الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وابن عاشور المالكى المذهب لم يقف تفسيره لآيات الأحكام على أقوال رجال هذا المذهب، وإنما كان يستعين بكل قول من المذاهب الفقهية الأخرى فيما يناسب الآية، ولا يمنع ذلك من نصرته للمذهب المالكى مع ذكر من قال بذلك الحكم من الصحابة والتابعين على طريقة مالك فى استنباط الأحكام وقواعده ومنها" عمل أهل المدينة".
خامسا: الاستعانة بأقوال الفلاسفة وعلماء الهيئة:
وهى من الوسائل التى استخدمها ابن عاشور فى التفسير بالرأى، يستعين بها أحيانا فى الحدود التى ذكرها فى المقدمة الرابعة
…
قال:
أى أن هذه الأقوال، لا تعنى وحدها المقصود من الآية، وإنما هى تعين على فهمه، أو تشير إليه على نحو من الأنحاء، كما فى الآية المذكورة فى الفقرة السابقة، ولكن يبقى المعنى الأصلى من عمل المفسرين، ويقول عن بعض العلوم الأخرى: «وإن بعض مسائل العلوم قد تكون أشد تعلقا بتفسير آى القرآن كما تفرض مسألة كلامية لتقرير دليل قرآنى مثل برهان التمانع لتقرير معنى قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا (3)، وكتقرير مسألة المتشابه
(1) سورة الحشر: الآية 7.
(2)
التحرير والتنوير، ج 1، ص 43.
(3)
سورة الأنبياء: الآية 22.
تحقيق معنى، نحو قوله تعالى: وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ (1) فهذا كونه من آيات التفسير واضح، وكذا قوله تعالى: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (2). فإن القصد منه الاعتبار بالحالة المشاهدة، فلو زاد المفسر ففصّل تلك الحالة وبيّن أسرارها بما هو مبيّن فى علم الهيأة كان قد زاد المقصد خدمة، وإما على وجه التوفيق بين المعنى القرآنى وبين المسائل الصحيحة من العلم، حيث يمكن الجمع، وإما على وجه الاسترواح من الآية كما يؤخذ من قوله تعالى: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ (3) أن فناء العالم يكون بالزلازل، ومن قوله: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (4) الآية أن نظام الجاذبية يختل عند فناء العالم» (5).
ويعنى ذلك أن هناك صنف من العلوم يمكن الاستفادة منه فى تفسير بعض الآيات خصوصا المتصلة بمسائل الكلام أو علم الهيئة، فإذا لجأ المفسر إلى ذلك زاد من الأضواء التى تكشف عن قصد الآية، أو قد يكون غرض المفسر التوفيق بين المعنى القرآنى وما صح من مسائل العلوم التى تتصل بمظاهر الكون، أو يكون للاسترواح أى اطمئنان القلب أن يكون ذلك من المعانى التى تحتملها الآية، ومن ثم يضع ابن عاشور شرطا أساسيا لاستعانة المفسر بمثل هذه العلوم.
(1) سورة الذاريات: الآية 47.
(2)
سورة ق: الآية 6.
(3)
سورة الكهف: الآية 47.
(4)
سورة التكوير: الآية 1.
(5)
التحرير والتنوير، ج 1، ص 43.
«وشرط كون ذلك مقبولا أن يسلك فيه مسلك الإيجاز، فلا يجلب إلا الخلاصة من ذلك العلم، ولا يصير الاستطراد كالغرض المقصود له، لئلا يكون كقولهم السىّ بالسىّ يذكر» (1). أى يجلب المفسر خلاصة النافع المفيد من هذه العلوم، ولا يكون الاستطراد مسلكه لتبقى له صفته الأولى كمفسر.
ومن وجوه الخلاف التى وقعت بين جماعة من العلماء فى تفسير القرآن بعلوم الحكمة ذكر ابن عاشور:
ويقول عن ابن عربى:
ثم يفصل القول فى الحاجة إلى العلوم التى لها علاقة بالقرآن الكريم وحاجة المفسر إليها:
(1) السي بسين: مهملة مكسورة وتحتية مشددة، والنظير والمثيل. وانظر التحرير والتنوير، ج 1، ص 43.
(2)
التحرير والتنوير، ج 1، ص 43.
(3)
التحرير والتنوير، ج 1، ص 45.
«وأنا أقول: إن علاقة العلوم بالقرآن على أربع مراتب:
الأولى: علوم تضمنها القرآن كأخبار الأنبياء والأمم، وتهذيب الأخلاق والفقه والتشريع والاعتقاد والأصول والعربية والبلاغة.
الثانية: علوم تزيد المفسر علما كالحكمة، والهيأة وخواص المخلوقات.
الثالثة: علوم أشار إليها أو جاءت مؤيدة له كعلم طبقات الأرض والطب والمنطق.
الرابعة: علوم لا علاقة لها به إما لبطلانها كالزجر والعيافة والميثولوجيا، وإما لأنها لا تعين على خدمته كعلم العروض والقوافى (1).
