الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
انْقَضَى الْمَجْلِسُ لَمْ يَلْزَمْهُ الْبَيْعُ اتِّفَاقًا، وَكَذَا لَوْ حَصَلَ فَاصِلٌ يَقْتَضِي الْإِعْرَاضَ عَمَّا كَانَا فِيهِ حَتَّى لَا يَكُونَ كَلَامُهُ جَوَابًا لِلْكَلَامِ السَّابِقِ فِي الْعُرْفِ لَمْ يَنْعَقِدْ الْبَيْعُ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ وَمِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ وَمِنْ قَوْلِهِ فِي بَيْعِ الْمُسَاوَمَةِ: إنْ أَجَابَهُ صَاحِبُهُ فِي الْمَجْلِسِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَحْصُلَ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فَصْلٌ بِكَلَامٍ أَجْنَبِيٍّ عَنْ الْعَقْدِ وَلَوْ كَانَ يَسِيرًا كَمَا يَقُولُهُ الشَّافِعِيَّةُ، وَلَا يُقَالُ: كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ الْعَرَبِيِّ فِي انْعِقَادِ الْبَيْعِ وَعَدَمِ انْعِقَادِهِ وَكَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ عَرَفَةَ إنَّمَا يَقْتَضِي عَدَمَ اللُّزُومِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ اللُّزُومِ نَفْيُ الِانْعِقَادِ لِأَنَّا نَقُولُ: لَا مُوجِبَ هُنَا لِعَدَمِ اللُّزُومِ فِي حَقِّ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا إلَّا كَوْنَهُ لَمْ يَنْعَقِدْ عَلَيْهِ الْبَيْعُ لِعَدَمِ إجَابَةِ صَاحِبِهِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا فِي وَقْتٍ يَكُونُ كَلَامُهُ جَوَابًا لِكَلَامِهِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي بَيْعِ الْمُسَاوَمَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُ بَيْعِ الْمُزَايَدَة وَبَيْعِ الْمُرَابَحَةِ وَبَيْعِ الِاسْتِئْمَانِ وَالِاسْتِرْسَالِ
[تَنْبِيه رَجَعَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ عَمَّا أَوْجَبَهُ لِصَاحِبِهِ قَبْلَ أَنْ يُجِيبَهُ الْآخَرُ]
(الْعَاشِرُ) فِي كَلَامِ الْمُقَدِّمَاتِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ فَائِدَةٌ أُخْرَى وَهِيَ لَوْ رَجَعَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ عَمَّا أَوْجَبَهُ لِصَاحِبِهِ قَبْلَ أَنْ يُجِيبَهُ الْآخَرُ لَمْ يُفِدْهُ رُجُوعُهُ إذَا أَجَابَهُ صَاحِبُهُ بَعْدُ بِالْقَبُولِ، وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى:{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: 275] فِي ذَلِكَ خِلَافًا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ فِي الْمَذْهَبِ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ، وَلَكِنَّ الْجَارِي عَلَى الْمَذْهَبِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[تَنْبِيه قَالَ أَبِيعُكَ سِلْعَتِي بِعَشْرَةٍ إنْ شِئْت فَلَمْ يَقُلْ أَخَذْتُهَا حَتَّى انْقَضَى الْمَجْلِسُ]
(الْحَادِيَ عَشَرَ) مِنْ ابْنِ رُشْدٍ لَوْ قَالَ أَبِيعُكَ سِلْعَتِي بِعَشْرَةٍ إنْ شِئْت فَلَمْ يَقُلْ أَخَذْتُهَا حَتَّى انْقَضَى الْمَجْلِسُ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ اتِّفَاقًا، وَفِيهِ فَائِدَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُشْتَرِي لَوْ أَجَابَهُ بِمَا يَقْتَضِي الْقَبُولَ فِي الْمَجْلِسِ لَزِمَهُ الْبَيْعُ وَلَا يَضُرُّهُ قَوْلُ الْبَائِعِ بِعْتُك سِلْعَتِي إنْ شِئْت وَهُوَ ظَاهِرٌ وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ كَلَامٌ
، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ كَلَامِهِ السَّابِقِ الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ (قُلْتُ) كَتَبَ مُوَثِّقٌ بَيْعَ مُسَافِرٍ عَبَّرَ عَنْهُ بِعْتُ مَوْضُوعَ كَذَا مِنْ زَوْجَتِي فُلَانَةَ بِكَذَا إنْ قَبِلَتْ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مَسَافَةُ شَهْرَيْنِ، فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مُدَّةَ قَضَائِهِ: لَا أُجِيزُ هَذَا الْبَيْعَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ فَبُدِّلَتْ الْوَثِيقَةُ بِحَذْفِ إنْ قَبِلَتْ فَقَبِلَهَا، فَلَعَلَّهُ رَأَى الْأَوَّلَ خِيَارًا وَالثَّانِي وَقْفًا اهـ. وَانْظُرْ مَا مَعْنَى قَوْلِهِ وَقْفًا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّمَا لَمْ يُجِزْ الْأَوَّلَ لِأَنَّهُ بَيْعُ خِيَارٍ إلَى أَمَدٍ بَعِيدٍ بِخِلَافِ الثَّانِي فَإِنَّهُ إقْرَارُ بَيْعٍ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَشَرْطُ عَاقِدِهِ تَمْيِيزٌ إلَّا بِسُكْرٍ فَتَرَدُّدٌ)
ش: لَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الرُّكْنِ الْأَوَّلِ مِنْ أَرْكَانِ الْبَيْعِ الَّذِي هُوَ الصِّيغَةُ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِالْكَلَامِ عَلَى الرُّكْنِ الثَّانِي وَهُوَ الْعَاقِدُ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي، وَالضَّمِيرُ الْمُضَافُ إلَيْهِ عَائِدٌ إلَى الْبَيْعِ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي انْعِقَادِ الْبَيْعِ أَنْ يَكُونَ عَاقِدُهُ مُمَيِّزًا هَذَا أَقْرَبُ إلَى لَفْظِهِ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ يَعْنِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ بَيْعِ عَاقِدِ الْبَيْعِ التَّمْيِيزُ، وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى وَاحِدًا، وَعُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ مِنْ عَطْفِهِ عَلَيْهِ شَرْطَ اللُّزُومِ، وَإِذَا كَانَ شَرْطُ عَاقِدِهِ التَّمْيِيزَ فَلَا يَنْعَقِدُ بَيْعُ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ لِصِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ وَلَا شِرَاؤُهُ، فَإِنْ كَانَ عَدَمُ تَمْيِيزِهِ لِسُكْرٍ أَدْخَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَفِي انْعِقَادِ بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ تَرَدُّدٌ إذْ اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي نَقْلِ الْمَذْهَبِ فِي ذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَشَرْطُهُ التَّمْيِيزُ وَقِيلَ: إلَّا السَّكْرَانَ يَعْنِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْعَاقِدِ أَنْ يَكُونَ مُمَيِّزًا، وَلَا يُشْتَرَطُ الْعَقْلُ فَيَدْخُلُ الصَّبِيُّ وَيَخْرُجُ السَّكْرَانُ لِوُجُودِ التَّمْيِيزِ فِي الصَّبِيِّ وَفَقْدِهِ مِنْ السَّكْرَانِ وَالْعَقْلُ مَفْقُودٌ مِنْهُمَا اهـ.