الاختصار.
- أكثر الذين ذكر مروياتهم فى أسباب النزول من التابعين الذين وثّقهم النقاد.
6 - التفسير بالقصص:
التفسير بالقصص من الوسائل التى لجأ إليها ابن عاشور فى تفسيره «والقصص القصة، وفعل بمعنى مفعول كالنقص والقبض، والقصص جمع القصة، ويقال اقتصصت الحديث، وقصصته قصا، وقصصا رويته على جهته، وهو من اقتصصت بالخبر تتتابع فيه المعانى» (1).
- وانظر أمثلة أخرى: ج 2 ص 193، 197، 298، 324، 338. ج 3 ص 304، 349. ج 5 ص 208. ج 8 ص 33. ج 10 ص 143. ج 11 ص 30. ج 15 ص 242. ج 16 ص 85. ج 17 ص 154. ج 18 ص 282، 286. ج 22 ص 20. ج 23 ص 202. ج 24 ص 270.
ج 27 ص 165. ج 28 ص 232.
(1)
أبو على الفضل بن الحسن الطبرسى، مجمع البيان فى تفسير القرآن، المجلد الثانى، ج 3، ص 102 منشورات مكتبة الحياة بيروت- لبنان 1380 هـ 1961 م.
وهناك فروق بين تفسير القصة فى حدود المضمون القرآنى والفهم العربى للنصوص القرآنية، والذى يعتبر فيه النقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة أو التابعين هو المصدر الأساسى، وبين الإسرائيليات فمصدرها الأساسى أهل الكتاب يهود ومسيحيون وعوامهما (1).
ويقول الشيخ محمد أبو زهرة عن طابع القصص القرآنى: «إننا إذ نظرنا نظرة فاحصة تليق بمقام القرآن، ومكانته فى البيان الغربى، نجد أن التكرار فيه له مغزى، ذلك أن القرآن ليس كتاب قصص، وليس كالروايات القصصية التى تذكر الحوادث المتخيلة أو الوقعة.
إنما قصص القرآن، وهو قصص لأمور واقعة، يساق للعبر وإعطاء المثلات، وبيان مكان الضالين ومنزلة المهتدين، وعاقبة الضلال وعاقبة الهداية، وبيان ما يقاوم به النبيون، وورائهم كل الدعاة للحق، فهو قصص للعبرة بين الواقعات، لا لمجرد المتعة من الاستماع، والقراءة، ولذلك قال الله تعالى فى آخر قصة نبى الله يوسف عليه السلام. لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (2) (سورة يوسف: الآية 111).
ويقول أبو جعفر الطوسى عن الوجه فى تكرير القصة بعد القصة فى القرآن الكريم:
«إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم كان يبعث إلى القبائل المتفرقة بالسور المختلفة، فلو لم تكن الأنباء والقصص مكررة لوقعت قصة
(1) انظر الدكتور محمد حسين الذهبى، الإسرائيليات فى التفسير والحديث مكتبة وهبة- القاهرة.
(2)
الشيخ محمد أبو زهرة، المعجزة الكبرى" القرآن، ص 162 - 163.
موسى إلى قوم، وقصة نوح إلى قوم آخرين، فأراد الله بلطفه ورحمته أن يشهر هذه القصص فى أطراف الأرض، ويلقيها فى كل سمع، ويثبتها فى كل قلب، ويزيد الحاضرين فى الإفهام» (1).
ولا نعتقد أن هدف القصص القرآنى كان على هذا النحو، فالقصة الواحدة لا تتكرر بعينها فى السور المختلفة، ولكنها فى كل سورة تحمل طابعا مغايرا يختلف من حيث الإطالة أو التركيز تبعا للعبرة المقصودة، فضلا عن تنوع هذه القصص، فليست هى مقصورة على قصص الأنبياء فحسب، ولكن هناك أيضا قصص ابني آدم، وأهل الكهف، وقارون، وأصحاب الأخدود، وأصحاب الفيل، وقصص صدر الدعوة الإسلامية، كالغزوات، والهجرة، والإسراء وغيرها (2).
ومما ذكره ابن عاشور فى مقدمة التحرير والتنوير عن المنهج القصصى للقرآن الكريم: «والقصة: الخبر عن حادثة غائبة عن المخبر بها، فليس ما فى القرآن من ذكر الأحوال الحاضرة فى زمن نزوله قصصا مثل ذكر وقائع المسلمين مع عدوهم وجمع القصة قصص بكسر القاف، وأما القصص بفتح القاف فاسم للخبر المقصوص وهو مصدر وسمى به المفعول، يقال قصّ على فلان إذا أخبره بخبر.