وهو فى هذه الأطر التى حددها فى قوله هذا قد استعان بما تضمنه القرآن من علوم وذهب يفسر آياته ويبين مقاصدها، وقد رأينا ذلك فيما مر بنا من صفحات، ومن علوم الحكمة والهيأة وخواص المخلوقات راح يستعين ببعض مسائلها دون استطراد وفى الحدود التى رسمها، كما أن العلوم التى أشار إليها القرآن، أو جاءت مؤيدة له، فقد حوى تفسير التحرير والتنوير الكثير منها فى المواطن التى تناسبها دون حشر أو إقحام، أما العلوم التى ذكرها فى" المرتبة الرابعة" فلم يلجأ إليها، أو استعان بها فى تفسيره، فهى كما يقول إما باطلة، أو لا تعين على خدمة القرآن الكريم.
ومما ذكره ابن عاشور من أقوال فى معنى" العبادة ومراتبها" من كلام الإمام الفخر الرازى والشيخ الرئيس ابن سينا فى تفسير قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (سورة الفاتحة: الآية 5).
«قال الفخر" مراتب العبادة ثلاث: الأولى أن يعبد الله طمعا فى
(1) التحرير والتنوير، ج 1، ص 45.
الثواب وخوفا من العقاب وهى العبادة، وهى درجة نازلة ساقطة لأنه جعل الحق وسيلة لنيل المطلوب، والثانية أن يعبد الله لأجل أن يتشرف بعبادته والانتساب إليه بقبول تكاليفه وهى أعلى من الأولى إلا أنها ليست كاملة لأن المقصود بالذات غير الله. الثالثة أن يعبد الله لكونه إلها خالقا مستحقا للعبادة وكونه هو عبد إله، وهذه أعلى المقامات وهو المسمى بالعبودية أه.
قلت ولم يسم الإمام المرتبة الثالثة باسم، والظاهر أنها ملحقة فى الاسم بالمرتبة الثالثة أعنى العبودية لأن الشيخ ابن سينا قال فى الإشارات «العارف يريد الحق لا لشىء غيره ولا يؤثر شيئا على عرفانه وتقيده له فقط ولأنه مستحق للعبادة ولأنها نسبة شريفة إليه لا لرغبة أو رهبة أه فجعلها حالة واحدة» (1).
وفى حقيقة" الفطرة" ذكر فى تفسير قوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (سورة الروم: الآية 30).
«وقد بيّن أبو على ابن سينا حقيقة الفطرة فى كتابه" النجاة" فقال «ومعنى الفطرة أن يتوهم الإنسان نفسه حصل فى الدنيا دفعة وهو عاقل، لكنه لم يسمع رأيا، ولم يعتقد مذهبا، ولم يعاشر أمة ولم يعرف سياسة، ولكنه شاهد المحسوسات وأخذ منها الحالات، ثم يعرض على ذهنه شيئا ويتشكك فيه، فإن أمكنه الشك فالفطرة لا تشهد به، وإن لم يمكنه الشك فهو ما توجبه الفطرة، وليس كل ما توجبه فطرة الإنسان بصادق، إنما الصادق فطرة القوم
(1) التحرير والتنوير، ج 1، ص 180.
التى تسمى عقلا، وأما فطرة الذهن بالجملة، فربما كانت كاذبة، وإنما يكون هذا الكذب فى الأمور التى ليست محسوسة بالذات بل هى مبادئ للمحسوسات.
فالفطرة الصادقة هى مقدمات وآراء مشهورة محمودة أو جبت التصديق بها: إما شهادة الكل مثل: أن العدل جميل وإما شهادة الأكثر، وإما شهادة العلماء أو الأفاضل منهم، وليست الذائعات من جهة ما هى ذائعات مما يقع التصديق بها فى الفطرة، فما كان من الذائعات ليس بأوّلى عقلى ولا وهمى فإنها غير فطرية، ولكنها متقررة عند الأنفس لأن العادة مستمرة عليها منذ الصبى وربما دعا إليها محبة التسالم والاصطناع المضطر إليهما الإنسان» (1)، أو شىء من الأخلاق الإنسانية مثل الحياء والاستئناس (2)، أو الاستقراء الكثير، أو كون القول فى نفسه ذا شرط دقيق لأن يكون حقا صرفا فلا يفطن لذلك الشرط ويؤخذ على الإطلاق أه» (3).
وفى معنى الجمال والحب، ذكر فى قوله تعالى:
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (سورة آل عمران: الآية 31).
ولم يستطع الفلاسفة توضيح علة ملاءمة بعض ما يعبر عنه بالجمال للنفوس: ككون الذات جميلة أو قبيحة الشكل، وكون المربع أو الدائرة حسنا
(1) وهذا ما أشار إليه قوله تعالى: وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا (سورة العنكبوت: الآية 25).
(2)
قال تعالى حكاية عن قوم كذبوا الرسل تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (إبراهيم: 10).
(3)
التحرير والتنوير، ج 21، ص 90.