المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌5 - الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر: - منهج الإمام الطاهر بن عاشور في التفسير

[نبيل أحمد صقر]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة:

- ‌الباب الأول ابن عاشور ومصادره تفسيره

- ‌ابن عاشور: 1296 - 1393 هـ، 1879 - 1973 م:

- ‌الكتاب وبواعث تأليفه:

- ‌مصادر الكتاب:

- ‌أولا: كتب التفسير:

- ‌ثانيا: كتب الحديث النبوى:

- ‌ثالثا: مصادر الفقه:

- ‌رابعا: مصادر النحو:

- ‌أ- مدرسة البصرة:

- ‌ب- مدرسة الكوفة:

- ‌ج- مدرسة بغداد:

- ‌د- مدرسة الأندلس:

- ‌هـ- المدرسة المصرية:

- ‌خامسا: مصادر الشعر:

- ‌أ- أصحاب القصائد التسع المشهورات:

- ‌ب- من الشعراء الأوائل:

- ‌ج- ومن الطبقة الثالثة من فحول الجاهلية

- ‌د- ومن الطبقة الأولى من فحول الإسلام:

- ‌هـ- ومن الطبقة الرابعة من فحول الإسلام

- ‌سادسا: مصادر اللغة:

- ‌سابعا: مصادر البلاغة:

- ‌ثامنا: كتب الغزالى والتصوف:

- ‌أ- كتب الغزالى:" ت 505 ه

- ‌ب- كتب التصوف:

- ‌تاسعا: مصادر الفلسفة:

- ‌عاشرا: الكتب العامة

- ‌ كتب الأديان:

- ‌ كتب السيرة:

- ‌ كتب المذاهب:

- ‌ علوم القرآن:

- ‌ دوائر العارف:

- ‌الحادى عشر: كتب التراجم:

- ‌الثانى عشر: مصادر منوعة:

- ‌الباب الثانى منهج الطاهر بن عاشور فى التفسير بالرواية

- ‌أولا: خطته فى تفسير السور:

- ‌ذكر اسم السورة وسبب هذه التسمية:

- ‌ترتيب النزول:

- ‌ أسباب النزول:

- ‌وفى سبب نزول سورة الكهف:

- ‌عدد آيها:

- ‌قال عن عدد آيات سورة الطور:

- ‌وعن سورة الحديد:

- ‌سورة المجادلة:

- ‌مكيها ومدنيها:

- ‌قال عن سورة الشورى:

- ‌وعن سورة محمد:

- ‌أغراض السورة:

- ‌قال عن سورة الحجر:

- ‌وعن سورة الإسراء:

- ‌ثانيا: منهجه فى التفسير:

- ‌1 - تفسير القرآن بالقرآن:

- ‌2 - التفسير بالحديث النبوى:

- ‌أ- موقفه من السند:

- ‌ب- موقفه من المتن:

- ‌3 - التفسير بأقوال الصحابة:

- ‌ذكر ابن عاشور:

- ‌4 - التفسير بأقوال التابعين:

- ‌5 - التفسير بأسباب النزول:

- ‌6 - التفسير بالقصص:

- ‌7 - التفسير بالناسخ والمنسوخ:

- ‌8 - التفسير بالقراءات:

- ‌9 - التفسير بأقوال من التوراة والإنجيل:

- ‌الباب الثالث منهج الطاهر بن عاشور فى التفسير بالدراية

- ‌تمهيد:

- ‌التفسير بالرأى عند ابن عاشور:

- ‌وذكر فى الإجابة عن ذلك:

- ‌أولا: الشعر

- ‌ثانيا: اللغة:

- ‌أ- الألفاظ:

- ‌ المصدر

- ‌الاشتقاق:

- ‌أ- اسم الفاعل

- ‌ب- اسم المفعول

- ‌صيغ المبالغة:

- ‌التصريف

- ‌الإعراب:

- ‌نخلص من ذلك إلى أن الإعراب كان عند ابن عاشور على الوجه التالى:

- ‌ثالثا: الاستعانة بعلوم البلاغة:

- ‌رابعا: الاستعانة بأقوال فقهاء الأمصار فى تفسير آيات الأحكام:

- ‌ليهن لكم أن قد نفيتم بيوتنا

- ‌به ذئب يعوى كالخليج المعبل

- ‌خامسا: الاستعانة بأقوال الفلاسفة وعلماء الهيئة:

- ‌ضروب الناس عشاق ضروبا

- ‌الباب الرابع موقف الطاهر بن عاشور من المذاهب الاعتقادية

- ‌تقديم:

- ‌أولا: التصوف:

- ‌البسملة»

- ‌الحروف المقطعة:

- ‌الحروف المقطعة عند ابن عاشور:

- ‌ثانيا: الاعتزال:

- ‌1 - التوحيد:

- ‌2 - العدل:

- ‌3 - الوعد والوعيد:

- ‌4 - المنزلة بين المنزلتين:

- ‌5 - الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر:

- ‌ثالثا: الجبرية:

- ‌رابعا: الشيعة:

- ‌خامسا: الخوارج:

- ‌سادسا: البهائية:

- ‌الخاتمة

- ‌1 - تفسير القرآن بالقرآن:

- ‌2 - التفسير بالحديث النبوى:

- ‌3 - التفسير بأقوال الصحابة:

- ‌4 - التفسير بأقوال التابعين:

- ‌5 - التفسير بأسباب النزول:

- ‌6 - التفسير بالقصص:

- ‌7 - التفسير بالناسخ والمنسوخ:

- ‌8 - التفسير بالقراءات:

- ‌9 - التفسير بأقوال من التوراة والإنجيل:

- ‌التفسير بالدراية:

- ‌ومقومات التفسير بالدراية كانت عند ابن عاشور على النحو التالى:

- ‌أولا: الشعر:

- ‌ثانيا: اللغة:

- ‌أ- التفسير اللفظى:

- ‌ب- الاعراب:

- ‌رابعا: إعجاز القرآن:

- ‌خامسا: آيات الأحكام:

- ‌سادسا: أقوال الفلاسفة وعلماء الهيئة:

- ‌1 - أقوال الفلاسفة:

- ‌2 - أقوال علماء الهيئة:

- ‌المذاهب الاعتقادية:

- ‌التصوف

- ‌الاعتزال

- ‌الجبرية:

- ‌الشيعة الإمامية:

- ‌الخوارج:

- ‌البهائية:

- ‌جريدة أهم المراجع على حروف المعجم

- ‌كتب أخرى للمؤلف

الفصل: ‌5 - الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر:

الحسن فى ذلك، وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول مؤمن مطلقا، ولا كافرا مطلقا، بل هو فى منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر، ثم قام واعتزل إلى أسطوانة من أسطوانات المسجد يقرر ما أجاب فأجاب به على جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزل عنا واصل. فسمى هو وأصحابه معتزلة» (1).

‌5 - الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر:

وهو الأصل الذى حاول بعض المعتزلة من خلال تطبيقه فرض معتقداتهم على جمهور المسلمين على الرغم مما يقول به المعتزلة من إعلاء دور العقل وحرية الفكر و «يقضى هذا المبدأ بمجاهدة كل من خالف حكم الله وأوامره ونواهيه تحقيقا للآية الكريمة: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» (2).

وقد رأى جمهور المعتزلة أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر يجب أن يبدأ بالقلب، ثم يدرج إلى استخدام اللسان أولا، ثم استعمال اليد ثانية أى استخدام القوة. وقد طبقوا هذا المبدأ إبان محنة خلق القرآن، واعتبروه فرض عين لا فرض كفاية، لكن فريقا منهم لم يتشدد فى تطبيقه مخافة أن يزجوا بأنفسهم فى غمار حلبة الصراع السياسى. وقالوا: لا يصلح له إلا من علم المعروف ونهى عن المنكر وعلم كيف يرتب الأمر فى إقامته وكيف يباشره (3).

(1) أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن بكر أحمد الشهرستانى" ت 548 هـ" الملل والنحل ج 1 ص 48 تحقيق محمد سعيد كيلانى، القاهرة 1977 م.

(2)

سورة آل عمران الآية 104.

(3)

دكتور محمد على أبو ريان تاريخ الفكر الفلسفى فى الإسلام ص 170 - 171. وانظر عبد القاهر بن طاهر البغدادى" ت 429 هـ" الفرق بين الفرق تقديم وتعليق عبد الرءوف سعد مؤسسة الحلبى- القاهرة.

ص: 257

هذه هى بعض الأضواء على تلك الأصول، وقد تفرع منها الكثير من القضايا التى أثيرت فى مجال العقيدة، أو السياسة، أو الفكر، أو الخصومة مع المذاهب الأخرى، مثل خلق القرآن، ورؤية الله تعالى، وأفعال العباد، والحسن والقبيح العقليين، والكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل فى وجوه التاويل للزمخشرى يعد عمدة كتب التفسير الاعتزالى وأشهرها، وأعجب به كثيرون، وقام بشرحه علماء من الشرق والغرب، واختصره بعضهم، ونقل منه بعضهم الآخر (1)، وكتبت فيه أبحاث مطولة تظهر قيمته العلمية ومناحيه البلاغية، وسخط عليه كثيرون وحذروا منه لما يوحيه من نصرة المذهب الاعتزالى والطعن فى أولياء الله تعالى، وفيما أطلقه صاحبه من أسماء وصفات على أهل السنة والجماعة على سبيل التعريض (2).

ونقول ابن عاشور من هذا التفسير كثيرة متنوعة خصوصا فيما يتصل بالتفسير وعلومه، أو بالبلاغة وفنونها، أو النحو ومساءلة، أو اللغة ودلالات ألفاظها إذا كان هناك اتفاق أو تطابق فى الآراء.

وتبرز معارضة ابن عاشور للمذهب الاعتزالى بعامة وللزمخشرى بخاصة إذا لم يكن هناك تطابق فى الآراء وتباعدت وجوه الاختلاف.

(1) ذكر أبو على الفضل بن الحسن الطبرسى:" فإنى لما فرغت من كتابى الكبير فى التفسير المرسوم بمجمع البيان لعلوم القرآن ثم عثرت من بعد بالكتاب" الكشاف لحقائق التنزيل، لجار الله العلامة، واستصلحت من بدائع معانيه، وروائع ألفاظه ومبانيه، ما لا يلقى مثله فى كتاب مجتمع الأطراف، ورأيت أن أسمه وأسميه بالكافى الشافى" جوامع الجامع ج 1 ص 12 دار الأضواء بيروت- لبنان ط 1 1405 هـ- 1985 م.

وانظر ابن تميمة مقدمة فى أصول التفسير ص 36.

(2)

انظر ملا كاتب شلبى كشف الظنون عن أسامى الكتب والفنون ج 2 ص 176 وما بعدها مكتبة العالم، نظارة المعارف الناشر حسن حلمى 1310 م.