وأبصر أهل العلم أن ليس الغرض من سوقها قاصرا على حصول العبرة والموعظة مما تضمنته القصة من عواقب الخير أو الشر، ولا على حصول التنويه بأصحاب تلك القصص فى عناية الله بهم، أو التشويه بأصحابها فيما لاقوه من
(1) التبيان فى تفسير القرآن، المجلد الأول، ج 1، ص 14.
(2)
وانظر أبا القاسم محمد بن أحمد بن حرى الكلبى الغرناطى (ت 741 هـ) التسهيل لعلوم التنزيل، ص 6، الدار العربية للكتاب.
غضب الله عليهم كما تقف عنده أفهام القانعين بظواهر الأشياء وأوائلها، بل الغرض من ذلك أسمى وأجلّ. إن فى تلك القصص لعبرا جمة وفوائد للأمة؛ ولذلك نرى القرآن يأخذ من كل قصة أشرف مواضيعها ويعرض عما عداه ليكون تعرضه للقصص منزها عن قصد التفكه بها. من أجل ذلك كله لم تأت القصص فى القرآن متتالية متعاقبة فى سورة أو سور كما يكون كتاب التاريخ، بل كانت مفرقة موزعة على مقامات تناسبها، لأن معظم الفوائد الحاصلة منها لها علاقة بذلك التوزيع، هو ذكر وموعظة لأهل الدين فهو بالخطابة أشبه» (1).
ومن القصص القرآنى الذى يتعلق بالحوادث الغابرة قصة أصحاب الأخدود المذكورة فى سورة البروج.
يقول ابن عاشور عن بعض أغراض هذه السورة:
ومما ذكره فى تفسير قوله تعالى: وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ* وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ* وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ* قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ سورة البروج، الآية 1 - 4.
«وهذه قصة اختلف الرواة فى تعيينها وفى تعيين المراد منها فى هذه الآية.
(1) التحرير والتنوير، ج 1، ص 64 - 65.
(2)
التحرير والتنوير، ج 3، ص 236.
والروايات كلها تقتضى أن المفتونين بالأخدود قوم اتبعوا النصرانية فى بلاد اليمن على أكثر الروايات، أو فى بلاد الحبشة على بعض الروايات، وذكرت فيها روايات متقاربة تختلف بالإجمال والتفصيل، والترتيب، والزيادة، والتعيين، وأصحها ما رواه مسلم والترمذى عن صهيب أن النبى صلى الله عليه وسلم ساقها تفسيرا لهذه الآية، والترمذى ساق حديثها فى تفسير سورة البروج.
وعن مقاتل كان الذين اتخذوا الأخاديد فى ثلاث من البلاد بنجران، وبالشام، وبفارس. أما الذى بالشام ف (أنطانيوس) الرومى وأما الذى بفارس فهو (بختنصر) والذى بنجران ف (يوسف ذو نواس). ولنذكر القصة التى أشار إليها القرآن تؤخذ من سيرة ابن إسحاق على أنها جرت فى نجران من بلاد اليمن، وأنه كان ملك وهو ذو نواس له كاهن أو ساحر، وكان للساحر تلميذ اسمه عبد الله بن الثامر وكان يجد فى طريقه إذ مشى إلى الكاهن صومعة فيها راهب كان يعبد الله على دين عيسى عليه السلام ويقرأ الإنجيل اسمه (فيميون) بفاء، فتحتية، فميم، فتحتية (وضبط فى الطبعة الأوروبية من سيرة ابن إسحاق- التى يلوح أن أصلها المطبوعة عليه أصل صحيح، بفتح فسكون فكسر فضم)، قال السهيلى، ووقع للطبرى بقاف عوض الفاء. وقد يحرف فيقال ميمون بميم فى أوله وبتحتية واحدة، أصله فى غسان من الشام ثم ساح فاستقر بنجران، وكان منعزلا عن الناس مختفيا فى صومعته، وظهرت لعبد الله فى قومه كرمات. وكان كلما ظهرت له كرامة دعا من ظهرت لهم إلى أن يتبعوا النصرانية، فكثر المتنصرون فى نجران، وبلغ ذلك الملك ذا نواس وكان يهوديا، وكان أهل نجران مشركين يعبدون نخلة طويلة، فقتل الملك الغلام وقتل الراهب
وأمر بأخاديد وجمع فيها حطب وأشعلت، وعرض أهل نجران عليها فمن رجع عن التوحيد تركه ومن ثبت على الدين الحق قذفه فى النار.
