الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فِي ذَلِكَ فَقِيلَ لَهُ الرَّجْعَةُ، وَقِيلَ: لَا، انْتَهَى
ص (وَفَرَضَ فِي مَالِ الْغَائِبِ)
ش: قَالَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ: قَالَ فِيهَا يَعْنِي الْمُدَوَّنَةَ: وَلَا يُفْرَضُ عَلَى الْغَائِبِ النَّفَقَةُ لِزَوْجَتِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ يُعَدَّى فِيهِ، انْتَهَى. وَقَوْلُهُ يُعَدَّى، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ قَالَ عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ: وَالِاسْتِعْدَاءُ طَلَبُ النُّصْرَةِ، وَقِيلَ: طَلَبُ الْإِعَانَةِ وَمَعْنَاهُ يُحْكَمُ، انْتَهَى مِنْ كِتَابِ الزَّكَاةِ الْأَوَّلِ، وَكَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ هُوَ فِي أَوَاخِرِ النِّكَاحِ الثَّانِي، وَقَدْ يَتَبَادَرُ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْغَائِبِ مَالٌ يُعَدَّى فِيهِ لَا يَفْرِضُ الْحَاكِمُ لَهَا النَّفَقَةَ عَلَيْهِ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ مَلِيءٌ فِي غَيْبَتِهِ كَمَا نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ عَرَفَةَ وَسَيَأْتِي كَلَامُهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ مُوسِرٌ فِي غَيْبَتِهِ فَرَضَ لَهَا عَلَيْهِ.
وَإِنْ عَلِمَ عُسْرَهُ أَوْ جَهِلَ أَمْرَهُ لَمْ يَفْرِضْ لَهَا عَلَيْهِ، قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي آخِرِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ طَلَاقِ السُّنَّةِ، وَهُوَ رَسْمُ أَوَّلِ عَبْدٍ ابْتَاعَهُ، قَالَ: وَسَأَلْتُهُ عَنْ الرَّجُلِ يَغِيبُ عَنْ أَهْلِهِ وَلَهُ أَوْلَادٌ صِغَارٌ فِي حِجْرِ أُمِّهِمْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ، فَإِذَا قَدِمَ ادَّعَتْ امْرَأَتُهُ، وَهِيَ أُمُّهُمْ أَنَّهَا أَنْفَقَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ مَالِهَا أَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ أَمْ يَبْرَأُ بِمِثْلِ مَا يَبْرَأُ بِهِ مِنْ نَفَقَتِهَا إذَا زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ يَبْعَثُ بِهَا إلَيْهَا، وَلَا يَكُونُ لَهَا عَلَيْهِ شَيْءٌ إلَّا أَنْ تَرْفَعَ أَمْرَهَا إلَى السُّلْطَانِ.؟
قَالَ حَالُهَا فِيمَا تَدَّعِي مِنْ الْإِنْفَاقِ مِنْ مَالِهَا بِمَنْزِلَةِ مَا تَدَّعِي أَنَّهَا أَنْفَقَتْ عَلَى نَفْسِهَا إذَا لَمْ تَرْفَعْ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ حَتَّى يَقْدُمَ لَمْ تُصَدَّقْ.
وَإِنْ رَفَعَتْ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ فَرَضَ لَهَا وَلَهُمْ وَحَسَبَهُ لَهَا عَلَيْهِ مِنْ يَوْمِ يَفْرِضُهُ وَكَانَ لَهَا دَيْنًا تُتْبَعُ بِهِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ: إنَّ الرَّجُلَ يَبْرَأُ مِنْ نَفَقَةِ وَلَدِهِ الَّذِي فِي حِجْرِهِ مَعَ زَوْجَتِهِ أُمِّهِمْ بِمَا يَبْرَأُ مِنْ نَفَقَةِ زَوْجَتِهِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ عَلَى ذَلِكَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَإِنْ رَفَعَتْ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ فَرَضَ لَهَا وَلَهُمْ، قَوْلُهُ: فَمَعْنَاهُ إذَا عُرِفَ مُلَاؤُهُ فِي غَيْبَتِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو فِي مَغِيبِهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: (أَحَدُهَا) أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفَ الْمَلَا (وَالثَّانِي) أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفَ الْعُدْمِ (وَالثَّالِثُ) أَنْ يَكُونَ حَالُهُ مَجْهُولَةً إذَا كَانَ مَعْرُوفَ الْمَلَا؛ فَإِنَّ النَّفَقَةَ تُفْرَضُ لَهَا عَلَيْهِ عَلَى مَا يُعْرَفُ مِنْ مِلْئِهِ فَتَتْبَعُهُ بِذَلِكَ دَيْنًا ثَابِتًا فِي ذِمَّتِهِ، هَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ هُنَا وَنَصُّ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ.