ص: 258

ومن أمثلة هذه النقول التى تعبر عن الاتفاق او التطابق ما ذكره فى المقدمة الأولى من المقدمات العشر التى تصدرت تفسيره:

" قال العلامة الزمخشرى فى خطبة الكشاف" الحمد لله الذى أنزل القرآن كلاما مؤلفا منظما، ونزّله على حسب المصالح منجما، فقال المحققون فى شراحه، جمع بين أنزل

ونزّل لما فى نزّل من الدلالة على التكثير، والذى يناسب ما أراده العلامة فى التدريج والتنجيم، وأنا أرى أن استفادة معنى التكثير فى حال استعمال التضعيف للتعدية أمر من مستتبعات الكلام حاصل من قرينة عدول المتكلم البليغ عن المهموز الذى هو خفيف إلى المضعف الذى هو ثقيل، فذلك العدول قرينة على المراد وكذلك الجمع بينهما فى مثل كلام الكشاف قرينة على إرادة التكثير» (1).

ونقل عن الزمخشرى ما ذكره فى شروط المتصدى لتفسير كتاب الله، ودور علم المعانى وعلم البيان فى هذا الميدان، فضلا على العلوم الأخرى:

" قال فى الكشاف: علم التفسير الذى لا يتم تعاطيه وإجالة النظر فيه لكل ذى علم، فالفقيه وإن برز على الأقران فى علم الفتاوى والأحكام، والمتكلم وإن بزّ أهل الدنيا فى صناعة الكلام، وحافظ القصص والأخبار وإن كان من ابن القرية أحفظ، والواعظ وإن كان من الحسن البصرى أوعظ، والنحوى وإن كان أنحى من سيبويه، واللغوى وإن علل اللغات بقوة لحييه، لا يتعدى منهم أحد لسلوك تلك الطرائق، ولا يغوص على شىء من تلك الحقائق، إلا رجل قد برع فى علمين مختصين بالقرآن وهما علمى البيان والمعانى أهـ"(2).

(1) التحرير والتنوير ج 1 المقدمة الأولى ص 11.

(2)

التحرير والتنوير ج 1 المقدمة الثانية ص 19.

ص: 259

ومما نقله ابن عاشور من تفسير الزمخشرى لبعض الآيات مثل ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (1).

«قال فى اكشاف قوله ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ليس ببيان لتساؤل عنهم وإنما هو حكاية قول المؤولين، أى أن المسئولين يقولون للسائلين قلنا لهم ما سلككم فى سقر قالوا لم نك من المصلين» أهـ (2).

وقوله تعالى: يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (3).

«الثانى ما ذكره صاحب الكشاف أن" يُخادِعُونَ" استعارة تمثيلية تشبيها للهيئة الحاصلة من معاملتهم للمؤمنين ولدين الله، ومن معاملة الله إياهم فى الإملاء لهم والإلقاء عليهم، ومعاملة المؤمنين إياهم فى إجراء أحكام المسلمين عليهم، بهيئة فعل المتخادعين» (4).

وقوله تعالى:

وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ (5).

«قال فى الكشاف:" لا يجوز أن يكون هذا التشبيه فى المركب والمفرق بأن صور حال المشرك بصورة حال من خرّ من السماء فاختطفته

(1) سورة المدثر الآية 42.

(2)

التحرير والتنوير ج 1 المقدمة العاشرة ص 122.

(3)

سورة البقرة الآية 9.

(4)

التحرير والتنوير ج 1 ص 227.

(5)

سورة الحج الآية 31.

ص: 260

الطير فتفرق فرعا فى حواصلها، أو عصفت به الريح التى هوت به فى بعض المطاوح البعيدة، وإن كان مفرقا فقد شبه الإيمان فى علوه بالسماء، والذى ترك الإيمان، وأشرك بالله بالساقط من السماء، والأهواء التى تتوزع أفكاره بالطير المختطفة، والشيطان الذى يطوح به فى وادى الضلالة بالريح التى تهوى بما عصفت به فى وادى الضلالة بالريح التى تهوى بما عصفت به فى بعض المهاوى المتلفة» أهـ.

يعنى أن المشرك لما عدل عن الإيمان الفطرى وكان فى مكنته فكأنه كان فى السماء فسقط منها، فتوزعته أنواع المهالك.

ولا يخفى عليك أن فى مطاوى هذا التمثيل تشبيهات كثيرة لا يعوزك استخراجها» (1).

وقوله تعالى: أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (2).

قال صاحب الكشاف: ألزمهم الله الحجة فى هذه الآيات أى قوله:

(أفلم يدبروا القول)(3).

وقوله تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً (4).

والظهير: المظاهر، أى المعين، وتقدم فى قوله تعالى:

وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً فى سورة الإسراء وهو فعيل بمعنى مفاعل، أى مظاهر مثل حكيم بمعنى محكم وعوين بمعنى معاون.

(1) التحرير والتنوير ج 17 ص 254.

(2)

سورة المؤمنون الآية 72.

(3)

التحرير والتنوير ج 18 ص 97، والآية من سورة" المؤمنون":68.

(4)

سورة الفرقان الآية 55.

ص: 261

وقوله عمر بن معد يكرب:

أمن ريحانة الداعى السميع

أى المسمع: قال فى الكشاف" ومجىء فعيل بمعنى فاعل غير عزيز"(1)

وقوله تعالى: وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (2).