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ أَيْ شَرْطُ صِحَّةِ بَيْعِ الْعَاقِدِ وَشِرَائِهِ أَنْ يَكُونَ مُمَيِّزًا فَلَا يَنْعَقِدُ بَيْعُ غَيْرِ مُمَيِّزٍ وَلَا شِرَاؤُهُ لِصِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ سُكْرٍ، وَلَا إشْكَالَ فِي الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَأَمَّا السَّكْرَانُ فَهُوَ مُقْتَضَى مَا ذَكَرَ ابْنُ شَعْبَانَ فَإِنَّهُ قَالَ: وَمِنْ الْغَرَرِ بَيْعُ السَّكْرَانِ وَابْتِيَاعُهُ إذَا كَانَ سُكْرُهُ مُتَيَقَّنًا، وَيَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا عَقَلَ حِينَ فَعَلَ ذَلِكَ ثُمَّ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَيْهِ قَالَ الْمُصَنِّفُ:
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ مِنْ الْغَرَرِ اهـ.
(قُلْت) : نَحْوُهُ فِي الْجَوَاهِرِ قَالَ: فِيهَا الرُّكْنُ الثَّانِي الْعَاقِدُ وَشَرْطُهُ التَّمْيِيزُ فَلَا يَنْعَقِدُ بَيْعُ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ لِصِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ وَكَذَلِكَ السَّكْرَانُ إذَا كَانَ سُكْرُهُ مُتَحَقِّقًا قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَيَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَعَ ذَلِكَ مَا عَقَلَ حِينَ فَعَلَ ثُمَّ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ: يَنْعَقِدُ بَيْعُ السَّكْرَانِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ اهـ.
وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَتَقَدَّمَ لَفْظُهُ، وَهَكَذَا قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: فِي الْمَذْهَبِ إنَّ بَيْعَ السَّكْرَانِ الْمُحَقَّقِ السُّكْرِ لَا يَنْعَقِدُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ: يَنْعَقِدُ اهـ. ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: إثْرَ كَلَامِهِ السَّابِقِ وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَصَاحِبُ الْإِكْمَالِ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ، وَعَامَّةِ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ عُقُودُهُ، وَتَأَوَّلَ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلَ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي نِكَاحِهِ لَا أَرَاهُ جَائِزًا عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ لَا أَرَاهُ لَازِمًا أَنَّهُ فَاسِدٌ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: لَا يُقَالُ فِي بَيْعِ السَّكْرَانِ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ أَنَّهُ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ، وَإِنَّمَا يُقَالُ إنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ اهـ.
كَلَامُ التَّوْضِيحِ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ إلَّا بِسُكْرٍ فَتَرَدُّدٌ مُسْتَثْنًى مِنْ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ السَّابِقُ أَيْ فَلَا يَنْعَقِدُ بَيْعُ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَدَمُ تَمْيِيزِهِ بِسُكْرٍ أَدْخَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَفِي انْعِقَادِ بَيْعِهِ تَرَدُّدٌ أَيْ طَرِيقَانِ فَطَرِيقَةُ ابْنِ شَعْبَانَ وَابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ أَنَّهُ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ وَطَرِيقَةُ الْبَاجِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ وَصَاحِبِ الْإِكْمَالِ أَنَّهُ مُنْعَقِدٌ عَلَى مَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) : مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ، وَهُوَ فِي شَرْحِ أَوَّلِ مَسْأَلَةٍ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ ذَكَرَ فِيهَا الْكَلَامَ الْأَوَّلَ، وَالثَّانِيَ، وَالثَّالِثَ إلَّا أَنَّ كَلَامَهُ يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا كُلَّهُ فِي السَّكْرَانِ الَّذِي مَعَهُ بَقِيَّةٌ مِنْ عَقْلِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ يَقْتَضِي أَنَّ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي السَّكْرَانِ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ، وَنَصُّ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ السَّكْرَانُ قِسْمَانِ سَكْرَانُ لَا يَعْرِفُ الْأَرْضَ مِنْ السَّمَاءِ، وَلَا الرَّجُلَ مِنْ الْمَرْأَةِ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ كَالْمَجْنُونِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، وَأَقْوَالِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَفِيمَا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ النَّاسِ إلَّا فِيمَا ذَهَبَ وَقْتُهُ مِنْ الصَّلَوَات فَقِيلَ إنَّهُ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِخِلَافِ الْمَجْنُونِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَدْخَلَ السُّكْرَ عَلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ تَعَمَّدَ تَرْكَهَا، وَالثَّانِي السَّكْرَانُ الْمُخْتَلِطُ الَّذِي مَعَهُ بَقِيَّةٌ مِنْ عَقْلِهِ فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ كَالْمَجْنُونِ فَلَا يُحَدُّ وَلَا يُقْتَصُّ مِنْهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ بَيْعٌ وَلَا عِتْقٌ، وَلَا طَلَاقٌ، وَلَا شَيْءٌ مِنْ الْأَشْيَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَبِي يُوسُفَ، وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ.