فكان أصحاب الأخدود ممن عذب من أهل دين المسيحية فى بلاد العرب. وقصص الأخاديد كثيرة فى التاريخ، والتعذيب بالحرق طريقة قديمة، ومنها: نار إبراهيم عليه السلام. وأما تحريق عمرو بن هند مائة من بنى تميم وتلقيبه بالمحرق فلا أعرف أن ذلك كان باتخاذ أخدود. وقال ابن عطية: رأيت فى بعض الكتب أن أصحاب الأخدود هو محرق وآله الذى حرق من بنى تميم مائة» (1).
وفى قوم تبّع ذكر فى قوله تعالى: أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (سورة الدخان: الآية 37).
«وافتتح الكلام بالاستفهام التقريرى لاسترعاء الأسماع لمضمونه لأن كل أحد يعلم أن تبعا ومن كان قبله من الملوك خير من هؤلاء المشركين.
والمعنى: أنهم ليسوا خيرا من قوم تبع ومن قبلهم من الأمم الذين استأصلهم الله لأجل إجرامهم فلما ماثلوهم فى الإجرام فلا مزية لهم تدفع عنهم استئصال الذى أهلك الله به أمما قبلهم.
والاستفهام فى" أهم خير أم قوم تبع" تقريرى، إذ لا يسعهم إلا أن يعترفوا بأن قوم تبع والذين من قبلهم خير منهم لأنهم كانوا يضربون بهم الأمثال فى القوة والمنعة؛ والمراد بالخيرية التفضيل فى القوة والمنعة، كما قال تعالى بعد ذكر قوم فرعون أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ (2).
(1) التحرير والتنوير، ج 30، ص 241، 242.
(2)
سورة القمر: الآية 43.
وقوم تبع هم حمير، وهم سكان اليمن وحضر موت من حمير وسبأ، وقد ذكرهم الله تعالى فى سورة ق.
وتبع بضم الميم وتشديد الموحدة لقب لمن يملك جميع بلاد اليمن حميرا وسبأ وحضر موت. فلا يطلق على الملك لقب تبع إلا إذا ملك هذه المواطن الثلاثة، قيل سموه تبعا باسم الظل لأنه يتبع الشمس كما يتبع ظل الشمس، ومعنى ذلك: أنه يسير بغزوته إلى كل مكان تطلع عليه الشمس، كما قال تعالى فى ذى القرنين فَأَتْبَعَ سَبَباً* حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ إلى قوله لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً (1) وقيل لأنه تتبعه ملوك مخاليف اليمن، وتخضع له جميع الأقيال والأذواء من ملوك مخاليف اليمن وأذوائه، فلذلك لقب تبعا لأنه تتبعه الملوك.
وتبع المراد هنا المسمى أسعد والمكنى أبا كرب، كان قد عظم سلطانه وغزا بلاد العرب ودخل مكة ويثرب وبلغ العراق، ويقال إنه الذى بنى مدينة الحيرة فى العراق، وكانت دولة تبع فى سنة ألف قبل البعثة المحمدية، وقيل كان فى حدود السبعمائة قبل بعثة النبى صلى الله عليه وسلم.
وتعليق الإهلاك بقوم تبع دونه يقتضى أن تبعا نجا من هذا الإهلاك وأن الإهلاك سلّط على قومه، قالت عائشة: ألا ترى أن الله ذم قومه ولم يذمه.
والمروى عن النبى صلى الله عليه وسلم فى مسند أحمد وغيره أنه قال:
«لا تسبوا تبعا فإنه كان قد أسلم (وفى رواية) كان مؤمنا» وفسره بعض العلماء بأنه كان على دين إبراهيم عليه السلام، وأنه اهتدى إلى ذلك بصحبة حبرين من أحبار
اليهود لقيهما بيثرب حين غزاها، وذلك يقتضى نجاته من الإهلاك ولعل الله أهلك قومه بعد موته أو فى مغيبه» (2).
(1) سورة الكهف، والآيات المقصودة: 86 - 90.
(2)
التحرير والتنوير، ج 25، ص 308.
وعن عاد وثمود ذكر فى قوله تعالى وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى * وَثَمُودَ فَما أَبْقى * وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى (سورة النجم 50 - 52).