وَظَاهِرُ قَوْلِهِ فِيهَا أَنَّهُ لَا خِيَارَ لِلْمَرْأَةِ فِي فِرَاقِهِ كَمَا يَكُونُ ذَلِكَ لَهَا فِي الْمَجْهُولِ الْحَالِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ إذَا كَانَ لَهَا مَالٌ فَتُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهَا وَمَا لَمْ تَطُلْ إقَامَتُهُ عَنْهَا عَلَى مَا مَضَى فِي رَسْمِ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَفِي رَسْمِ شَهِدَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى، وَأَمَّا إنْ كَانَ مَعْرُوفَ الْعُدْمِ، فَلَا يَفْرِضُ لَهَا السُّلْطَانُ إذْ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُعْدَمِ لِامْرَأَتِهِ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ وَيُفَرِّقُ السُّلْطَانُ بَيْنَهُمَا بَعْدَ التَّلَوُّمِ، وَإِنْ أَحَبَّتْ الصَّبْرَ عَلَيْهِ كَتَبَ لَهَا كِتَابًا بِذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ ذَلِكَ الشَّهْرِ أَنَّهَا قَامَتْ عِنْدَهُ عَلَيْهِ طَالِبَةً لِنَفَقَتِهَا؛ فَإِنْ قَدِمَ وَعُلِمَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ مَالٌ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا إنَّهَا أَنْفَقَتْ عَلَى نَفْسِهَا مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ إنْ ادَّعَى أَنَّهُ خَلَفَ عِنْدَهَا أَوْ بَعَثَ إلَيْهَا، وَأَمَّا إذَا كَانَ مَجْهُولَ الْحَالِ لَا يُعْرَفُ مِلْؤُهُ فِي غَيْبَتِهِ مِنْ عَدَمِهِ فَقَالَ: فِي الْمُدَوَّنَةِ إنَّ السُّلْطَانَ لَا يَفْرِضُ لَهَا نَفَقَةً عَلَى زَوْجِهَا فِي مَغِيبِهِ حَتَّى يَقْدُمَ، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا فَرَضَ عَلَيْهِ نَفَقَةَ مِثْلِهِ لِمِثْلِهَا، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ إنَّهَا إنْ أَحَبَّتْ الصَّبْرَ عَلَيْهِ أَشْهَدَ لَهَا السُّلْطَانُ إنْ كَانَ فُلَانٌ زَوْجُ فُلَانَةَ الْيَوْمَ مَلِيئًا فِي غَيْبَتِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ لِامْرَأَتِهِ فَرِيضَةُ مِثْلِهَا مِنْ مِثْلِهِ، وَسَيَأْتِي فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ الْقَوْلُ فِي فَرْضِ نَفَقَةِ الْأَبَوَيْنِ وَبِاَللَّهِ عز وجل التَّوْفِيقُ اهـ كَلَامُهُ بِلَفْظِهِ.
وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ بِاخْتِصَارٍ وَنَصُّهُ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ؛ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ بِيعَ وَفُرِضَ مِنْهُ.
[فَرْعٌ أَحَبَّتْ الْمَرْأَةُ أَنْ تُفْرَضَ لَهَا النَّفَقَةُ]
(فَرْعٌ) وَإِنْ أَحَبَّتْ الْمَرْأَةُ أَنْ تُفْرَضَ لَهَا النَّفَقَةُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ حَاضِرٌ، فَقَالَ: ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُفْرَضُ عَلَيْهِ شَيْءٌ حَتَّى يَقْدُمَ إذَا عُلِمَ عُدْمُهُ أَوْ جُهِلَ أَمْرُهُ، وَفِي الْبَيَانِ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ إذَا أَحَبَّتْ الصَّبْرَ عَلَيْهِ أَشْهَدَ السُّلْطَانُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ فُلَانٌ زَوْجُ فُلَانَةَ الْيَوْمَ مَلِيًّا فِي غَيْبَتِهِ فَقَدْ أَوْجَبْتَ عَلَيْهِ فَرِيضَةَ مِثْلِهَا مِنْ مِثْلِهِ أَمَّا إنْ عَلِمَ أَنَّهُ مُوسِرٌ؛ فَإِنَّهُ يَفْرِضُ لَهَا نَفَقَةَ مِثْلِهَا، قَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَتَدَايَنَ عَلَيْهِ وَيَقْضِي لَهَا اهـ. وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ الْحَالَةَ الثَّالِثَةَ فَقَطْ
وَهِيَ مَا إذَا جَهِلَتْ حَالَةً فَقَطْ، وَأَمَّا إذَا عُرِفَ مِلْؤُهُ أَوْ عُدْمُهُ فَنَقَلَهُ عَنْ الْمُتَيْطِيِّ، وَحَكَى عَنْهُ فِيمَا إذَا عُلِمَ عُدْمُهُ قَوْلَيْنِ وَنَصُّ كَلَامِهِ: وَفِيهَا لَا يُفْرَضُ عَلَى الْغَائِبِ النَّفَقَةُ لِزَوْجَتِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ تَعَدَّى فِيهِ.