" وجعل صاحب الكشاف جملة" وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ" معترضة، وعليه فالواو اعتراضية غير عاطفة وأن ضمير" لِتَكُونَ" عائد إلى المرة من فعل كفا أى الكفة (3).

وقوله تعالى: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ (4).

«وقال الزمخشرى: الواو الأولى معناها الدلالة على أنه الجامع بين مجموع الصفتين الأولية والآخرية. والثالثة على أنه الجامع بين الظهور والخفاء، وأما الوسطى فعلى أنه الجامع بين مجموع الصفتين الأوليين ومجموع الصفتين الأخريين» أهـ (5).

وقوله تعالى: إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً* وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً (6).

«وفى الكشاف: وفعال فعل كله فاشى فى الكلام فصحاء من العرب لا يقولون غيره» (7).

(1) التحرير والتنوير ج 19 ص 57.

(2)

سورة الفتح الآية 20.

(3)

التحرير والتنوير ج 26 ص 179.

(4)

سورة الحديد الآية 3.

(5)

التحرير والتنوير ج 27 ص 363.

(6)

سورة النبأ الآية 27 - 28.

(7)

التحرير والتنوير ج 30 ص 41.

ص: 262

وهذه النقول وأمثالها لا تخرج عن كونها نقاط اتفاق بعيدة عن التأويل الاعتزالى ومراميه.

ففي قوله تعالى: ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ...... الآية توضيح لمعنى السؤال وإجابته، وفى قوله تعالى: يُخادِعُونَ اللَّهَ ...... الآية توضيح لمعنى" يخادعون" وتصوير حال المخالفين ومعاملة المؤمنين لهم، وفى قوله تعالى:

وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ ..... تفسير لما ذكرته الآية من أحوال المشرك بالله وتوزع أنواع المهالك له.

والنقول الأخرى لا تتعدى كونها توضيحا لمعنى قول أو كلمة أو جملة أو دلالة لفظة ووزنها واعتبار فصاحتها.

وأياما كان الأمر فإن هذه النقول التى اعتبرت من نقاط الالتقاء أو الاتفاق تتصل بنحو أو بآخر بعلوم اللغة والأعراب والبيان والمعانى، وهى من العلوم التى برع فيها صاحب الكشاف، ولفتت أنظار العلماء إليه، وزادوا فى إعجابهم به، وابن عاشور حين استعان بأقوال الكشاف فيما يتصل بعلوم التفسير كان من هؤلاء العلماء الذين أعجبوا به، ولكنه إعجاب منوط بشروط لا يتجاوزها.

ففي قوله تعالى:

وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ* إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ* وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ* تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ (1).

- انظر أمثلة أخرى: ج 1 ص 118، ج 19 ص 91.

ج 19 ص 230، ج 3 ص 324.

ج 25 ص 51، ج 27 ص 346.

(1)

سورة القيامة: الآية 22 - 25.

ص: 263

ذكر ابن عاشور:

«وأخبر عنها خبرا ثابتا بقوله" إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ، وظاهر لفظ" ناظِرَةٌ" أنه من نظر بمعنى، عاين ببصره إعلانا بتشريف تلك الوجوه أنها تنظر إلى جانب الله تعالى نظرا خاصا لا يشاركها فيه من يكون دون رتبهم، فهذا معنى الآية بإجماله ثابت بظاهر القرآن وقد أيدتها الأخبار الصحيحة عن النبى صلى الله عليه وسلم.

فقد روى البخارى ومسلم عن أبى سعيد الخدرى وأبى هريرة" أن أناسا قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تضارون فى رؤية الشمس والقمر إذا كان صحوا؟ قلنا: لا: قال: فإنكم لا تضارون فى رؤية ربكم يومئذ إلا كما تضارون فى رؤيتهما" وفى رواية" فإنكم ترونه كذلك" وساق الحديث فى الشفاعة.

وروى البخارى عن جرير بن عبد الله قال:" كنا جلوسا عند النبى صلى الله عليه وسلم إذ نظر إلى القمر ليلة البدر قال: أنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون فى رؤيته" وبما قال" سترون ربكم عيانا".

" روى مسلم عن صهيب بن سنان عن النبى صلى الله عليه وسلم قال:" إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله تعالى: تريدون شيئا أزيدكم؟

فيقولون: ألم تبين وجوهنا ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار، وقال: فيكشف الحجاب فما يعطون شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم" فدلالة الآية على أن المؤمنين يرون بأبصارهم رؤية متعلقة بذات الله على الإجمال دلالة ظنية لاحتمالها تأويلات تأولها المعتزلة بأن المقصود رؤية جلاله، وبهمة قدسه التى لا تخول رؤيتها لغير أهل السعادة. ويلحق هذا بمتشابه الصفات، وإن كان مقتضاه ليس إثبات صفة، ولكنه يؤول إلى الصفة ويستلزمها لأنه آيل إلى

ص: 264

اقتضاء جهة الذات، ومقدار يحاط بجميعه أو ببعضه إذا كانت الرؤية بصرية، فلا جرم أن يعد الوعد برؤية أهل الجنة ربهم تعالى من قبيل المتشابه».