«لما استوفى ما يستحقه مقام النداء على باطل أهل الشرك من تكذيبهم النبى، صلى الله عليه وسلم، وطعنهم فى القرآن ومن عبادة الأصنام، وقولهم فى الملائكة، وفاسد معتقدتهم فى أمور الآخرة، وفى المتصرف فى الدنيا، وكان معظم شأنهم فى هذه الضلالات شبيها بشأن أمم الشرك البائدة؛ نقل الكلام إلى تهديدهم بخوف أن يحل بهم ما حل بتلك الأمم البائدة، فذكر من تلك الأمم أشهرها عند العرب وهم: عاد، وثمود، وقوم نوح، وقوم لوط.
فموقع هذه الجملة كموقع الجمل التى قبلها فى احتمال كونها زائدة على ما فى صحف موسى وإبراهيم ويحتمل كونها مما شملته الصحف المذكورة فإن إبراهيم كان بعد عاد وثمود وقوم نوح، وكان معاصرا للمؤتفكة عالما بهلاكها.
ولكون هلاك هؤلاء معلوما لم تقرن الجملة بضمير الفصل. ووصف عاد ب" الأولى" على اعتبار عاد اسما للقبيلة كما هو ظاهر. ومعنى كونها أولى لأنها أول العرب ذكرا وهم أول العرب البائدة، وهم أول أمة أهلكت بعد قوم نوح.
وأما القول بأن عاد هذه لما هلكت خلفتها أمة أخرى تعرف بعاد إرم أو عاد الثانية كانت فى زمن العماليق فليس بصحيح.
ويجوز أن يكون" الأولى" وصفا كاشفا، أى عادا السابقة، وقيل" الأولى" صفة عظمة، أى الأولى فى مراتب الأمم قوة وسعة.
وإنما قدم فى الآية ذكر عاد وثمود على ذكر قوم نوح مع أن هؤلاء أسبق لأن عادا وثمودا أشهر فى العرب وأكثر ذكرا بينهم وديارهم فى بلاد العرب» (1).
وفى قصة موسى عليه السلام، ذكر ابن عاشور فى تفسير قوله تعالى:
وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ (سورة البقرة: الآية 61).
والقصص القرآنى ليست كغيرها من القصص، فأحداثها واقع تاريخى يخلو من المبالغات والأوهام والأباطيل، وقد تكون مجملة مرة، ومفصلة مرة أخرى، ولكن تختلف صياغتها فى كل مرة من هذه المرات تبعا للهدف الذى يسعى إليه السياق، ووحدة الحدث والوحدة العامة تغنيان عن تفاصيل كثيرة،
(1) التحرير والتنوير، ج 27، ص 152.
(2)
التحرير والتنوير، ج 1، ص 521.
ولا يلعب الترتيب الزمنى فيها شرطا بارزا، وغالبا ما يعقب أحداث القصة تعليل واضح مظهرا الجزاء أو العاقبة.
ومن وجوه الإعجاز فى القصص القرآنى أن عرب الجزيرة العربية قبل الإسلام لم يعرفوا هذه القصص، لا فى أخبارها، ولا فى أسلوبها.
وإذا كان بعض هذه الأخبار قد وصل إليهم، فقد كان عن طريق اليهود والمسيحيين من ساكنى الجزيرة العربية، وبعض التجار الذين كانوا ينتقلون بين أرجائها، وتناقلتها الأفواه، وتشويش الحقائق فيها ظاهر، والأكاذيب والتحريف والمعتقدات الفاسدة تملؤها.
وقد تكون فى القصص القرآنى تسلية للنبى صلى الله عليه وسلم، وتثبيت فؤاده، وتثبيت قلوب المؤمنين معه، وقد يكون فيها كذلك شحذ للهمم أو استرواح للنفوس، ولكن يتحقق كل ذلك من خلال عرض حقائق معجز فى أسلوبه، مقنع فى عظاته، تتعدد فيه ألوان البيان الصافى أيا ما كانت صور التكرار.
وقد قرأنا فى المثال السابق قصة موسى مع اليهود الذين خرجوا معه، وعدم صبرهم على طعام واحد، وفى المثال التالى جزء آخر من قصة موسى عليه السلام وهو لم يزل فى المهد، وقد حرص ابن عاشور على بيان ما تضمنه من موعظة وذكرى.
جاء فى تفسير قوله تعالى: فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ سورة القصص: الآية 13.
«وموضع العبرة من هذه القصة أنها تتضمن أمورا ذات شأن فيها ذكرى للمؤمنين وموعظة للمشركين.
