المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌9 - التفسير بأقوال من التوراة والإنجيل: - منهج الإمام الطاهر بن عاشور في التفسير

[نبيل أحمد صقر]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة:

- ‌الباب الأول ابن عاشور ومصادره تفسيره

- ‌ابن عاشور: 1296 - 1393 هـ، 1879 - 1973 م:

- ‌الكتاب وبواعث تأليفه:

- ‌مصادر الكتاب:

- ‌أولا: كتب التفسير:

- ‌ثانيا: كتب الحديث النبوى:

- ‌ثالثا: مصادر الفقه:

- ‌رابعا: مصادر النحو:

- ‌أ- مدرسة البصرة:

- ‌ب- مدرسة الكوفة:

- ‌ج- مدرسة بغداد:

- ‌د- مدرسة الأندلس:

- ‌هـ- المدرسة المصرية:

- ‌خامسا: مصادر الشعر:

- ‌أ- أصحاب القصائد التسع المشهورات:

- ‌ب- من الشعراء الأوائل:

- ‌ج- ومن الطبقة الثالثة من فحول الجاهلية

- ‌د- ومن الطبقة الأولى من فحول الإسلام:

- ‌هـ- ومن الطبقة الرابعة من فحول الإسلام

- ‌سادسا: مصادر اللغة:

- ‌سابعا: مصادر البلاغة:

- ‌ثامنا: كتب الغزالى والتصوف:

- ‌أ- كتب الغزالى:" ت 505 ه

- ‌ب- كتب التصوف:

- ‌تاسعا: مصادر الفلسفة:

- ‌عاشرا: الكتب العامة

- ‌ كتب الأديان:

- ‌ كتب السيرة:

- ‌ كتب المذاهب:

- ‌ علوم القرآن:

- ‌ دوائر العارف:

- ‌الحادى عشر: كتب التراجم:

- ‌الثانى عشر: مصادر منوعة:

- ‌الباب الثانى منهج الطاهر بن عاشور فى التفسير بالرواية

- ‌أولا: خطته فى تفسير السور:

- ‌ذكر اسم السورة وسبب هذه التسمية:

- ‌ترتيب النزول:

- ‌ أسباب النزول:

- ‌وفى سبب نزول سورة الكهف:

- ‌عدد آيها:

- ‌قال عن عدد آيات سورة الطور:

- ‌وعن سورة الحديد:

- ‌سورة المجادلة:

- ‌مكيها ومدنيها:

- ‌قال عن سورة الشورى:

- ‌وعن سورة محمد:

- ‌أغراض السورة:

- ‌قال عن سورة الحجر:

- ‌وعن سورة الإسراء:

- ‌ثانيا: منهجه فى التفسير:

- ‌1 - تفسير القرآن بالقرآن:

- ‌2 - التفسير بالحديث النبوى:

- ‌أ- موقفه من السند:

- ‌ب- موقفه من المتن:

- ‌3 - التفسير بأقوال الصحابة:

- ‌ذكر ابن عاشور:

- ‌4 - التفسير بأقوال التابعين:

- ‌5 - التفسير بأسباب النزول:

- ‌6 - التفسير بالقصص:

- ‌7 - التفسير بالناسخ والمنسوخ:

- ‌8 - التفسير بالقراءات:

- ‌9 - التفسير بأقوال من التوراة والإنجيل:

- ‌الباب الثالث منهج الطاهر بن عاشور فى التفسير بالدراية

- ‌تمهيد:

- ‌التفسير بالرأى عند ابن عاشور:

- ‌وذكر فى الإجابة عن ذلك:

- ‌أولا: الشعر

- ‌ثانيا: اللغة:

- ‌أ- الألفاظ:

- ‌ المصدر

- ‌الاشتقاق:

- ‌أ- اسم الفاعل

- ‌ب- اسم المفعول

- ‌صيغ المبالغة:

- ‌التصريف

- ‌الإعراب:

- ‌نخلص من ذلك إلى أن الإعراب كان عند ابن عاشور على الوجه التالى:

- ‌ثالثا: الاستعانة بعلوم البلاغة:

- ‌رابعا: الاستعانة بأقوال فقهاء الأمصار فى تفسير آيات الأحكام:

- ‌ليهن لكم أن قد نفيتم بيوتنا

- ‌به ذئب يعوى كالخليج المعبل

- ‌خامسا: الاستعانة بأقوال الفلاسفة وعلماء الهيئة:

- ‌ضروب الناس عشاق ضروبا

- ‌الباب الرابع موقف الطاهر بن عاشور من المذاهب الاعتقادية

- ‌تقديم:

- ‌أولا: التصوف:

- ‌البسملة»

- ‌الحروف المقطعة:

- ‌الحروف المقطعة عند ابن عاشور:

- ‌ثانيا: الاعتزال:

- ‌1 - التوحيد:

- ‌2 - العدل:

- ‌3 - الوعد والوعيد:

- ‌4 - المنزلة بين المنزلتين:

- ‌5 - الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر:

- ‌ثالثا: الجبرية:

- ‌رابعا: الشيعة:

- ‌خامسا: الخوارج:

- ‌سادسا: البهائية:

- ‌الخاتمة

- ‌1 - تفسير القرآن بالقرآن:

- ‌2 - التفسير بالحديث النبوى:

- ‌3 - التفسير بأقوال الصحابة:

- ‌4 - التفسير بأقوال التابعين:

- ‌5 - التفسير بأسباب النزول:

- ‌6 - التفسير بالقصص:

- ‌7 - التفسير بالناسخ والمنسوخ:

- ‌8 - التفسير بالقراءات:

- ‌9 - التفسير بأقوال من التوراة والإنجيل:

- ‌التفسير بالدراية:

- ‌ومقومات التفسير بالدراية كانت عند ابن عاشور على النحو التالى:

- ‌أولا: الشعر:

- ‌ثانيا: اللغة:

- ‌أ- التفسير اللفظى:

- ‌ب- الاعراب:

- ‌رابعا: إعجاز القرآن:

- ‌خامسا: آيات الأحكام:

- ‌سادسا: أقوال الفلاسفة وعلماء الهيئة:

- ‌1 - أقوال الفلاسفة:

- ‌2 - أقوال علماء الهيئة:

- ‌المذاهب الاعتقادية:

- ‌التصوف

- ‌الاعتزال

- ‌الجبرية:

- ‌الشيعة الإمامية:

- ‌الخوارج:

- ‌البهائية:

- ‌جريدة أهم المراجع على حروف المعجم

- ‌كتب أخرى للمؤلف

الفصل: ‌9 - التفسير بأقوال من التوراة والإنجيل:

فيها للمبالغة، وأكد" إن" لتحقيقه ردا على أهل الجاهلية إذا كانوا يزعمون أن وأد البنات من السداد، ويقولون: دفن البنات من المكرمات، وأكد أيضا بفعل" كان" لإشعار" كان" بأنه كونه إنما أمرا مستقرا» (1).

والقراءة الأولى ما عليه المصحف الإمام، وما قرأه الآخرون وهو مما يوافقه يمكن التفسير به على أن يكون ترجيحا لما تقصده الآية.

‌9 - التفسير بأقوال من التوراة والإنجيل:

لم يسلم كثير من كتب التفسير من الاستعانة بالإسرائيليات خصوصا المواطن التى أجمل فيها القرآن أخبار الأمم الماضية والحوادث الغابرة وسير الأنبياء والمرسلين وأحوال الناس معهم.

ومن أمثال هذه الكتب تفسير الطبرى والثعلبى (2) والبغوى (3) وابن كثير والزمخشرى (4) والسيوطى وغيرهم، على اختلاف فى تقبلها، أو التنبيه على زيفها، أو

الالتفات إلى عدم جدوى الكثير منها.

(1) التحرير والتنوير، ج 15، ص 89.