وَالثَّانِي أَنَّهُ كَالصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ مَعَهُ بَقِيَّةٌ مِنْ عَقْلِهِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّهُ يَجُوزُ عَلَيْهِ كُلُّ مَا فَعَلَ مِنْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّالِثُ تَلْزَمُهُ الْأَفْعَالُ، وَلَا تَلْزَمُهُ الْأَقْوَالُ فَيُقْتَلُ بِمَنْ قَتَلَ وَيُحَدُّ فِي الزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ، وَلَا يُحَدُّ فِي الْقَذْفِ، وَلَا يَلْزَمُهُ طَلَاقٌ وَلَا عِتْقٌ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ وَالرَّابِعُ تَلْزَمُهُ الْجِنَايَاتُ، وَالْعِتْقُ وَالطَّلَاقُ، وَالْحُدُودُ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْإِقْرَارَاتُ، وَالْعُقُودُ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَعَامَّةِ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ، وَأَوْلَاهَا بِالصَّوَابِ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ اللَّهِ مِنْ الْإِقْرَارَاتِ، وَالْعُقُودِ إذَا لَمْ يَلْزَمْ السَّفِيهَ وَالصَّبِيَّ لِنُقْصَانِ عَقْلِهِمَا فَأَحْرَى أَنْ لَا يَلْزَمَ السَّكْرَانَ لِنُقْصَانِ عَقْلِهِ بِالسُّكْرِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ اللَّهِ يَلْزَمُهُ، وَلَا يَسْقُطُ قِيَاسًا عَلَى مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْعِبَادَاتِ مِنْ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ تَلْزَمُهُ، وَقَوْلُ مَالِكٍ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ فِي نِكَاحِهِ لَا أَرَاهُ جَائِزًا لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ عَقْدٌ فَاسِدٌ إنَّمَا مَعْنَاهُ لَا أَرَاهُ جَائِزًا عَلَيْهِ، وَلَا لَازِمًا لَهُ إنْ أَرَادَ الرُّجُوعَ فِيهِ وَادَّعَى أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ قَدْرَ مَا عَقَدَهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ أَجْلِ سُكْرِهِ، وَذَلِكَ إذَا أَقَرَّ لَهُ خَصْمُهُ بِمَا ادَّعَاهُ.
وَأَمَّا إنْ أَنْكَرَهُ فَلَا يُصَدَّقُ، وَيَلْزَمُهُ النِّكَاحُ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ كَانَ سَكْرَانَ لَا يَعْقِلُ، وَاخْتُلِفَ إنْ قَالَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهَا رَأَتْ مِنْهُ اخْتِلَاطًا وَلَمْ تَثْبُتْ الشَّهَادَةُ بِسُكْرِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ أَنَّهُ يَحْلِفُ، وَلَا يَلْزَمُهُ النِّكَاحُ، وَرَوَاهُ زِيَادٌ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَهُ فِي الْمَبْسُوطِ، وَمِثْلُهُ الْمَرِيضُ يُطَلِّقُ ثُمَّ يَدَّعِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي عَقْلِهِ عَلَى مَا فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ طَلَاقِ
السُّنَّةِ، وَالْأَيْمَانِ، وَالطَّلَاقِ (وَالثَّانِي) : أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ، وَلَا يُمَكَّنُ مِنْ الْيَمِينِ، وَيَلْزَمُهُ النِّكَاحُ وَهُوَ دَلِيلُ قَوْلِ أَشْهَبَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ.
وَقَوْلُ سَحْنُونٍ، وَلَا يَجُوزُ نِكَاحُهُ، وَلَا بَيْعُهُ، وَلَا هِبَتُهُ، وَلَا إقْرَارُهُ بِالدَّيْنِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُ إذَا مَا أَفَاقَ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَقَوْلُهُ الْكِتَابَةُ، وَالتَّدْبِيرُ كَالْعِتْقِ وَالْحُدُودِ فِي لُزُومِهِ إيَّاهُ صَحِيحٌ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَأَمَّا، وَصِيَّتُهُ بِالْعِتْقِ، وَغَيْرِهِ فَالصَّحِيحُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهَا جَائِزَةٌ عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ سَحْنُونٌ لِأَنَّ حُكْمَ وَصِيَّتِهِ حُكْمُ مَا عَقَدَهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْبَيْعِ، وَغَيْرِهِ.
وَلَا يُقَالُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يُقَالُ فِيهِ عَلَى مَذْهَبِهِ أَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ لَهُ إنْ أَرَادَ الرُّجُوعَ فِيهِ إذَا مَا أَفَاقَ مِنْ سُكْرِهِ فَإِذَا لَمْ يَرْجِعْ فِي وَصِيَّتِهِ حَتَّى مَاتَ، وَجَبَ أَنْ تُنَفَّذَ كَمَا تُنَفَّذُ وَصِيَّةُ الصَّحِيحِ وَقَوْلُ سَحْنُونٍ غَلَطٌ انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ.