فأول ذلك وأعظمه: إظهار أن ما علمه الله وقدره هو كائن لا محالة كما دلّ عليه قوله وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ (1) إلى قوله يَحْذَرُونَ وإن الحذر لا
ينجى من القدر.
وثانيه: إظهار أن العلو الحق لله تعالى وللمؤمنين وأن علو فرعون لم يغن عنه شيئا فى دفع عواقب الجبروت والفساد ليكون فى ذلك عبرة لجبابرة المشركين من أهل مكة.
وثالثه: أن تمهيد القصة بعلو فرعون وفساد أعماله مشير إلى أن ذلك هو سبب الانتقام منه والأخذ بناصر المستضعفين ليحذر الجبابرة سوء عاقبة ظلمهم وليرجوا الصابرون على الظلم أن تكون العاقبة لهم.
ورابعه: الإشارة إلى حكمة وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ (2) فى جانب بنى إسرائيل وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ (3) فى جانب فرعون إذ كانوا فرحين باستخدام بنى إسرائيل وتدبير قطع نسلهم.
وخامسه: أن إصابة قوم فرعون بفئة من قبل من أملوا منه النفع أشد عبرة للمعتبر وأوقع حسرة على المستبصر، وأدل على أن انتقام الله يكون أعظم من انتقام العدو، كما قال فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً مع قوله عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً (4).
(1) سورة القصص: الآيتان 5، 6.
(2)
سورة البقرة: الآية 216.
(3)
سورة البقرة: الآية 216.
(4)
سورة القصص: الآية 8، 9.
وسادسه: أنه لا يجوز بحكم التعقل أن تستأصل أمة كاملة لتوقع مفسد فيها، لعدم التوازن بين المفسدين، ولأن الإحاطة بأفراد أمة كاملة متعذرة فلا يكون المتوقع فساده إلا فى جانب المغفول عنه من الأفراد فتحصل مفسدتان هما: أخذ البرىء وانفلات المجرم.
وسابعه: تعليم أن الله بالغ أمره بتهيئة الأسباب المفضية إليه، ولو شاء الله لأهلك فرعون ومن معه بحادث سماوى ولما قدر لإهلاكهم هذه الصورة المرتبة ولأنجى موسى وبنى إسرائيل إنجاء أسرع، ولكنه أراد أن يحصل ذلك بمشاهدة تنقلات الأحوال ابتداء من إلقاء موسى فى اليم إلى أن يرده إلى أمه فتكون فى ذلك عبرة للمشركين الذى وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (1).
وليتوسموا من بوارق ظهور النبى محمد صلى الله عليه وسلم، وانتقال أحوال دعوته فى مدارج القوة أن ما وعدهم به واقع بأخره.
وثامنه: العبرة بأن وجود الصالحين من بين المفسدين يخفف من فساد المفسدين، فإن وجود امرأة فرعون كان سببا فى صد فرعون عن قتل الطفل مع أنه تحقق أنه إسرائيلى فقالت امرأته لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً.
وتاسعه: ما فى قوله: وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ من الإيماء إلى تذكير المؤمنين بأن نصرهم حاصل بعد حين، ووعيد المشركين بأن وعيدهم لا مفر لهم منه.
وعاشره: ما فى قوله: وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ من الإشارة إلى أن المرء يؤتى من جهله النظر فى أدلة العقل.
(1) سورة الأنفال: الآية 32.
ولما فى هذه القصة من العبر اكتفى مصعب بن الزبير بطالعها عن الخطبة التى حقه أن يخطب بها فى الناس حين حلوا له بالعراق من قبل أخيه عبد الله بن الزبير، مكتفيا بالإشارة مع التلاوة فقال: طسم* تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ* نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ* إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ (وأشار إلى جهة الشام يريد عبد الملك بن مروان) وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ* وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ (وأشار بيده نحو الحجاز، يعنى أخاه عبد الله ابن الزبير وأنصاره) وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ* وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما (وأشار إلى العراق يعنى الحجاج) منهم ما كانُوا يَحْذَرُونَ» (1).
ومن قصص صدر الدعوة الإسلامية، ذكر صاحب التحرير والتنوير فى قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا سورة الحشر، الآية 2.
«وتفصيل القصة التى أشارت إليها الآية على ما ذكره جمهور أهل التفسير: أن بنى النضير لما هاجر المسلمون إلى المدينة جاءوا فصالحوا النبى صلى الله عليه وسلم على أن لا يكونوا عليه ولا له، ويقال: إن مصالحتهم
(1) التحرير والتنوير، ج 20، ص 86، 87. والآيات من سورة القصص من 1 إلى 6.