انظر أمثلة أخرى: ج 13، ص 230، 250. ج 14، ص 116، 136، 152، 167. ج 15، ص 36، 69، 89. ج 28، ص 86، 254، 289، 355. ج 30، ص 149، 161، 176، 184، 230، 333، 339، 466، 538.

(2)

انظر د. محمد حسين الذهبى: الإسرائيليات فى التفسير والحديث، ص 131، مكتبة وهبة، القاهرة، ط 3، 1406 هـ- 1986 م. وذكر الذهبى عن تفسير الثعلبى المسمى" الكشف والبيان عن تفسير القرآن":«هذا التفسير لا يزال مخطوطا إلى اليوم، ومنه نسخة غير كاملة بمكتبة الأزهر الشريف فى أربع مجلدات كبار وهو يجرى على طريقة التفسير بالمأثور دون ذكر الأسانيد وكان أبرز الجوانب فى تفسير الثعلبى هو الجانب القصصى الإسرائيلى» المصدر السابق، ص 125.

(3)

انظر د. محمد إبراهيم الشريف البغوى الفراء وتفسيره للقرآن الكريم ص 475" الإسرائيليات عند البغوى وأثر الثعلبى فيها"، مطبعة المدينة- القاهرة، 1406 - 1986 م.

(4)

انظر د. مصطفى الصاوى الجوينى: منهج الزمخشرى فى تفسير القرآن وبيان إعجازه"، ص 161 وما بعدها، دار المعارف بمصر، 1959 م.

ص: 129

وقد ترجع أسباب الاستعانة بهذه الإسرائيليات عند هؤلاء المفسرين إلى ما ذكره ابن الصلاح: «لا يجوز عند أهل الحديث وغيرهم التساهل فى الأسانيد، ورواية ما سوى الموضوع من أنواع الأحاديث الضعيفة من غير اهتمام لبيان ضعفها فيما سوى صفات الله، وأحكام الشريعة من الحلال والحرام، وغيرهما، وذلك كالمواعظ والقصص وفضائل الأعمال وسائر ما لا تعلق له بالأحكام والعبادات» (1).

ومهما يكن من أمر فإن رجال العلم الإسلامى ونقاده قد نبهوا كثيرا إلى ما تحمله هذه الإسرائيليات من خرافات وأباطيل، يقول جولد تسيهر:

«التفسير الذى يرفضه الجادون من الناس بدا فى تحذير أحمد بن حنبل مقترنا فى مجموعة واحدة من الأساطير المحفوفة بالأسرار والخرافات عن الحروب وميادين التصورات الاختيارية مما يعوزه السند المؤيد الذى يتطلبه العلم الدينى الإسلامى منذ عهده المبكر من قديم، شرطا فى المعرفة الجديرة بالوثوق» (2).

ويقول ابن حزم عن موقف المسلمين من هذه الإسرائيليات وعن الذين نقلت عنهم من بنى إسرائيل:

«فما نزل القرآن والسنة عن النبى- صلى الله عليه وسلم بتصديقه

(1) أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن موسى المعروف بابن الصلاح (ت 643 هـ) علوم الحديث المعروف بمقدمة ابن الصلاح، ص 39، مطبعة السعادة، القاهرة 1326 هـ.

ويقول ابن خلدون: «إن هذه الإسرائيليات ليست مما يرجع إلى الأحكام فتتحرى فيها الصحة التى يجب العمل بها، وتساهل المفسرون فى مثل ذلك، وملئوا كتب التفسير بهذه المنقولات» مقدمة ابن خلدون، ص 349، ط مصطفى محمد.

وانظر صحيح البخارى بشرح السندى، ج 3، ص 99 - 100، باب" قالوا اتخذ الله ولدا"، دار إحياء الكتب المصرية، القاهرة، عيسى البابى الحلبى.

(2)

اجنتس جولد تسيهر، مذاهب التفسير الإسلامى، 75، ترجمة الدكتور عبد الحليم النجار، مكتبة الخانجى، القاهرة، 1374 هـ- 1955 م.