" ولعلماء الإسلام فى ذلك أفهام مختلفة، فأما صدر الأمة وسلفها فإنهم جروا على طريقتهم التى تخلقوا بها من سيرة النبى صلى الله عليه وسلم من الإيمان بما ورد من هذا القبيل على إجماله، وصرف أنظارهم عن التعمق فى تشخيص حقيقته وأدرجه تحت أحد أقسام الحكم العقلى، فقد سمعوا هذا ونظائره كلها أو بعضها أو قليلا منها، فما شغلوا أنفسهم به ولا طلبوا تفصيله، ولكنهم انصرفوا إلى ما هو أحق بالعناية وهو التهمم بإقامة الشريعة وبثها وتقرير سلطانها، مع الجزم بتنزيه الله تعالى عن اللوازم العارضة لظواهر تلك الصفات، جاعلين إمامهم المرجوع إليه فى كل هذا قوله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (1).

أو ما يقارب هذا من دلائل التنزيه الخاصة بالتنزيه عن بعض ما ورد الوصف به مثل قوله لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ (2) بالنسبة إلى مقامنا هذا مع اتفاقهم على عدم العلم بتفصيل ذلك لا يقدح فى عقيدة الإيمان، فلما نبع فى علماء الإسلام تطلب معرفة حقائق الأشياء وألجأهم البحث العلمى إلى التعمق فى معانى القرآن ودقائق عباراته وخصوصيات بلاغته، لم يروا طريقة السلف مقنعة لأفهام أهل العلم من الخلف لأن طريقتهم فى العلم طريقة تمحيص وهى اللائقة بعصرهم، وقارن ذلك ما حدث فى فرق الأمة الإسلامية من النحل الاعتقادية، والقاء شبه الملاحدة على المنتمين إلى الإسلام وغيرهم، وحدا بهم ذلك إلى

(1) سورة الشورى الآية 11.

(2)

سورة الأنعام الآية 103.

ص: 265

الغوص والتعمق لإقامة المعارف على أعمدة لا تقبل التزلزل، ولدفع شبه المتشككين ورد مطاعن الملحدين، فسلكوا مسالك الجمع بين المتعارضات من أقوال ومعان وإقرار كل حقيقة فى نصابها، وذلك بالتأويل الذى يقتضيه المقتضى ويعضده الدليل، فسلكت جماعات مسالك التأويل الإجمالى بأن يعتقدوا تلك المتشابهات على إجمالها، ويوقنوا بالتنزيه عن ظواهرها ولكنهم لا يفصلون صرفها عن ظواهرها، بل يجملون التأويل، وهذه الطائفة تدعى السلفية تقرب طريقتها من طريقة السلف فى المتشابهات، وهذه الجماعات متفاوتة فى مقدار تأصيل أصولها تفاوتا جعلها فرقا فمنهم الحنابلة، والظاهرية والخوارج الأقدمون غير الذين التزموا طريقة المعتزلة» (1).

وما يلفتنا فيما ذكره ابن عاشور فى تفسير هذه الآية أن" ناظرة" من نظر بمعنى عاين ببصره إعلانا بتشريف تلك الوجوه أنها تنظر إلى جانب الله تعالى نظرا خاصا لا يشاركها فيه من يكون دون رتبتهم.

وراح يؤيد [الرؤية] بأخبار واردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم فما رواه البخارى ومسلم فى صحيحهما، ولكنها أخبار تعنى أن الرؤية رؤية عين، خصوصا ما رواه البخارى عن جرير بن عبد الله:" إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون فى رؤيته وربما قال: سترون ربكم عيانا".

وما أبهم علينا فيما ذكره ابن عاشور فى تفسيره لهذه الآية قوله:" فهذا معنى الآية بإجماله بظاهر القرآن"، ثم قوله بعد ذلك:" فدلالة الآية على الإجمال دلالة ظنية لاحتمالها تأويلات تأولها المعتزلة".

فثبوت المعنى بظاهر القرآن- كما يقول- هو دلالة قطعية لا ظنية خصوصا إذا أيدته الأخبار الواردة عن أعلى مراتب الحجية والتوثيق.

(1) التحرير والتنوير ج 29 ص 353.

ص: 266

أما قول المعتزلة: «فلا جرم أن بعد الوعد برؤية أهل الجنة ربهم تعالى من قبيل المتشابه» (1) فقول مردود تفنده روايات البخارى ومسلم، كما أن" الرؤية" مرتبة

تشريف وجزاء للمؤمنين الذين ابيضت وجوههم، ولا شىء أحب إليهم من النظر إلى ربهم، ولا يعقل أن يكون هذا الجزاء الكريم مما يغمض على الأذهان أو القلوب التى تسعى إلى هذه الرتبة.

أما قوله عن علماء الإسلام الذين لم يروا طريقة السلف مقنعة لأفهام أهل العلم من الخلف:

" فسلكوا مسالك الجمع بين المتعارضات من أقوال ومعان وإقرار كل حقيقة فى نصابها، وذلك بالتأويل الذى يقتضيه المقتضى يعضده الدليل ....

ولكنهم لا يفصلون صرفها عن ظواهرها بل يجملون التأويل".

فهى مسالك قد وضعوا لها معايير لتفسير أمثال هذه الآية وتبعد بها عن التأويلات التى تخرجها عن معناها المقصود الذى يخاطب الله به عباده.

ومما أورده ابن عاشور من معان وروايات وأقوال مما يصح اعتباره أنه من نقاط الخلاف بينه وبين المذهب الاعتزالى.

جاء فى الكشاف فى تفسير هذه الآية:" إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ" أن المؤمنين نظارة ذلك اليوم لأنهم الآمنون الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون،

(1) فيما ورد من أقوال عن المحكم والمتشابه:

أ- المحكم: ما عرف المراد منه، والمتشابه: ما استأثر الله بعلمه.