وَأَكْثَرُهُ بِاللَّفْظِ، وَكَلَامُ صَاحِبِ الْإِكْمَالِ أَصْلُهُ لِلْمَازِرِيِّ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ إنَّمَا تَكَلَّمَ عَلَى مَنْ مَعَهُ بَقِيَّةٌ مِنْ عَقْلِهِ قَالَ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ: مِنْ الْمُعَلَّمِ: وَأَمَّا بِيَاعَاتُهُ فَفِيهَا عِنْدَنَا قَوْلَانِ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ بِسُكْرِهِ نَقَصَ مَيْزُهُ فِي مَعْرِفَتِهِ بِالْمَصَالِحِ كَالسَّفِيهِ وَالسَّفِيهُ لَا يَلْزَمُهُ بَيْعُهُ، وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّهُ تَلْزَمُهُ بِيَاعَاتُهُ انْتَهَى.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ فِي الْمُنْتَقَى: بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ لَفْظَ الْمُوَطَّإِ بِلُزُومِ السَّكْرَانِ طَلَاقُهُ، وَاَلَّذِي عِنْدِي فِي هَذَا أَنَّ السَّكْرَانَ الْمَذْكُورَ لَا يَذْهَبُ عَقْلُهُ جُمْلَةً، وَإِنَّمَا يَتَغَيَّرُ مَعَ صِحَّةِ قَصْدِهِ إلَى مَا يَقْصِدُهُ، وَأَمَّا إنْ بَلَغَ إلَى حَدٍّ يُغْمَى عَلَيْهِ، وَلَا يَبْقَى لَهُ عَقْلٌ جُمْلَةً فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ نُطْقٌ إذَا بَلَغَ هَذِهِ الْحَالَةَ، وَلَا يَتَهَيَّأُ مِنْهُ ضَرْبٌ، وَلَا قَصْدٌ إلَى قَتْلٍ، وَلَا غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ عَلَى الْمُعْتَادِ مِنْ سُكْرِ الْخَمْرِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ كَالْجُنُونِ الَّذِي يُذْهِبُ الْعَقْلَ جُمْلَةً، وَإِنَّمَا يَتَغَيَّرُ الْعُقُلُ تَغَيُّرَا يَجْتَرِئُ عَلَى مَعَانٍ لَا يَجْتَرِئُ عَلَيْهَا صَاحِيًا كَالسَّفِيهِ، وَلَوْ عُلِمَ أَنَّهُ بَلَغَ إلَى حَدِّ الْإِغْمَاءِ لَمَا أَقْتُصَّ مِنْهُ، وَلَا لَزِمَهُ طَلَاقٌ، وَلَا غَيْرُهُ كَسَائِرِ مَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ انْتَهَى. إذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ السَّكْرَانَ الَّذِي لَا تَمْيِيزَ عِنْدَهُ كَالْمَجْنُونِ اتِّفَاقًا.
وَهُوَ الَّذِي عَزَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ لِلْبَاجِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ، وَنَصَّهُ ابْنُ رُشْدٍ وَالْبَاجِيُّ إنْ لَمْ يَعْرِفْ الْأَرْضَ مِنْ السَّمَاءِ، وَلَا الرَّجُلَ مِنْ الْمَرْأَةِ فَكَالْمَجْنُونِ اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَانَ لَهُ بَقِيَّةٌ مِنْ عَقْلِهِ فَالْقَوْلَانِ أَيْ فِي لُزُومِ الْبَيْعِ لَا فِي انْعِقَادِهِ.
وَإِذَا عُلِمَ هَذَا فَيَشْكُلُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ التَّرَدُّدِ فِي انْعِقَادِ بَيْعِ السَّكْرَانِ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ هُنَاكَ طَرِيقَةٌ تُحْكَى عَنْ الْمَذْهَبِ أَوْ عَنْ الْمَشْهُورِ فِيهِ أَنَّ بَيْعَهُ مُنْعَقِدٌ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ طَرِيقَةَ الْبَاجِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ كَالْمَجْنُونِ فَلَا يَنْعَقِدُ بَيْعُهُ اتِّفَاقًا، وَطَرِيقَةَ ابْنِ شَعْبَانَ أَنَّ فِيهِ خِلَافًا وَالْمَشْهُورُ عَدَمُ الِانْعِقَادِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ حِكَايَةَ اخْتِلَافِ الطَّرِيقَيْنِ فِي عَدَمِ الِانْعِقَادِ هَلْ ذَلِكَ بِاتِّفَاقٍ أَوْ عَلَى الْمَشْهُورِ لَكِنَّهُ خِلَافُ عَادَتِهِ وَلَا كَبِيرَ فَائِدَةٍ فِيهِ؛ لِأَنَّ غَرَضَ كِتَابِهِ بَيَانُ الْمُعْتَمَدِ فِي الْمَذْهَبِ وَهُوَ أَيْضًا خِلَافُ مَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ فِي التَّوْضِيحِ.
وَلَا يُقَالُ يَصِحُّ التَّرَدُّدُ عَلَى طَرِيقَةِ مَنْ يَحْكِي الْخِلَافَ فِي بَيْعِ السَّكْرَانِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَيْنَ الْمُمَيِّزِ، وَغَيْرِهِ كَاللَّخْمِيِّ وَابْنِ بَشِيرٍ فَإِنَّهُمَا ذَكَرَا فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ.
وَنَقَلَهُمَا ابْنُ عَرَفَةَ هُنَا عَنْ اللَّخْمِيّ؛ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّمَا حَكَى اللَّخْمِيّ وَابْنُ بَشِيرٍ الْخِلَافَ فِي اللُّزُومِ لَا فِي الِانْعِقَادِ ثُمَّ إنَّهُمَا ذَكَرَا أَنَّ الْأَكْثَرَ عَلَى عَدَمِ اللُّزُومِ، وَلَمْ يَتَكَلَّمَا عَلَى عَدَمِ الِانْعِقَادِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمُعْتَمَدَ مِنْ الْمَذْهَبِ عَدَمُ انْعِقَادِ بَيْعِ السَّكْرَانِ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ فَلَوْ أَسْقَطَ الْمُصَنِّفُ قَوْلَهُ إلَّا بِسُكْرٍ فَتَرَدَّدَ لَكَانَ أَحْسَنَ، وَأَخْصَرَ وَإِذَا لَمْ يَنْعَقِدْ بَيْعُهُ، وَشِرَاؤُهُ لَمْ يَلْزَمْهُ، وَالشَّاذُّ انْعِقَادُ بَيْعِهِ وَلُزُومُهُ كَمَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَأَمَّا السَّكْرَانُ الْمُمَيِّزُ فَلَا خِلَافَ فِي انْعِقَادِ بَيْعِهِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتْ الطُّرُقُ فِي لُزُومِهِ فَحَكَى ابْنُ رُشْدٍ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ قَالَ وَقَوْلُ مَالِكٍ، وَعَامَّةِ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ، وَهُوَ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ، وَأَوْلَاهَا بِالصَّوَابِ، وَعَزَاهُ فِي الْمُعَلِّمِ لِجُمْهُورِ أَصْحَابِنَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَعَلَى طَرِيقِ ابْنِ شَعْبَانَ، وَالْقَاضِي عِيَاضٍ لَا خِلَافَ فِي
لُزُومِهِ.