ص: 130

صدقنا به، وما نزل النص بتكذيبه، أو ظهر كذبه كذّبنا به، وما لم ينزل نص بتصديقه أو تكذيبه، وأمكن أن يكون حقا أو كذبا، لم نصدقهم ولم نكذبهم، وقلنا ما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقوله، كما قلنا فى نبوة من لم يأتنا باسمه نص» (1).

ولم يلجأ ابن عاشور إلى الإسرائيليات فى تفسيره، واستعان بأقوال من التوراة والإنجيل فى تفصيل ما أجمل من قصص الأنبياء فى القرآن الكريم.

وقد رأينا موقفه من أحاديث فضائل السور ورفضه لها، وموقفه من الأحاديث الضعيفة ونقده للسند أو المتن واعتماده على أوثق مصادر الأحاديث وخصوصا صحيح البخارى وصحيح مسلم، كما رأينا استعانته بأقوال الصحابة والتابعين فى الحدود التى قبلها نقاد العلم الإسلامى أو علماء الأصول.

كذلك رأينا عدم إسرافه فى الاستعانة بأسباب النزول أو المنسوخ من الآيات، ورأيناه كذلك لم يلجأ إلى الحشو والمبالغة فى التفسير بالقصص، واعتمد فى تفسيره بالقراءات على الصحيح أو المشهور منها، أما الشاذ منها فكنت شاهدا لغويا فحسب.

فما هى الضوابط التى وضعها عند استعانته بأقوال من التوراة والإنجيل؟

وقد تعيننا الأمثلة التالية على معرفة هذه الضوابط، ذكر فى تفسير قوله تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (سورة البقرة: الآية 67).

(1) أبو محمد على بن أحمد بن حزم الظاهرى (ت 456 هـ)" الفصل فى الملل والأهواء والنحل"، ج 1، ص 216، المطبعة الأدبية، 1317 هـ.

ص: 131

«تعرضت هذه الآية لقصة من قصص بنى إسرائيل ظهر فيها من قلة التوقير لنبيهم ومن الإعنات فى المسألة والإلحاح فيها، إما للتعصى من الامتثال، وإما لبعد أفهامهم عن مقصد الشارع ورومهم التوقيف على ما لا قصد إليه.

قيل إن أول هذه القصة هو المذكور بقوله تعالى: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها (1) الآيات، وإن قول موسى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ناشئ عن قتل النفس المذكورة، وإن قول موسى قدم هنا لأن خطاب موسى عليه السلام لهم قد نشأ عنه ضرب من مذامهم فى تلقى التشريع وهو الاستخفاف بالأمر حين ظنوه هزؤا والإعنات فى المسألة، فأريد من تقديم جزء القصة تعدد تقريعهم، هكذا ذكر صاحب الكشاف والموجهون لكلامه، ولا يخفى أن ما وجهوا به تقديم جزء القصة لا يقتضى إلا تفكيك القصة إلى قصتين تعنون كل واحدة منهما بقوله:" وإذ" مع بقاء الترتيب، على أن المذام قد تعرف بحكايتها والتنبيه عليها بقوله أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ وقوله وَما كادُوا يَفْعَلُونَ.

فالذى يظهر لى أنهما قصتان أشارت الأولى وهى المحكية هنا إلى أمر موسى إياهم بذبح بقرة، وهذه هى القصة التى أشارت إليها التوراة فى السفر الرابع، وهو سفر التشريع الثانى (تثنية) فى الإصحاح 21 أنه «إذا وجد قتيل لا يعلم قاتله فإن أقرب القرى إلى موقع القتيل يخرج شيوخها ويخرجون عجلة من البقرة لم يحرث عليها ولم تنجر بالنير فيأتون بها إلى واد دائم السيلان لم يحرث ولم يزرع ويقطعون عنقها هنالك ويتقدم الكهنة من بنى لاوى فيغسل شيوخ تلك القرية أيديهم على العجلة فى الوادى ويقولون لم تسفك أيدينا هذا الدم ولم تبصر أعيننا سافكه فيغفر لهم الدم» (2) أ. هـ

(1) سورة البقرة: الآية 72.