ب- المحكم: ما لا يحتمل إلا وجها واحدا، والمتشابه ما احتمل أوجها.

ج- المحكم: ما استقل بنفسه ولم يحتج إلى بيان، والمتشابه: ما لا يستقل بنفسه واحتاج إلى بيان برده إلى غيره. الشيخ مناع القطان مباحث فى علوم ص 216 مؤسسة الرسالة بيروت- لبنان ط 22. راجع" رسائل ابن تميمة" عن المحكم والمتشابه والتأويل.

ص: 267

فاختصاصه بنظرهم إليه لو كان منظور إليه محال، فوجب حمله على معنى الاختصاص، والذى يصح معه أن يكون من قول الناس: أنا إلى فلان ناظر ما يصنع بى، يريد معنى التوقع والرجاء» (1).

والزمخشرى ينفى الرؤية، ويصرف المعنى إلى الاختصاص الذى يتضمن التوقع والرجاء، وهو على النقيض مما ذهب إليه ابن عاشور نفسه حين قال فى صدر تفسير هذه الآية" لأنه من نظر بمعنى عاين ببصره"

والآية السابقة، والأحاديث التى ساقها ابن عاشور فى تفسيره لها تذهب إلى أن" الرؤية" رؤية معاينة، ولكنها لم تذهب إلى" كيف" والإيمان بها- والله أعلم- على هذا النحو واجب، وهو ما قصده علماء الإسلام الذين تحدث عنهم ابن عاشور فيما سبق أنهم" يجملون التأويل".

وفى معنى" اليمين" ذكر ابن عاشور فى تفسير قوله تعالى:

وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (2).

والباء فى" بِيَمِينِهِ" للآلة والسببية. واليمين: وصف لليد ولا يد هنا وإنما هى كناية عن القدرة لأن العمل يكون باليد اليمين، قال الشاعر أنشده الفراء والمبرد، وقال القرطبى:

ولما رأيت الشمس أشرق نورها

تناولت منها حاجتى بيمين

أى بقدرة. وضمير (منها) يعود على مذكور فى أبيات قبله.

والمقصود من هاتين الجملتين تمثيل عظمة الله تعالى بحال من أخذ

(1) الكشاف، المجلد الرابع، ص 192 دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت- لبنان.

(2)

سورة الزمر الآية 67.

ص: 268

الأرض فى قبضته ومن كانت السماوات مطويّة أفلاكها وآفاقها بيده تشبيه المعقول بالمتخيل، وهى تمثيلية تنحلّ أجزاؤها إلى استعارتين، فيها دلالة على أن الأرض والسماوات باقية غير مضمحلة، ولكن نظامها المعهود اعتراه تعطيل، وفى الصحيح عن أبى هريرة قال: سمعت رسول الله عليه وسلم يقول:

«يقبض الله الأرض ويطوى السماوات بيمينه ثم يقول أنا الملك، أين ملوك الأرض» .

وعن عبد الله بن مسعود قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد إنّا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع. فيقول أنا الملك، فضحك رسول الله حتى بدت نواجذه تصديقا لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم «وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ» (1).

ويقول فى آخر تفسيره لهذه الآية:

«إنما كان ضحك النبى- صلى الله عليه وسلم استهزاء بالحبر فى ظنه أن الله يفعل ذلك حقيقة وأن له يدا وأصابع حسب اعتقاد اليهود التجسيم، ولذلك أعقبه بقراءة" وما قدروا الله حق قدره" لأن افتتاحها يشتمل على إبطال ما توهمه الحبر ونظراؤه فى الجسمية، وذلك معروف من اعقادهم، وقد ردّه القرآن عليهم غير مرة مما هو معلوم، فلم يحتج النبى- ص- إلى التصريح بإبطاله، واكتفى بالإشارة التى يفهمها المؤمنون، ثم أشار إلى ما توهمه اليهودى توزيعا على الأصابع إنما هو مجاز عن الأخذ والتصرف» (2).

(1) التحرير والتنوير ج 24 ص 63

(2)

المرجع نفسه والصفحة نفسها

ص: 269

والزمخشرى فى تفسيره:

«والغرض من هذا الكلام إذا أخذته بجملته ومجموعه تصوير عظمته، والتوقيف على كنه جلاله لا غير، من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقية، أو جهة مجاز» (1).

وفحوى كلام ابن عاشور فى تفسير هذه الآية أن معنى" اليمين" وصف لليد، ولا يد هنا. وإنما هى كناية عن القدرة، واستشهد على هذا المعنى بما أنشده الفراء والمبرد وما ذكره القرطبى:

ومقصود هاتين الجلتين تمثيل لعظمة الله تعالى. وفيما أورده من حديث أبى هريرة" يطوى السموات بيمينه"، وما ذكره فى آخر تفسيره للآية، واستهزاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالحبر اليهودى حين ظن أن الله يفعل ذلك حقيقة، وأن له يدا وأصابع حسب اعتقاد اليهود التجسيم، وما توهمه اليهودى توزيعا على الأصابع إنما هو مجاز عن الأخذ والتصرف.

وأياما كان الأمر فإن ابن عاشور قد ذهب إلى صرف معنى" اليد" إلى معنى مجازى، ودرا فهمه لحديث الرسول" صلى الله عليه وسلم" الذى رواه ابن مسعود على هذا النحو.