(قُلْت) : وَفِي عَزْوِهِ ذَلِكَ لِلْقَاضِي عِيَاضٌ نَظَرٌ فَلْيُتَأَمَّلْ، وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ عَدَمُ اللُّزُومِ كَمَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الثَّانِي) : قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: السَّكْرَانُ بِغَيْرِ خَمْرٍ كَالْمَجْنُونِ انْتَهَى.
(قُلْت) : وَهَذَا إذَا شَرِبَ شَيْئًا مُبَاحًا أَوْ تَدَاوَى بِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ يُسْكِرُهُ، وَأَمَّا إذَا شَرِبَهُ، وَهُوَ عَالِمٌ بِإِسْكَارِهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْخَمْرِ وَغَيْرِهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الطَّلَاقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) : مَا تَقَدَّمَ مِنْ عَدَمِ انْعِقَادِ بَيْعِ الْمَجْنُونِ هُوَ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ ابْنُ شَاسٍ فِي الْجَوَاهِرِ وَابْنُ رَاشِدٍ فِي الْمَذْهَبِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: عَقْدُ الْمَجْنُونِ حَالَ جُنُونِهِ يَنْظُرُ لَهُ السُّلْطَانُ بِالْأَصْلَحِ فِي إتْمَامِهِ، وَفَسْخِهِ إنْ كَانَ مَعَ مَنْ يَلْزَمُهُ عَقْدُهُ لِقَوْلِهَا مَنْ جُنَّ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ نَظَرَ لَهُ السُّلْطَانُ، وَلِسَمَاعِ عِيسَى بْنِ الْقَاسِمِ إنْ بَاعَ مَرِيضٌ لَيْسَ فِي عَقْلِهِ فَلَهُ أَوْ لِوَارِثِهِ إلْزَامُهُ الْمُبْتَاعَ ابْنُ رُشْدٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْعًا فَاسِدًا كَبَيْعِ السَّكْرَانِ عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يُلْزِمُهُ بَيْعَهُ اهـ.
(قُلْت) : فِي اسْتِشْهَادِهِ بِمَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْجُنُونَ إنَّمَا طَرَأَ فِيهَا بَعْدَ الْعَقْدِ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْعُتْبِيَّةِ فَظَاهِرُهَا شَاهِدٌ لِمَا قَالَهُ، وَهِيَ فِي رَسْمِ الْقَطْعَانِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ، وَقَوْلُهُ كَبَيْعِ السَّكْرَانِ تَشْبِيهٌ بِأَصْلِ الْمَسْأَلَةِ فِي الِانْعِقَادِ، وَعَدَمِ اللُّزُومِ، وَلَيْسَ تَمْثِيلًا لِلْبَيْعِ الْفَاسِدِ كَمَا قَدْ يَتَبَادَرُ لِلْفَهْمِ، وَلَفْظُ ابْنِ رُشْدٍ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ هَذَا بَيِّنٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْعًا فَاسِدًا وَإِنَّمَا هُوَ بَيْعٌ لِلْبَائِعِ فِيهِ الْخِيَارُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي عَقْلِهِ كَبَيْعِ السَّكْرَانِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ لَا يُلْزِمُهُ بَيْعَهُ انْتَهَى.
وَفِي أَوَّلِ كِتَابِ الْبُيُوعِ مِنْ التَّنْبِيهَاتِ نَحْوِ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ، فَإِنَّهُ جَعَلَ بَيْعَ الْمَجْنُونِ مِنْ الْبُيُوعِ الْمَوْقُوفَةِ لِإِجَازَةِ مَنْ لَهُ النَّظَرُ وَنَصَّهُ فِي أَوَّلِ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ مِمَّا يُفْسِدُهُ لِعِلَّةٍ تَلْحَقُهُ مَا فِي عَاقِدَيْهِ عِلَّةٌ قَالَ كَالسَّفِيهِ وَالصَّغِيرِ، وَالْمَجْنُونِ.
وَالرِّقِّ وَالسَّكْرَانِ إلَّا أَنَّ الْعَقْدَ هُنَا مَوْقُوفٌ لِإِجَازَةِ مَنْ لَهُ النَّظَرُ وَلَيْسَ بِفَاسِدٍ شَرْعًا انْتَهَى. بِلَفْظِهِ وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ.
(قُلْت) : وَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ الْعُتْبِيَّةِ وَابْنِ رُشْدٍ وَصَاحِبِ التَّنْبِيهَاتِ وَابْنِ عَرَفَةَ عَلَى مَنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ التَّمْيِيزِ، وَحَصَلَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ الِاخْتِلَاطِ كَالْمَعْتُوهِ وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ تَشْبِيهُ ابْنِ رُشْدٍ لَهُ بِبَيْعِ السَّكْرَانِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِهِ أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي لُزُومِ بَيْعِ السَّكْرَانِ الَّذِي عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ التَّمْيِيزِ، وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ التَّمْيِيزِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ بَيْعَهُ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ؛ لِأَنَّهُ جَاهِلٌ بِمَا يَبِيعُهُ، وَمَا يَشْتَرِيه، وَذَلِكَ مُوجِبٌ لِعَدَمِ انْعِقَادِ الْبَيْعِ كَمَا سَيَأْتِي (فَرْعٌ) : قَالَ الدَّمَامِينِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْبُخَارِيِّ فِي أَوَّلِهِ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّ الْمَذْعُورَ لَا يَلْزَمُهُ مَا صَدَرَ مِنْهُ فِي حَالِ ذُعْرِهِ مِنْ بَيْعٍ، وَإِقْرَارٍ، وَغَيْرِهِ انْتَهَى.
(الرَّابِعُ) : تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْحَجِّ عَنْ ابْنِ فَرْحُونٍ أَنَّ الصَّبِيَّ الْمُمَيِّزَ هُوَ الَّذِي يَفْهَمُ الْخِطَابَ، وَيَرُدُّ الْجَوَابَ، وَلَا يَنْضَبِطُ ذَلِكَ بِسِنٍّ بَلْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَفْهَامِ، وَنَحْوِهِ لِابْنِ جَمَاعَةَ الشَّافِعِيِّ فِي مَنْسَكِهِ، وَعَنْ الْبِسَاطِيِّ أَنَّهُ الَّذِي عَقَلَ الصَّلَاةَ، وَالصِّيَامَ وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْأَوَّلَ أَحْسَنُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ يَفْهَمُ الْخِطَابَ، وَيَرُدُّ الْجَوَابَ أَنَّهُ إذَا كُلِّمَ بِشَيْءٍ مِنْ مَقَاصِدِ الْعُقَلَاءِ فَهِمَهُ، وَأَحْسَنَ الْجَوَابَ عَنْهُ لَا أَنَّهُ إذَا دُعِيَ أَجَابَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَلُزُومُهُ تَكْلِيفٌ)
ش: لَمَّا ذَكَرَ مَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ انْعِقَادِ الْبَيْعِ ذَكَرَ مَا يُشْتَرَطُ فِي لُزُومِ الْبَيْعِ
لِعَاقِدِهِ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ انْعِقَادِ الْبَيْعِ لُزُومُهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي لُزُومِ الْبَيْعِ أَنْ يَكُونَ عَاقِدُهُ مُكَلَّفًا، فَلَوْ بَاعَ الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ أَوْ اشْتَرَى انْعَقَدَ بَيْعُهُ، وَشِرَاؤُهُ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُهُ وَلِوَلِيِّهِ النَّظَرُ فِي إمْضَائِهِ، وَرَدِّهِ بِمَا يَرَاهُ أَنَّهُ الْأَصْلَحُ لِلصَّبِيِّ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ بَيْعَ السَّفِيهِ الْبَالِغِ، وَالْعَبْدِ الْبَالِغِ الَّذِي لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَالْمُفْلِسِ لَازِمٌ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ تَصَرُّفُهُمْ غَيْرُ لَازِمٍ، وَلِوَلِيِّ السَّفِيهِ وَالسَّيِّدِ، وَالْغُرَمَاءِ النَّظَرُ فِي ذَلِكَ وَتَبِعَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ ابْنَ الْحَاجِبِ.
وَقَدْ اعْتَرَضَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرُهُ بِمَا ذَكَرْنَا، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: إلَّا أَنْ يُقَالَ إذَا أَخَذَ التَّكْلِيفَ مَأْخَذَ الشَّرْطِ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ هُنَا انْتَهَى. قُلْتُ: وَجْهُ النَّظَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ عَادَةَ الْفُقَهَاءِ فِي مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ أَنْ يَذْكُرُوا جَمِيعَ شُرُوطِ الْمَسْأَلَةِ حَتَّى انْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ، وَوُجُوهِ الْأَسْبَابِ بِحَيْثُ إنَّهُ إذَا وُجِدَ جَمِيعُ الشُّرُوطِ الَّتِي يَذْكُرُونَهَا وُجِدَ الْمَشْرُوطُ فَيَكُونُ ذَلِكَ كَالضَّابِطِ لِلْمُتَعَلِّمِينَ فَالِاقْتِصَارُ عَلَى ذِكْرِ بَعْضِ الشُّرُوطِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ مُخِلٌّ بِالْمَقْصُودِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا.
وَفِي التَّوْضِيحِ أَنَّهُ لَيْسَ مُرَادُهُ بِالتَّكْلِيفِ هُنَا مَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَهُوَ التَّكْلِيفُ بِالْعِبَادَاتِ الَّتِي تَتَرَتَّبُ عَلَى الْبُلُوغِ، وَالْعَقْلِ بَلْ مُرَادُهُ بِهِ هُنَا مَا هُوَ أَخَصُّ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ التَّكْلِيفُ بِأَحْكَامِ الْبَيْعِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَى الرُّشْدِ، وَالطَّوْعِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ رَاشِدٍ الْقَفْصِيُّ، وَنَصُّهُ قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: عَبَّرَ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ بِالتَّكْلِيفِ عَنْ الرُّشْدِ وَالطَّوْعِ؛ لِأَنَّ السَّفِيهَ لَا يَلْزَمُهُ الْبَيْعُ بَلْ لِوَلِيِّهِ أَنْ يَفْسَخَ وَكَذَلِكَ مَنْ أُجْبِرَ عَلَى الْبَيْعِ لَا يَلْزَمُهُ الْبَيْعُ يَعْنِي إذَا أُجْبِرَ جَبْرًا حَرَامًا ثُمَّ قَالَ خَلِيلٌ: وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْمُكْرَهَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْأُصُولِ نَصُّوا عَلَى أَنَّ الْإِكْرَاهَ الْمُلْجِئَ يَمْنَعُ التَّكْلِيفَ، وَأَمَّا السَّفِيهُ فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِالْبَيْعِ فَإِنْ قِيلَ لَوْ كَانَ مُكَلَّفًا بِهِ لَزِمَهُ الْبَيْعُ قِيلَ يُحْتَمَلُ، وَلَوْ قُلْنَا أَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِالْبَيْعِ إذْ لَا نَقُولُ بِإِمْضَائِهِ لِلْحَجْرِ فَتَأَمَّلْهُ اهـ.
قُلْت: أَمَّا كَوْنُ الْمُكْرَهِ عَلَى الْبَيْعِ غَيْرَ مُكَلَّفٍ بِهِ شَرْعًا، فَصَحِيحٌ لِعَدَمِ، وُجُودِ الرِّضَا الْمُشْتَرَطِ فِي الْبَيْعِ، وَأَمَّا مَا ذِكْرُهُ عَنْ الْأُصُولِيِّينَ فِي مَسْأَلَةِ الْإِكْرَاهِ الْمُلْجِئِ، فَلَا دَلِيلَ فِيهِ؛ لِأَنَّ مَسْأَلَةَ الْأُصُولِيِّينَ الَّتِي اخْتَلَفُوا فِيهَا هِيَ امْتِنَاعُ تَكْلِيفِ الْمُكْرَهِ عَقْلًا، وَجَوَازُ ذَلِكَ عَقْلًا فَذَهَبَ الْمُعْتَزِلَةُ إلَى امْتِنَاعِهِ عَقْلًا، وَرَجَّحَهُ ابْنُ السُّبْكِيّ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ، وَذَهَبَ الْأَشَاعِرَةُ إلَى جَوَازِ ذَلِكَ عَقْلًا، وَإِلَيْهِ رَجَعَ ابْنُ السُّبْكِيّ آخِرًا، وَأَمَّا الشَّرْعُ، فَأَسْقَطَ التَّكْلِيفَ بِالْإِكْرَاهِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ مِنْهَا الْبَيْعُ وَتَوَابِعُهُ، وَلَمْ يُسْقِطْهُ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ، وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إسْقَاطِهِ لِلتَّكْلِيفِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ لِمَدَارِكَ مَذْكُورَةٍ فِي مَحَلِّهَا لَيْسَ هَذَا مَحَلُّ تَفْصِيلِهَا، وَأَمَّا السَّفِيهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِالْبَيْعِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ هُوَ الْإِلْزَامُ فَإِذَا لَمْ يَلْزَمْهُ الْبَيْعُ، فَهُوَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِهِ.
وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْقَرَافِيِّ فِي الْفَرْقِ السَّادِس وَالْعِشْرِينَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ خِطَابِ الْوَضْعِ، وَخِطَابِ التَّكْلِيفِ؛ لِأَنَّ خِطَابَ التَّكْلِيفِ يُشْتَرَطُ فِيهِ عِلْمُ الْمُكَلَّفِ وَقُدْرَتُهُ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَكَوْنُهُ مِنْ كَسْبِهِ، وَخِطَابُ الْوَضْعِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ قَاعِدَتَانِ إحْدَاهُمَا أَسْبَابُ الْعُقُوبَاتِ كَالْقِصَاصِ فِي الْعَقْلِ، وَالثَّانِيَةُ أَسْبَابُ انْتِقَالِ الْمِلْكِ كَالْبَيْعِ، وَالْهِبَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ فَقَدْ اشْتَرَطُوا فِيهِ عِلْمَ الْمُكَلَّفِ، وَقُدْرَتَهُ عَلَى الْفِعْلِ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ خِطَابَ الْوَضْعِ وَخِطَابَ التَّكْلِيفِ قَدْ يَجْتَمِعَانِ، وَقَدْ يَنْفَرِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَأَنَّ مِمَّا يَجْتَمِعَانِ فِيهِ الْبَيْعَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ يَجِبُ أَوْ يَحْرُمُ أَوْ يُنْدَبُ مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ سَبَبٌ لِانْتِقَالِ الْمِلْكِ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ انْتَهَى فَإِذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَالْبَيْعُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ أَوْ مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ يُشْتَرَطُ فِيهِ عِلْمُ الْمُكَلَّفِ، وَقُدْرَتُهُ، وَالسَّفِيهُ غَيْرُ عَالِمٍ بِمَصَالِحِهِ، وَالْمُكْرَهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى أَنْ يَمْتَنِعَ مِمَّا أُكْرِهَ
عَلَيْهِ، فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّهُمَا غَيْرُ مُكَلَّفَيْنِ وَصَحَّ مَا قَالَهُ ابْنُ رَاشِدٍ، وَمَا اسْتَظْهَرْنَاهُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ مُرَادُهُ هُنَا بِالتَّكْلِيفِ مَعْنَاهُ الْمَشْهُورَ، وَهُوَ التَّكْلِيفُ بِالْعِبَادَاتِ الَّذِي تُرَتَّبُ عَلَى الْبُلُوغِ، وَالْعَقْلِ بَلْ مُرَادُهُ بِهِ هُنَا مَا هُوَ أَخَصُّ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ التَّكْلِيفُ بِأَحْكَامِ الْبَيْعِ الَّذِي تُرَتَّبُ عَلَى الرُّشْدِ، وَالطَّوْعِ.
وَلِهَذَا فَرَّعَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ لَا إنْ أُجْبِرَ عَلَيْهِ جَبْرًا حَرَامًا إلَّا أَنَّهُ يَصِيرُ فِي الْعِبَارَةِ قَلَقٌ فَإِنَّ مَعْنَاهَا حِينَئِذٍ، وَشَرْطُ لُزُومِ الْبَيْعِ الْإِلْزَامُ بِهِ، وَذَلِكَ دَوْرٌ فَلَوْ قَالَ: وَشَرْطُ لُزُومِهِ رُشْدٌ، وَطَوْعٌ لَكَانَ أَحْسَنَ، وَقَوْلُ ابْنِ غَازِيٍّ لَوْ قَالَ رُشْدٌ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَعَمُّ يُوهِمُ أَنَّ اقْتِصَارَهُ عَلَى الرُّشْدِ كَافٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ أَعَمُّ صَوَابُهُ؛ لِأَنَّهُ أَخَصُّ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ وَالْبِسَاطِيِّ حَمْلُ التَّكْلِيفِ فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ عَلَى خِلَافِ مَا تَقَدَّمَ، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ بَلْ الظَّاهِرُ حَمْلُهُ عَلَى كَلَامِ ابْنِ رَاشِدٍ الْمُتَقَدِّمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) : خَرَجَ بِاشْتِرَاطِ الرُّشْدِ كُلُّ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ كَالصَّغِيرِ، وَالسَّفِيهِ، وَالْعَبْدِ الْبَالِغِ الَّذِي لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ.
وَكُلُّ مَنْ فِيهِ شَائِبَةُ رِقٍّ مِنْ مُدَبَّرٍ، وَأُمِّ، وَلَدٍ، وَمُعْتَقٍ لِأَجَلٍ وَمُبَعَّضٍ إلَّا الْمُكَاتَبِ فَإِنَّهُ أَحْرَزَ نَفْسَهُ، وَمَالَهُ.