(2)

التحرير والتنوير، ج 1، ص 564.

ص: 132

وفى قوله تعالى: وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا سورة آل عمران: 38.

ذكر ابن عاشور:

«عد هذا فى فضائل مريم، لأنه من جملة ما يزيد فضلها لأن أبا التريبة يكسب خلقه وصلاحه مرباه.

وزكرياء كاهن إسرائيلى اسمه زكرياء من بنى أبيا بن باكر بن بنيامين من كهنة اليهود، جاءته النبوءة فى كبره وهو ثانى من اسمه زكرياء من أنبياء بنى إسرائيل وكان متزوجا امرأة من ذرية هارون اسمها" اليصابات" وكانت امرأته نسيبة مريم كما فى إنجيل لوقا، قيل: كانت أختها، والصحيح أنها كانت خالتها، أو من قرابة أمها، ولما ولدت مريم كان أبوها قد مات فتنازع كفالتها جماعة من أحبار بنى إسرائيل حرصا على كفالة بنت حبرهم الكبير، واقترعوا على ذلك كما يأتى، فطارت القرعة لزكرياء، والظاهر أن جعل كفالتها للأحبار لأنها محررة لخدمة المسجد فيلزم أن تربى تربية صالحة لذلك» (1).

وعن اسم رسول الله- صلى الله عليه وسلم والتبشير بدعوته على لسان عيسى عليه السلام، ذكر ابن عاشور فى تفسير قوله تعالى: وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ سورة الصف: الآية 6.

«ويصح اعتبار" أحمد" تفضيلا حقيقيا فى كلام عيسى عليه السلام،

(1) التحرير والتنوير، ج 3، ص 235.

ص: 133

أى مسماه أحمد منى، أى أفضل، أى فى رسالته وشريعته، وعبارات الإنجيل تشعر بهذا التفضيل، ففي إنجيل يوحنا فى الإصحاح الرابع عشر «وأنا أطلب من الأب (أى من ربنا) فيعطيكم (فارقليط) آخر ليثبت معكم إلى الأبد روح الحق الذى لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه» ثم قال: وأما الفارقليط الروح القدس الذى سيرسله الأب (الله) باسمى فهو يعلمكم كل شىء ويذكركم بكل ما قلته لكم (أى فى جملة ما يعلمكم أن يذكركم بكل ما قلته لكم) وهذا يفيد تفضيله على عيسى بفضيلة دوام شريعته المعبر عنها بقول الإنجيل: «ليثبت معكم إلى الأبد» وبفضيلة عموم شرعه للأحكام المعبر عنه بقوله «يعلمكم كل شىء» .

والوصف ب" أحمد" على المعنى الثانى فى الاسم: أن سمعته وذكره فى جيله والأجيال بعده موصوف بأنه أشد ذكر محمود وسمعة محمودة. وهذا معنى قوله فى الحديث: «أنا حامل لواء الحمد يوم القيامة» وأن الله يبعثه مقاما محمودا.

ووصف" أحمد" بالنسبة إلى المعنى الثالث فى الاسم رمز إلى أنه اسمه العلم يكون بمعنى" أحمد"، فإن لفظ محمد اسم مفعول من حمد المضاعف الدال على كثرة الحامدين إياه كما قالوا: فلان ممدح، إذا تكرر مدحه من مادحين كثيرين.

فاسم" محمد" يفيد معنى: المحمود حمدا كثيرا ورمز إليه بأحمد.

وهذه الكلمة الجامعة التى أوحى الله بها إلى عيسى عليه السلام أراد الله بها أن تكون شعارا لجميع صفات الرسول الموعود به صلى الله عليه وسلم، صيغت بأقصى صيغة تدل على ذلك إجمالا بحسب ما تسمح اللغة

ص: 134

بجمعه من معانى. ووكل تفصيلها إلى ما يظهر من شمائله قبل بعثته وبعدها ليتوسمها المتوسمون ويتدبر مطاويها الراسخون عند المشاهدة والتجربة.