ومهما يكن من شىء، فإن الزمخشرى وابن عاشور يهدفان إلى تنزيه الله تعالى عن أن يشابه المخلوقين، ف" اليد" التى نعلمها بالضرورة، ولا نعلم كيفيتها، هى عند ابن عاشور القدرة، وعند الزمخشرى إذا أخذنا الكلام بجملته ومجموعة تصوير عظمة الله تعالى والتوفيق على كنه جلاله

يقصد صرف اللفظ، أو تأويل المعنى إلى ما يتفق مع مذهبه (2).

(1) الكشاف المجلد الثالث ص 408 دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت- لبنان.

(2)

انظر تفسير التحرير والتنوير ج 6 ص 248. تفسير قوله تعالى:" وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا، بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ" المائدة: 64.-

ص: 270

يقول الشيخ القطان عن مثل هذا التأويل:

«إنما لجأ إليه كثير من المتأخرين مبالغة منهم فى تنزيه الله تعالى عن مماثلته للمخلوقين كما يزعمون، وهذا زعم باطل أوقفهم فى مثل ما هربوا منه وأشد، فهم حين يؤلون اليد بالقدرة مثلا إنما قصدوا الفرار من أن يثبتوا للخالق يدا لأن للمخلوقين يدا، فاشتبه عليهم لفظ اليد فأولوها بالقدرة، وذلك تناقض منهم، لأنهم يلزمهم فى المعنى الذى نفوه، لأن العباد لهم قدرة أيضا، فإن كان ما أثبتوه من القدرة حقا ممكنا كان إثبات اليد لله حقا ممكنا أيضا، وأن كان إثبات اليد باطلا ممتنعا لما يلزمه من التشبيه فى زعمهم كان إثبات القدرة باطلا ممتنعا أيضا، وما جاء عن أئمة السلف وغيرهم من ذم للمتأولين إنما هو لمثل هؤلاء الذين تأولوا ما يشتبه عليهم معناه على غير تأويله وإن كان لا يشتبه على غيرهم» (1).

وفى قوله تعالى: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (2).

ذكر ابن عاشور:

«والمعنى أن مصير من على الأرض إلى الفناء، وهذا تذكير بالموت وما بعده من الجزاء.

و" وجه ربك" ذاته، فذكر الوجه هنا جار على عرف كلام العرب، قال فى الكشاف: والوجه يعبر به عن الجملة والذات» أهـ.

- وانظر التحرير والتنوير ج 29 ص 15 تفسير قوله تعالى" تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" الملك: 1.

(1)

الشيخ مناع القطان مباحث فى علوم القرآن ص 219 - 200.

(2)

سورة الرحمن: الآية 27.

ص: 271

وقد أضيف إلى اسمه تعالى لفظ الوجه بمعان مختلفة منها ما هنا، ومنها قوله: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ (1) وقوله: إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ (2).

وقد علم السامعون أن الله تعالى يستحيل أن يكون له وجه بالمعنى الحقيقى، وهو الجزء الذى فى الرأس.

واصطلح علماء العقائد على تسمية مثل هذا" المتشابه" وكان السلف يحجمون عن الخوض فى ذلك مع اليقين باستحالة ظاهرة على الله تعالى، ثم تناوله علماء التابعين ومن بعدهم بالتأويل تدريجا إلى أن اتضح وجه التأويل بالجرى على قواعد علم المعانى فزال الخفاء، واندفع الجفاء.

وضمير المخاطب فى قوله" وجه ربك" خطاب للنبى صلى الله عليه وسلم، والمقصود تبليغه إلى الذين يتلى عليهم القرآن ليتذكروا ويعتبروا. ويجوز أن يكون خطابا لغير معين ليعم كل مخاطب.

ولما كان الوجه هنا بمعنى الذات وصف ب" ذُو الْجَلالِ"، أى العظمة" وَالْإِكْرامِ" أى المنعم على عبادة، وإلا فإن الوجه الحقيقى لا يضاف للإكرام فى عرف اللغة، وإنما يضاف للإكرام اليد، أى فهو لا يفقد عبيده جلاله وإكرامه، وقد دخل فى الجلال جميع الصفات الراجعة إلى التنزيه عن النقص وفى الإكرام جميع صفات الكمال الوجودية وصفات الجمال كالإحسان (3).

وذكر الكشاف فى تفسيره هذه الآية:

" وَجْهُ رَبِّكَ" ذاته، والوجه يعبر به عن الجملة والذات، ومساكين مكة يقولون:" أين وجه عربى كريم ينقذنى من الهوان"

(1) سورة البقرة الآية 115.

(2)

سورة الإنسان الآية 9.

(3)

التحرير والتنوير ج 27 ص 203، 254.

ص: 272

وهذا على نحو أو آخر يعد تطابقا فيما ذهب إليه ابن عاشور والزمخشرى، حيث انتهى كل منهما إلى أن" الوجه" تعبير عن الذات.

وقد جرى ابن عاشور فى تفسيره لمثل هذه الآيات على هذا النحو (1)، ولا خلاف بينه وبين الزمخشرى، قد يسهب صاحب التحرير والتنوير، وقد يوجز صاحب الكشاف، ولكنهما فى نهاية الأمر يتفقان على عدم الأخذ بظاهر القرآن فى تفسير آيات الصفات.

وهذا التطابق ينحصر فى هذه الدائرة، ومن المؤكد أن هناك اختلاف بين الإمامين وقع فى مسائل عديدة، منها ما ذكره ابن عاشور فى تفسير قوله تعالى: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ (2).