كانت عقب وقعة بدر لما غلب المسلمون المشركين لأنهم توسموا أنه لا تهزم لهم راية، فلما غلب المسلمون يوم أحد نكثوا عهدهم وراموا مصالحة المشركين بمكة، إذ كانوا قد قعدوا عن نصرتهم يوم بدر (كدأب اليهود فى موالاة القوى) فخرج كعب بن الأشرف وهو سيد بنى النضير فى أربعين راكبا إلى مكة فحالفوا المشركين عند الكعبة على أن يكونوا أعوانا لهم على مقاتلة المسلمين. فلما أوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك أمر محمد بن مسلمة أن يقتل كعب بن الأشرف فقتله غيلة فى حصنه فى قصة مذكورة فى كتب السنة والسير.
وذكر ابن إسحاق سببا آخر وهو أنه لما انقضت وقعة بئر معونة فى صفر سنة أربع كان عمرو بن أمية الضمرى أسيرا عند المشركين، فأطلقه عامر ابن الطفيل. فلما كان راجعا إلى المدينة أقبل رجلان من بنى عامر وكان لقومهما عقد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزلا مع عمرو بن أمية، فلما ناما عدا عليهما فقتلهما وهو يحسب أن يثأر بهما من بنى عامر الذين قتلوا أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم ببئر معونة، ولما قدم عمرو بن أمية أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما فعل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد قتلت قتيلين ولا أدينهما، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بنى النضير يستعينهم فى دية ذينك القتيلين، إذ كان بين بنى النضير وبنى عامر حلف، وأضمر بنو النضير الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر المسلمين بالتهيؤ لحربهم.
ثم أمر النبى صلى الله عليه وسلم المسلمين بالسير إليهم فى ربيع الأول سنة أربع من الهجرة، فسار إليهم هو والمسلمين وأمرهم بأن يخرجوا من قريتهم فامتنعوا وتنادوا إلى الحرب ودس إليهم عبد الله بن أبى بن سلول أن لا
يخرجوا من قريتهم وقال: إن قاتلكم المسلمون فنحن معكم ولننصرنكم وإن أخرجتم لنخرجن معكم، فدربوا على الأزقة (أى سدوا منافذ بعضها لبعض ليكون كل درب منها صالحا للمدافعة) وحصنوها، ووعدهم أن معه ألفين من قومه وغيرهم وأن معهم قريظة وحلفاءهم من غطفان من العرب، فحاصرهم النبى صلى الله عليه وسلم وانتظروا عبد الله بن أبى بن سلول وقريظة وغطفان أن يقدموا إليهم ليردوا عنهم جيش المسلمين، فلما رأوا أنهم لم ينجدوهم قذف الله فى قلوبهم الرعب، فطلبوا من النبى صلى الله عليه وسلم الصلح فأبى إلا الجلاء عن ديارهم وتشارطوا على أن يخرجوا، ويحمل كل ثلاثة أبيات منهم حمل بعير مما شاءوا من متاعهم، فجعلوا يخربون بيوتهم ليحملوا معهم ما ينتفعون به من الخشب والأبواب.
فخرجوا فمنهم من لحق بخيبر، وقليل منهم لحقوا ببلاد الشام فى مدن (أريحا) وأذرعان من أرض الشام وخرج قليل منهم إلى الحيرة» (1).
فى الأمثلة السابقة- وفى غيرها- لم ينفصل تفسير القصص القرآنى عن السياق، ولم يجعل ابن عاشور للقصة القرآنية قسما خاصا بها كما يفعل كثير من المفسرين كالطبرسى فى مجمع البيان، وابن كثير فى تفسير القرآن العظيم، وكانت تتآذر وسائل كثيرة أخرى عنده لتوضيح المقصود منها، مثل الاستعانة بآيات من سور أخرى مناسبة، وأحاديث وآثار عن الصحابة والتابعين، وأقوال مفسرين ومؤرخين وعلماء، فضلا عن التوراة أو الإنجيل، وقد كان ابن عاشور فى كل ذلك بعيدا عن المبالغات والحشو والإسرائيليات،
(1) التحرير والتنوير، ج 28، ص 67.
وانظر أمثلة أخرى: ج 1 ص 526، ج 2 ص 303، ج 7 ص 342، ج 8 ص 101، ج 12 ص 75، ج 20 ص 33، 68، 85، 168، ج 27 ص 12، ج 30 ص 241.