جاء فى إنجيل متى فى الإصحاح الرابع والعشرين قول عيسى «ويقوم أنبياء كذبة كثيرون ويضلون كثيرا ولكن الذى يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص ويكرز ببشارة

الملكوت هذه فى كل المسكونة شهادة لجميع الأمم ثم يكون المنتهى»، ومعنى يكرز: يدعو وينبئ، ومعنى يصير إلى المنتهى: يتأخر إلى قرب الساعة.

وفى إنجيل يوحنا فى الإصحاح الرابع عشر «إن كنتم تحبوننى فاحفظوا وصاياى وأنا أطلب من الأب فيعطيكم فارقليط آخر يثبت معكم إلى الأبد» . و (فارقليط) كلمة رومية، أى بوانية تطلق بمعنى المدافع أو المسلح، أى الذى يأتى بما يدفع الأحزان والمصائب، أى يأتى رحمة، أى رسول مبشر، وكلمة أخرى صريحة فى أنه رسول مثل عيسى.

وفى الإصحاح الرابع عشر «والكلام الذى تسمعونه ليس لى بل للذى أرسلنى وبهذا كلمتكم وأنا عندكم (أى مدة وجودى بينكم) وأما (الفارقليط) الروح القدس الذى سيرسله الأب باسمى، فهو يعلمكم كل شىء ويذكركم بكل ما قلته (ومعنى" باسمى" أى بصفة الرسالة) لا أتكلم معكم كثيرا لأن رئيس هذا العالم يأتى، وليس له فى شىء ولكن ليفهم العالم أنى أحب الأب وكما أوصانى الأب أفعل» .

وفى الإصحاح الخامس عشر منه: «ومتى جاء الفارقليط الذى سأرسله أنا إليكم من الأب روح الحق الذى من عند الأب ينبثق فهو يشهد لى» (1).

(1) التحرير والتنوير، ج 28، ص 184 إلى 186.

ص: 135

«وقد ورد فى سفر التكوين من التوراة ذكر امرأة نوح مع الذين ركبوا السفينة وذكر خروجها من السفينة بعد الطوفان ثم طوى ذكرها لما ذكر الله بركته نوحا وبنيه وميثاقه معهم فلم تذكر معهم زوجته. فلعلها كفرت بعد ذلك أو لعل نوحا تزوج امرأة أخرى بعد الطوفان لم تذكر فى التوراة» (1).

وعند تحديد ضوابط الاستعانة بمثل هذه الأقوال من التوراة والإنجيل من خلال الأمثلة السابقة فقد ذكر ابن عاشور فى تفسير قوله تعالى وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً

الآية، ما تعرضت له الآية من ذكر قصة من قصص بنى إسرائيل، ثم نوّه بما جاء فى الكشاف والموجهين لكلامه، وأن تقديم جزء القصة لا يقتضى إلا تفكيكها إلى قصتين، الأولى وهى المحكية فى هذه الآية وهى التى أشارت إليها التوراة فى السفر الرابع" سفر الخروج" ثم نقل ابن عاشور نصها.

وفى المثال الثانى كان عن ثانى ما اسمه زكريا من أنبياء بنى إسرائيل وزوجته" اليصابات" كما فى إنجيل لوقا.

وفى المثال الثالث كان عن تبشير عيسى عليه السلام ببعثة الرسول- صلى الله عليه وسلم وما سيكون لدعوته وشريعته من بقاء ومكانة، كما جاء فحوى عبارات الإنجيل سواء إنجيل يوحنا أم إنجيل متى.

وفى المثال الأخير كان النقل من التوراة عن انطواء ذكر امرأة نوح، وتعليل ابن عاشور لهذا الانطواء.

(1) التحرير والتنوير، ج 28، ص 374، 375.

وانظر أمثلة أخرى: ج 1، ص 430. ج 2، ص 306، 486. ج 6، ص 173. ج 7، ص 70، 311. ج 13، ص 48. ج 16، ص 84، 214. ج 17، ص 126. ج 23، ص 259.