(قُلْت) ظَاهِرُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَمْ يُفْرَضْ، وَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ إنْ عُلِمَ أَنَّهُ مَلِيءٌ فِي غَيْبَتِهِ فَرَضَ لَهَا الْقَاضِي نَفَقَةَ مِثْلِهَا وَكَانَ دَيْنًا لَهَا عَلَيْهِ تُحَاصُّ بِهِ غُرَمَاءَهُ، وَإِذَا قَدِمَ أَخَذَتْهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مُعْدَمًا فِي غَيْبَتِهِ فَالْمَشْهُورُ لِابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يُفْرَضُ لَهَا، وَقَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ تَدَايَنَ عَلَيْهِ وَيَقْضِي لَهَا.
(قُلْت:) فَهَذَا يُؤَدِّي إلَى وُجُوبِهَا عَلَى الْمُعْسِرِ.
(قُلْت:) وَلِابْنِ رُشْدٍ فِي آخِرِ مَسْأَلَةٍ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ طَلَاقِ السُّنَّةِ إنْ جُهِلَ مِلْؤُهُ مِنْ عُدْمِهِ فَفِيهَا لَا يَفْرِضُ لَهَا السُّلْطَانُ عَلَيْهِ نَفَقَةً حَتَّى يَقْدُمَ؛ فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا فَرَضَ لَهَا، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ أَحَبَّتْ الصَّبْرَ أَشْهَدَ لَهَا السُّلْطَانُ إنْ كَانَ فُلَانٌ زَوْجُ فُلَانَةَ الْيَوْمَ مَلِيًّا فِي غَيْبَتِهِ فَقَدْ أَوْجَبْنَا لَهَا عَلَيْهِ فَرِيضَةَ مِثْلِهَا مِنْ مِثْلِهِ اهـ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) مَا حَكَاهُ الْمُتَيْطِيُّ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ مِنْ أَنَّهَا تَتَدَايَنُ عَلَيْهِ وَيَقْضِي لَهَا فِي مَسْأَلَةِ مَا إذَا عُلِمَ عُدْمُهُ فِي غَيْبَتِهِ وَجَعْلُهُ قَوْلًا ثَانِيًا مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ التَّوْضِيحِ مِنْ أَنَّ كَلَامَ الْمَوَّازِيَّةِ الْمَذْكُورَ مِنْ تَتِمَّةِ الْقَوْلِ بِفَرْضِ النَّفَقَةِ لَهَا عَلَيْهِ فِي مَسْأَلَةِ مَا إذَا عُلِمَ مِلْؤُهُ فِي غَيْبَتِهِ، وَلِهَذَا اسْتَشْكَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: قُلْت: هَذَا يُؤَدِّي إلَى وُجُوبِهَا عَلَى الْمُعْسِرِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْعُتْبِيَّةِ الْمُتَقَدِّمِ وَتَسْلِيمِ ابْنِ رُشْدٍ لَهُ بِمَا شَرَحَهُ بِهِ أَنَّ نَفَقَةَ الْوَلَدِ تُفْرَضُ عَلَى الْوَالِدِ فِي غَيْبَتِهِ إذَا كَانَ مُوسِرًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) مَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ فِي آخِرِ كَلَامِهِ فِي الْقَوْلِ فِي فَرْضِ النَّفَقَةِ عَلَى الْأَبَوَيْنِ وَأَنَّهُ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ ذَكَرَهُ فِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ مِنْ سَمَاعِهِ مِنْ كِتَابِ طَلَاقِ السُّنَّةِ، وَلَا بَأْسَ بِذِكْرِهِ لِيُسْتَفَادَ بِهِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ حُكْمُ فَرْضِ النَّفَقَةِ عَلَى الْغَائِبِ لِلزَّوْجَةِ وَالْوَلَدِ وَالْأَبَوَيْنِ وَنَصُّهُ: قَالَ أَصْبَغُ سَأَلْت ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ الَّذِي يَغِيبُ وَيَحْتَاجُ أَبَوَاهُ أَوْ امْرَأَتُهُ وَلَهُ مَالٌ حَاضِرٌ فَيَرْفَعَانِهِ إلَى السُّلْطَانِ، قَالَ يُبَاعُ مَالُهُ وَيُنْفَقُ عَلَيْهِنَّ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ أَيُؤْمَرَانِ أَنْ يَتَدَايَنَا عَلَيْهِ وَيَقْضِي لَهُمَا بِذَلِكَ.؟ قَالَ: أَمَّا الزَّوْجَةُ فَنَعَمْ، وَأَمَّا الْأَبَوَانِ فَلَا؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ لَمْ يَرْفَعُوا ذَلِكَ حَتَّى قَدِمَ فَأَقَرَّ لَهُمْ جَمِيعًا بِذَلِكَ غَرِمَ لِلْمَرْأَةِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَغْرَمَ ذَلِكَ لِلْأَبَوَيْنِ، وَإِنْ أَقَرَّ لَهُمَا؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ نَفَقَتُهَا عَلَيْهِ مُوسِرَةً كَانَتْ أَوْ مُعْسِرَةً، وَالْمَرْأَةُ تُحَاصُّ الْغُرَمَاءَ إذَا رَفَعَتْ ذَلِكَ وَكَانَ يَوْمَ أَنْفَقَتْ مُوسِرَةً وَالْأَبَوَانِ لَيْسَا كَذَلِكَ، وَقَالَ أَصْبَغُ فَنَفَقَةُ الْأَبَوَيْنِ لَا تَجِبُ إلَّا بِفَرِيضَةٍ مِنْ سُلْطَانٍ حَتَّى يَجِدَهُمَا يَسْتَحِقَّانِهَا وَيَجِدَ لَهُ مَالًا يُعَدِّيهِمَا فِيهِ، وَإِلَّا فَلَا. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ: إنَّ مَالَ الْغَائِبِ يُبَاعُ فِي نَفَقَةِ أَبَوَيْهِ هُوَ مِثْلُ مَا فِي كِتَابِ إرْخَاءِ السُّتُورِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَكَانَ الشُّيُوخُ يُفْتُونَ أَنَّ أُصُولَ الْغَائِبِ لَا تُبَاعُ فِي نَفَقَةِ أَبَوَيْهِ، بِخِلَافِ زَوْجَتِهِ وَيَتَأَوَّلُونَ الْمُرَادَ بِمَالِ الْغَائِبِ الَّذِي يُبَاعُ فِي نَفَقَةِ أَبَوَيْهِ عُرُوضُهُ لَا أُصُولُهُ
وَالْفَرْقُ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ بَيْنَ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَنَفَقَةِ الْأَبَوَيْنِ أَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ وَاجِبَةٌ حَتَّى يُعْلَمَ سُقُوطُهَا وَنَفَقَةَ الْأَبَوَيْنِ سَاقِطَةٌ حَتَّى يُعْلَمَ وُجُوبُهَا بِمَعْرِفَةِ حَيَاتِهِ، وَأَنَّهُ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ يَغْتَرِقُ مَالَهُ، وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا تُبَاعَ عَلَيْهِ أَيْضًا عُرُوضُهُ فِي مَغِيبِهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ حِينَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ مَيِّتًا وَأَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَغْتَرِقُ عُرُوضَهُ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ فِي الْعُرُوضِ اسْتِحْسَانٌ، بِهَذَا الْمَعْنَى فَرَّقُوا أَيْضًا بَيْنَ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَالْأَبَوَيْنِ فِي أَنَّ الْأَبَوَيْنِ لَا يُفْرَضُ لَهُمَا النَّفَقَةُ عَلَيْهِ فِي مَغِيبِهِ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ حَاضِرٌ، وَلَا يُؤْمَرَانِ أَنْ يَتَدَايَنَا عَلَيْهِ؛ فَإِنْ فَعَلَا لَمْ يَلْزَمْهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَيَلْزَمُ عَلَى الْفَرْقِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ لَوْ كَانَتْ النَّفَقَةُ قَدْ فُرِضَتْ لَهُمَا عَلَيْهِ قَبْلَ مَغِيبِهِ فَغَابَ وَتَرَكَ أُصُولَهُ أَنْ تُبَاعَ عَلَيْهِ فِي نَفَقَتِهِمَا، وَقَوْلُهُ إنَّ الْمَرْأَةَ تُحَاصُّ الْغُرَمَاءَ بِمَا أَنْفَقَتْ مِنْ يَوْمِ رَفَعَتْ إذَا كَانَ يَوْمَ أَنْفَقَتْ مُوسِرًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تُحَاصُّ إلَّا فِي الدَّيْنِ الْمُسْتَحْدَثِ، مِثْلُ قَوْلِ سَحْنُونٍ فِي رَسْمِ
بَاعَ غُلَامًا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَدْ مَضَى بَيَانُ ذَلِكَ هُنَاكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ اهـ.
وَاقْتَصَرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى نَقْلِ كَلَامِ الْعُتْبِيَّةِ فَقَطْ، وَأَتَى بِهِ اسْتِشْهَادًا عَلَى مَسْأَلَةٍ سُئِلَ عَنْهَا ابْنُ رُشْدٍ، وَهِيَ مَنْ أَنْفَقَ عَلَى أَبَوَيْهِ وَلَهُ إخْوَةٌ فَأَرَادَ الرُّجُوعَ عَلَى إخْوَتِهِ بِمَا يَنُوبُهُمْ وَسَيَأْتِي كَلَامُهُمَا عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَهَلْ عَلَى الرُّءُوسِ أَوْ الْإِرْثِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ فِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ فِي الْقَضَاءِ فِي مَسَائِلِ الْغَائِبِ: رَجُلٌ غَابَ مُنْذُ عِشْرِينَ عَامًا وَأَثْبَتَ أَبُوهُ أَنَّهُ فَقِيرٌ عَدِيمٌ وَأَنَّ لَهُ دَارًا وَدَعَا أَنْ تُبَاعَ وَيُنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ ثَمَنِهَا فَأَفْتَى ابْنُ عَاتٍ لَا سَبِيلَ إلَى بَيْعِ هَذِهِ الدَّارِ بِسَبَبِ الْأَبِ الطَّالِبِ لِلنَّفَقَةِ، وَهُوَ مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ، وَكَانَ ابْنُ مَالِكٍ وَابْنُ الْقَطَّانِ قَدْ مَاتَا وَأَفْتَى غَيْرُهُ يَجِبُ بِأَنْ يَحْلِفَ الْأَبُ مَا لَهُ مَالٌ مَعْلُومٌ وَأَنَّهُ لَفَقِيرٌ عَدِيمٌ وَتُبَاعُ الدَّارُ وَيُنْفَقُ مِنْ ثَمَنِهَا عَلَى الْأَبِ وَزَوْجَتِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَمِينُ الْأَبِ فِي هَذَا مُخْتَلَفٌ فِيهَا، وَذَكَرَ ابْنُ الْعَطَّارِ أَنَّ ابْنَ لُبَابَةَ أَفْتَى بِهَذَا ثُمَّ تَكَلَّمْتُ فِيهَا مَعَ ابْنِ عَتَّابٍ فَقَالَ لِي: هَذِهِ الْأَجْوِبَةُ كُلُّهَا خَطَأٌ، وَلَا نَفَقَةَ لِلْأَبِ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ حَيَاةِ الِابْنِ وَبِتَيَقُّنِ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ غَنِيًّا أَوْ مِدْيَانًا.