«وأما الذين رأوا الاتحاد بين معانى الإرادة والمشيئة والرضى وهو قول كثير من أصحاب الأشعرى وجميع الماتريدية فسلكوا فى تأويل الآية محل لفظ" لعباده" على العام المخصوص، أى لعبادة المؤمنين واستأنسوا لهذا المحمل بأنه الجارى على غالب استعمال القرآن فى لفظة" العباد" لاسم الله، أو ضمير قوله عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ (3). قالوا: فمن كفر فقد أراد الله كفره ومن آمن فقد أراد الله إيمانه، والتزم كلا الفريقين" الأشاعرة والماتريدية" أصله فى تعلق إرادة الله وقدرته بأفعال العباد الاختيارية المسمى بالكسب ولم يختلف إلا فى نسبة الأفعال للعباد أهي حقيقة أم مجازية، وقد عد الخلاف فى تشبيه الأفعال بين الفريفين لفظيا.

(1) انظر التأويل عند ابن عاشور ج 11 ص 172.

(2)

سورة الزمر الآية 7.

(3)

سورة الإنسان الآية 6.

ص: 273

ومن العجيب تهويل الزمخشرى بهذا القول إذ يقول: «ولقد تمحل بعض الغواة ليثبت لله ما نفاه عن ذاته من الرضى بالكفر فقال: هذا من العام الذى أريد به الخاص

إلخ.

فكان آخر كلامه ردا لأوله وهل يعد التأويل تضليلا، أم هل يعد العام المخصوص بالدليل من النادر القليل» (1).

وذكر الشهرستانى وهو يتحدث عن" الأشعرية" هم أصحاب أبى الحسن على بن إسماعيل المنتسب إلى أبى موسى الأشعرى رضى الله عنهما، وسمعت من عجيب الاتفاقات أن أبا مرسى الأشعرى كان يقرر عين ما يقرر الأشعرى أبو الحسن فى مذهبه، وقد جرت مناظرة بين عمرو بن العاص وبينه، فقال عمرو: أين أجد أحدا أحاكم إليه ربى؟ فقال أبو موسى: أنا ذلك المتحاكم إليه، فقال عمرو: أو يقدّر علىّ شيئا ثم يعذبنى عليه؟ قال: نعم، قال عمرو: ولم؟ قال: لأنه لا يظلمك، فسكت عمرو ولم يجد جوابا" (2).

والإرادة الإلهية من المسائل التى يكثر فيها الجدل بين الفرق الإسلامية، أو بين الفلاسفة من أصحاب الأديان، ولعل مرجع اختلافهم إلى وعورة هذا النوع من المسائل، وصعوبة الاتفاق بينهم على تعريف محدد للإرادة الإلهية فضلا على أسباب الاختلاف الأخرى.

وعلى سبيل الاختصار يمكن القول بأن الأشاعرة يقولون بالإرادة الإلهية الكاملة، وأنه خالق لكل شىء الخير والشر على السواء، أما المعتزلة

(1) التحرير والتنوير ج 23 ص 34.

(2)

الملل والنحل ج 1 ص 94.

ص: 274

فكانوا ينظرون إلى الإرادة الإلهية على أنها محددة بخلق الخير دون الشر، وهذا فى حد ذاته تحديد للإرادة الإلهية" (1).

وقد أوضح ابن عاشور فى تفسيره لهذه الآية موقف الأشاعرة من هذه الإرادة بقوله:

قالوا: فمن كفر فقد أراد الله كفره، ومن آمن فقد أراد الله إيمانه"

ومن ثم يظهر تعجب ابن عاشور من تهويل الزمخشرى فيما ذهب إليه الأشاعرة فى فهمهم للإرادة الإلهية، «إذ يقول: ولقد تحمل بعض الغواة ليثبت لله وما نفاه عن ذاته من الرضى والكفر، فقال هذا من العام الذى أريد به الخاص

».

ويسارع ابن عاشور باتهام الزمخشرى بالتناقض" فكان آخر كلامه ردا لأوله"، ثم تساءل مفندا مزاعم صاحب الكشاف:" وهل يعد التأويل تضليلا، أم هل يعد العام المخصوص بالدليل من النادر القليل".

نخلص من ذلك كله إلى أن أثر تفسير الكشاف عند ابن عاشور كان فيما اتفقت فيه الآراء أو تطابقت وجوه النظر، وقد يمثل ذلك تأثرا أو إعجابا خصوصا فى ميادين البلاغة واللغة والنحو والمعانى والبيان، كما كان هناك أيضا بعض وجوه الاتفاق فى عدم الأخذ بظاهر القرآن فى آيات الصفات، وكان لكل منهما وسائله وأدواته وطريقته فى بيان اعتقاده.

كذلك كان هناك اختلاف بين المفسرين حيث مال ابن عاشور إلى موقف الأشاعرة فى فهمهم للإرادة الإلهية الذى ناهضة الزمخشرى، ومن ثم انبرى ابن عاشور مدافعا عن هذا المفهوم، وراح يفند مزاعم المفسر الاعتزالى.

(1) انظر دكتور عبد البارى محمد داود الإرادة عند المعتزلة والأشاعرة ص 176 دار المعرفة الجامعية 1996 م. وانظر القاضى عبد الجبار، المغنى، فى أبواب التوحيد والعدل، تحقيق الأب جورج قنواتى مراجعة الدكتور إبراهيم مدكور، إشراف" طه حسين".

ص: 275