ص: 136

واستعانة ابن عاشور ببعض ما جاء من التوراة والإنجيل كانت من قبيل تفصيل ما أجمل من القصص القرآنى، وليس لهذه الأقوال من خطر سواء فى العقيدة أم التشريع، كما أنها ليست من قبيل الحشو والاستهواء اللذين نراهما فى الإسرائيليات التى زجّها بعض المفسرين فى كتبهم وقبولها دون تحقيق.

ومهما يكن من أمر فقد أكثر العلماء من التنبيه على خطورة المرويات الإسرائيلية فى كتب التفسير أيا ما كانت اتجاهات أصحابها، وأنسب ما نستطيع التذكير به فى هذا الأمر هو قول الشيخ أحمد محمد شاكر عن مرويات بنى إسرائيل:«إن إباحة التحدث عنهم فيما ليس عندنا دليل على صدقه ولا كذبه شىء، وذكر ذلك فى تفسير القرآن وجعله قولا، أو رواية فى معنى الآيات، أو فى تعيين ما لم يعيّن فيها، أو فى تفصيل ما أجمل فيها شىء آخر، لأن فى إثبات مثل ذلك بجوار كلام الله ما يوهم أن هذا الذى لا نعرف صدقه ولا كذبه مبين لقول الله تعالى، ومفصل لما أجمل فيه، وحاشا لله ولكتابه من ذلك، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ما أذن بالتحدث عنهم أمرنا أن لا نصدقهم ولا نكذبهم (1) فأى تصديق لروايتهم وأقاويلهم أقوى من أن نقرنها بكتاب الله، ونضعها موضع التفسير والبيان» (2).

ومن ثم يمكن القول إن ابن عاشور لم يقع فى شرك الإسرائيليات وأكاذيبها، وكانت استعانته بأقوال من التوراة والإنجيل فى الحدود التى تلقى بعض الأضواء على أحداث تاريخية لم يدر حولها خلاف يذكر، أو تمس العقيدة الإسلامية ولا أحكامها، وكانت بعيدة عن الرغبة فى استهواء القراء وجمع الأقوال فحسب، كما يفعل بعض المفسرين الذى استهوتهم هذه الإسرائيليات.

(1) انظر صحيح البخارى، كتاب الأنبياء، باب ما ذكر عن بنى إسرائيل.

(2)

عمدة التفاسير عن الحافظ ابن كثير، اختصار وتحقيق أحمد محمد شاكر، ج 1، ص 15، دار المعارف، مصر، 1956 م.

ص: 137

تلك هى مقومات التفسير بالرواية عند ابن عاشور فى تفسيره" التحرير والتنوير"، ولم يكن فيها مقلدا يقبل الروايات أو الأقوال دون إعمال العقل، وإنما كان واعيا بقيمة كتب التراث الإسلامى فى ميدان التفسير الذى يمثل جانبا مهما من ضمير الأمة وتاريخها، يتعامل مع هذا التراث بتفتح فكرى، يأخذ منه ما يأخذ، ويرفض منه ما

يرفض، يأخذ من أعلى مصادره توثيقا، وما يتطابق مع الفكر النيّر بعد تحقيق وتحليل، ويرفض ما دون ذلك معللا أسباب الرفض، مقتنعا بالمحتوى الأصيل من هذا التراث، مبتعدا عن سلطان التعوّد والقبول بلا مناقشة.

إن محاولة تصفية جانب كبير من التراث الإسلامى من شوائب كثيرة علقت به تمت فى" التحرير والتنوير" بنجاح لا يمكن إنكاره، ولعل الاسم الذى اختاره ابن عاشور لتفسيره هذا يؤكد عزمه على ذلك بعد وضوح الهدف أمامه، حيث اعتمد تحقيق هذا الهدف على عقل مستنير استطاع به صاحبه النفاذ إلى هذا التراث والإلمام بالتيارات المختلفة التى صاحبت تسجيله، والاتجاهات المتضاربة التى اختلفت عليه ليخرج لنا بأصفى ما يمكن الخروج به من النصوص والمأثورات.

ص: 138