قَالَ: وَلَا حُجَّةَ بِمَا فِي طَلَاقِ السُّنَّةِ مِنْ إيجَابَةِ الْإِنْفَاقِ مِنْ مَالِ مَنْ فُقِدَ عَلَى زَوْجَتِهِ وَبَنِيهِ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ هَؤُلَاءِ قَدْ كَانَتْ لَزِمَتْ الْمَفْقُودَ إذَا كَانَ حَاضِرًا، فَلَا تَرْتَفِعُ عَنْهُ إلَّا بِصِحَّةِ وَفَاتِهِ، وَلَوْ بَاعَ الْحَاكِمُ دَارَ الْغَائِبِ قَبْلَ صِحَّةِ حَيَاتِهِ وَأَنْفَقَ عَلَى الْأَبِ ثَمَنَهَا لَزِمَهُ الْغُرْمُ لِأَنَّهُ مِنْ الْخَطَإِ الَّذِي لَا يُعْذَرُ فِيهِ، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ تُكْرَى الدَّارَ وَيُعْطَى لِلْأَبِ مَا يَرْتَفِقُ بِهِ اسْتِحْبَابًا عَلَى سَبِيلِ السَّلَفِ وَيَخُصُّ ذَلِكَ بِالتَّسْجِيلِ اهـ، وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ فِي آخِرِ كِتَابِ الْأَنْكِحَةِ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّا ذَكَرَهُ ابْنُ سَهْلٍ يَعْنِي كَلَامَهُ الْمُتَقَدِّمَ فَأَجَابَ إنَّمَا حَكَى ذَلِكَ يَعْنِي ابْنَ سَهْلٍ عَنْ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَتَّابٍ، وَهُوَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْأَبَوَيْنِ قَدْ كَانَتْ سَاقِطَةً عَنْهُ، وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ لَهُمَا حَتَّى يَطْلُبَاهُ بِهَا، فَإِذَا غَابَ عَنْهُمَا لَمْ يَصِحَّ أَنْ يَحْكُمَ لَهُمَا عَلَيْهِ فِي مَغِيبِهِ، وَتُبَاعُ عَلَيْهِ فِيهَا أُصُولُهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ قَدْ مَاتَ أَوْ قَدْ اسْتَدَانَ مِنْ الدُّيُونِ مَا يَسْتَغْرِقُهَا أَوْ يَكُونَ أَحَقَّ بِهَا مِنْ نَفَقَتِهِمَا، وَذَلِكَ بِخِلَافِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ نَفَقَةَ الْأَبَوَيْنِ سَاقِطَةٌ حَتَّى يُعْلَمَ وُجُوبُهَا بِمَعْرِفَةِ حَيَاتِهِ، وَأَنَّهُ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ يَغْتَرِقُ مَالَهُ، وَأَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ وَاجِبَةٌ حَتَّى يُعْلَمَ سُقُوطُهَا بِمَعْرِفَةِ مَوْتِهِ أَوْ اسْتِغْرَاقُ ذِمَّتِهِ بِالدُّيُونِ، وَهَذَا مِنْ بَابِ اسْتِصْحَابِ الْحَالِ، وَهُوَ أَصْلٌ مِنْ الْأُصُولِ يَجْرِي عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ الْأَحْكَامِ، مِنْ ذَلِكَ الْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ أَكَلَ شَاكًّا فِي الْفَجْرِ أَوْ شَاكًّا فِي الْغُرُوبِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ أَيْقَنَ بِالْوُضُوءِ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ بَعْدَهُ، وَبَيْنَ مَنْ أَيْقَنَ بِالْحَدَثِ وَشَكَّ فِي الْوُضُوءِ بَعْدَهُ، وَمِنْ ذَلِكَ مَسْأَلَةُ كِتَابِ طَلَاقِ السُّنَّةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي الْمَفْقُودِ يَمُوتُ بَعْضُ وَلَدِهِ فِي تَفْرِقَتِهِ بَيْنَ أَنْ يُفْقَدَ وَهُوَ حُرٌّ أَوْ يُعْتَقَ بَعْدَ أَنْ فُقِدَ وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: إنَّ الْحَاكِمَ يَضْمَنُ إنْ فَعَلَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْخَطَأِ الَّذِي لَا يُعْذَرُ فِيهِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَإِنْ كَانَ الشَّيْخُ ابْنُ عَتَّابٍ قَدْ قَالَهُ فَإِنَّمَا قَالَهُ انْحِرَافًا لِمُخَالَفَةِ مَنْ خَالَفَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَأَفْتَى بِبَيْعِ أُصُولِ الْغَائِبِ فِي نَفَقَةِ الْأَبَوَيْنِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ ابْنَ الْمَوَّازِ حَكَى الْإِجْمَاعَ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ وُجِدَ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ فَهُوَ شُذُوذٌ خَارِجٌ عَنْ الْأُصُولِ وَمَا فِي إرْخَاءِ السُّتُورِ مِنْهَا وَسَمَاعِ أَصْبَغَ فِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ بَيْعِ مَالِ الْغَائِبِ وَنَفَقَةِ أَبَوَيْهِ يُحْمَلُ عَلَى مَا عَدَا الْأُصُولِ اسْتِحْسَانًا أَيْضًا عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ أَنْ لَا يُنْفَقَ عَلَيْهِمَا فِي مَغِيبِهِ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ إذْ لَا يُؤْمَنُ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَدْ مَاتَ أَوْ قَدْ اسْتَدَانَ مِنْ الدُّيُونِ مَا هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ نَفَقَةِ أَبَوَيْهِ، وَلِهَذِهِ الْعِلَّةِ قَالُوا إنَّ الْغَائِبَ لَا يُؤْخَذُ مِنْ مَالِهِ النَّاضِّ الزَّكَاةُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) وَنَقَلَ الْبُرْزُلِيُّ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ هَذَا فِي مَسَائِلِ الْأَنْكِحَةِ، وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ وَكَلَامَ ابْنِ سَهْلٍ وَابْنِ رُشْدٍ فِي كَلَامِهِ عَلَى نَفَقَةِ الْوَالِدَيْنِ مِنْ مُخْتَصَرِهِ، وَكَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ الْمُشَارُ إلَيْهِ فِي إرْخَاءِ السُّتُورِ هُوَ قَبْلَ تَرْجَمَةِ الْحُكْمَيْنِ بِأَسْطُرٍ
وَنَصُّهُ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ وَنَفَقَةَ الْأَوْلَادِ وَنَفَقَةَ الْأَبَوَيْنِ: وَيُعَدَّى عَلَى الْغَائِبِ فِي بَيْعِ مَالِهِ لِلنَّفَقَةِ عَلَى مَنْ ذَكَرْنَا، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْأَنْكِحَةِ، وَسُئِلَ الْمَازِرِيُّ عَمَّنْ أَثْبَتَتْ غَيْبَةَ زَوْجِهَا وَعَدَمَ نَفَقَتِهِ وَأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ سِوَى رَبْعٍ وَأُمِرَتْ بِالْيَمِينِ فَحَلَفَتْ وَنُودِيَ عَلَى الرَّبْعِ وَاسْتَقَرَّ عَلَى الْمُشْتَرِي وَلَمْ يَنْعَقِدْ الْبَيْعُ، فَهَلْ يُعَدَّى لَهَا بِالنَّفَقَةِ مِنْ يَوْمِ الْحَلِفِ أَوْ مِنْ الْحُكْمِ بِالْبَيْعِ.؟ فَأَجَابَ الْإِعْدَاءُ بِالنَّفَقَةِ مِنْ يَوْمِ الْحَلِفِ لَا مِنْ يَوْمِ انْعِقَادِ الْبَيْعِ، انْتَهَى. وَكَرَّرَهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَقَالَ عَقِيبَهَا: قُلْت: تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُفْرَضُ لَهَا مِمَّا ذَكَرْتُ أَنَّهُ بِيَدِهَا مِنْ يَوْمِ الرَّفْعِ، انْتَهَى.
ص (وَأَقَامَتْ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُنْكِرِ)
ش: مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لَمْ يَحْتَجْ لِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي أَوَاخِرِ النِّكَاحِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ وَسَحْنُونٌ إنَّهُ لَا يَقْضِي لَهَا بِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ سَهْلٍ وَابْنُ رُشْدٍ، وَهُوَ أَنَّهُ يُقِرُّ لِلْغَائِبِ بِالدَّيْنِ لِيُوجِبَ عَلَيْهِ خِلْطَةً ثُمَّ يَدَّعِي عَلَيْهِ بِأَكْثَرَ مِمَّا أَقَرَّ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ: إذَا أَرَادَ الْمُوَثِّقُ أَنْ يَحْتَرِزَ مِنْ هَذَا فَيَكْتُبْ أُقِرُّ لِفُلَانٍ بِدَيْنٍ بِغَيْرِ مَحْضَرِهِ اُنْظُرْ بَقِيَّةَ كَلَامِهِ، وَنَقَلَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي آخِرِ الْفَصْلِ الْخَامِسِ فِي التَّنْبِيهِ عَلَى أَحْكَامٍ يَتَوَقَّفُ سَمَاعُ الدَّعْوَى فِيهِ عَلَى إثْبَاتِ فُصُولِ أَنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِإِقْرَارِ الْخَصْمِ بِالدَّيْنِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ، وَنَصُّهُ: مَسْأَلَةٌ: أَقَامَتْ امْرَأَةٌ عَلَى رَجُلٍ غَائِبٍ تَدَّعِي عَلَيْهِ، وَذَكَرَتْ أَنَّ لِلْغَائِبِ دَيْنًا عَلَى رَجُلٍ حَاضِرٍ قَدْ حَلَّ عَلَيْهِ، وَأَحْضَرَتْ الْعَقْدَ الْمَكْتُوبَ عَلَى الْغَرِيمِ الْحَاضِرِ فَحَضَرَ غَرِيمُ الْغَائِبِ مَجْلِسَ الْحُكْمِ، وَأَقَرَّ بِالدَّيْنِ وَبِصِحَّةِ الْعَقْدِ وَأَنَّ الدَّيْنَ بَاقٍ عَلَيْهِ لِلْغَائِبِ، وَأَثْبَتَتْ عِنْدَ الْحَاكِمِ غَيْبَةَ غَرِيمِهَا فَأَفْتَى ابْنُ مَالِكٍ وَابْنُ عَتَّابٍ أَنَّ إقْرَارَ غَرِيمِ الْغَائِبِ لَا يُكْتَفَى بِهِ، وَأَنَّ الْقَاضِيَ يُلْزِمُ الْمَرْأَةَ الْقَائِمَةَ بِإِثْبَاتِ الْعَقْدِ، فَإِذَا ثَبَتَ أَمْرُهَا بِالْحَلِفِ فِي مَقْطَعِ الْحَقِّ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَحْلِفَ وَيَتَقَاضَى يَمِينَهَا مِنْ يُقَدِّمُهُ الْقَاضِي لِذَلِكَ، فَإِذَا حَلَفَتْ أَمَرَ غَرِيمَ الْغَائِبِ بِإِحْضَارِ مَا عَلَيْهِ وَيَدْفَعُ لِلْمَرْأَةِ حَقَّهَا وَتُرْجَى الْحُجَّةُ لِلْغَائِبِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْإِعْذَارُ إلَيْهِ، انْتَهَى. وَمَا أَفْتَيَا بِهِ وَنُقِلَ عَنْ سَحْنُونٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْمَشْهُورِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَبِيعَتْ دَارُهُ بَعْدَ ثُبُوتِ مِلْكِهِ)
ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ مِمَّا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَفُرِضَ فِي مَالِ الْغَائِبِ.
(فَرْعٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ التَّفْلِيسِ: يَجِبُ عَلَى مَنْ قَامَ عَلَى غَائِبٍ بِدَيْنٍ إثْبَاتُ الدَّيْنِ، وَمِلْكُ الْغَائِبِ وَحِيَازَتُهُ عَنْ أَمْرِ الْقَاضِي وَثُبُوتُ الْحِيَازَةِ عِنْدَهُ وَغَيْبَةُ الْمَطْلُوبِ وَأَنَّهُ بَعِيدٌ بِحَيْثُ لَا يُعْلَمُ ثُمَّ يَحْلِفُ أَنَّهُ مَا قَبَضَ دَيْنَهُ، ثُمَّ يَقْضِي لَهُ بِبَيْعِ الْمِلْكِ وَيَقْضِي دَيْنَهُ وَتُرْجَى الْحُجَّةُ لِلْغَائِبِ، فَإِذَا قَدِمَ وَأَثْبَتَ أَنَّهُ قَضَاهُ، فَلَا سَبِيلَ إلَى نَقْضِ مَبِيعِ الْمِلْكِ، وَيَرْجِعُ عَلَى الطَّالِبِ بِمَا قَبَضَ مِنْ الدَّيْنِ، وَحَكَى التُّونُسِيُّ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْقَاقِ أَنَّهُ يُنْقَضُ الْبَيْعُ وَيُدْفَعُ الثَّمَنُ لِلْمُشْتَرِي، وَفِي الْعِتْقِ مِنْ الْوَاضِحَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا فِي مَسْأَلَةِ مَنْ أُعْتِقَ لَهُ شِرْكًا فِي عَبْدٍ، قَالَ الْبُرْزُلِيُّ.
(قُلْت:) وَمِثْلُ الْأَوَّلِ لِلَّخْمِيّ فِي كِتَابِ التَّخْيِيرِ، قَالَ يَنْفُذُ الْبَيْعُ إذَا فَاتَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْفُذْ إلَّا عَلَى الذِّمَّةِ، وَفِي الطُّرَرِ إذَا ادَّعَى الرَّاهِنُ أَنَّهُ دَفَعَ الدَّيْنَ وَأَنْكَرَ الْمُرْتَهِنُ، فَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ فِي الْعَقْدِ التَّصْدِيقُ وَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى الدَّفْعِ انْتَقَضَ الْبَيْعُ، وَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ حَلَفَ الْمُرْتَهِنُ وَيَنْفُذُ الْبَيْعُ، وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الرَّاهِنُ لَقَدْ