(الثَّانِي) : إذَا بَاعَ السَّفِيهُ أَوْ اشْتَرَى أَوَالصَّغِيرُ فِي حَالِ حَجْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ، وَيُوقَفُ عَلَى نَظَرِ وَلِيِّهِ بِذَلِكَ مِنْ أَبٍ أَوْ وَصِيٍّ أَوْ مُقَدَّمٍ مِنْ جِهَةِ الْقَاضِي فَيُجِيزُهُ أَوْ يَرُدُّهُ بِحَسَبِ مَا يَرَى أَنَّهُ الْأَصْلَحُ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ، وَلِيُّهُ أَوْ عَلِمَ، وَلَمْ يَنْظُرْ فِي ذَلِكَ حَتَّى خَرَجَ السَّفِيهُ عَنْ الْحَجْرِ خُيِّرَ فِي إجَازَةِ ذَلِكَ، وَرَدِّهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ قَدَّمَ الْقَاضِي مَنْ يَنْظُرُ فِي حَالِهِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى مَلَكَ أَمْرَ نَفْسِهِ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي رَدِّ ذَلِكَ، وَإِجَازَتِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) : إذَا بَاعَ الْمَحْجُورُ أَوْ اشْتَرَى بِحَضْرَةِ وَلِيِّهِ وَسَكَتَ الْوَلِيُّ عَلَى ذَلِكَ فَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ: فِي تَرْجَمَةِ إنْكَاحِ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ الصَّغِيرَ وَالْمَحْجُورَ قَالَ أَبُو إبْرَاهِيمَ فِي مَسَائِلِهِ: كُلُّ مَا عَقَدَهُ الْيَتِيمُ عَلَى نَفْسِهِ بِعِلْمِ الْوَصِيِّ، وَشَهَادَتِهِ مِمَّا هُوَ نَظَرٌ لِلْيَتِيمِ فَذَلِكَ لَازِمٌ لِلْيَتِيمِ نِكَاحًا كَانَ أَوْ بَيْعًا أَوْ شِرَاءً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ مَصَالِحِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَصْلَحَةٍ، وَلَا غِبْطَةٍ لِلْيَتِيمِ، فَهُوَ لَازِمٌ لِلْوَصِيِّ بِتَضْيِيعِهِ، وَتَفْرِيطِهِ فِي مَنْعِهِ مِمَّا لَيْسَ بِمَصْلَحَةٍ، وَقَدْ نَزَلَ ذَلِكَ عِنْدَنَا فَأَشَرْنَا عَلَى الْقَاضِي بِذَلِكَ إلَّا رَجُلًا مِنَّا، فَإِنَّهُ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ لِلْيَتِيمِ، وَلَا لِلْوَصِيِّ، وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ سَقْطَةٌ مِنْ الْوَصِيِّ تُوجِبُ عَزْلَهُ عَنْ الْيَتِيمِ، وَلَا تُوجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانَ، وَهُوَ عِنْدَنَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّ أَمِينُ، وَكُلُّ أَمِينٍ إذَا ضَيَّعَ أَمَانَتَهُ أَوْ تَعَدَّى فِيهَا فَهُوَ ضَامِنٌ لَهَا، وَذَكَرَ الْأَبْهَرِيُّ أَنْ سُكُوتَ الْوَصِيِّ إذَا رَأَى مَحْجُورَهُ يَبِيعُ، وَيَشْتَرِي لَيْسَ بِرِضًا وَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الصَّغِيرُ بِمَحْضَرِ أَبِيهِ.
وَفِي كِتَابِ الِاسْتِغْنَاءِ نَحْوُ مَا ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ فِي الْوَصِيِّ انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ: أَيْضًا فِي تَرْجَمَةِ السَّفِيهِ وَالْمَحْجُورِ قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: فَإِنْ رَأَى الْوَصِيُّ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي، وَهُوَ سَاكِتٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ يَلْزَمُهُ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي الْأَصْلِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ فَمَنْ بَاعَ مِنْهُ، وَابْتَاعَ فَقَدْ أَتْلَفَ مَالَهُ وَلَيْسَ سُكُوتُ الْوَصِيِّ رِضًا بِذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ عَرَفَ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ الِامْتِنَاعُ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْبَحْثُ، وَكَذَلِكَ الصَّغِيرُ يَبِيعُ أَوْ يَشْتَرِي بِمَحْضَرِ أَبِيهِ انْتَهَى. وَذَكَرَ فِي الطُّرَرِ فِي الْجُزْءِ الثَّانِي فِي تَرْجَمَةِ فَسْخِ الْوَصِيِّ نِكَاحَ الْيَتِيمِ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَصِيِّ كَلَامَ أَبِي إبْرَاهِيمَ وَذَكَرَ فِي الْجُزْءِ التَّاسِعِ مِنْ الطُّرَرِ فِي تَرْجَمَةِ، وَثِيقَةِ تَسْجِيلِ الْقَاضِي بِالْوِلَايَةِ عَلَى رَجُلٍ كَلَامَ الْأَبْهَرِيِّ.
وَقَالَ: وَلَيْسَ سُكُوتُ الْوَصِيِّ رِضًا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنْ عَرَفَ، وَجَبَ عَلَيْهِ اجْتِنَابُهُ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ، وَجَبَ عَلَيْهِ تَعَرُّفُ حَالِهِ وَذَكَرَ كَلَامَ الِاسْتِغْنَاءِ، وَقَالَ ابْنُ رَاشِدٍ الْقَفْصِيُّ: فِي الْمَذْهَبِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْبَيْعِ، وَلَا يَكُونُ سُكُوتُ الْوَصِيِّ حِينَ رَآهُ يَبِيعُ رِضًا مِنْهُ بِذَلِكَ انْتَهَى. وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ: فِي أَوَائِلِ مَسَائِلِ النِّكَاحِ: إذَا كَانَ الْمَحْجُورُ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي، وَيَأْخُذُ، وَيُعْطِي بِرِضَا حَاجِرِهِ وَسُكُوتِهِ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي فَعَلَهُ، بِذَلِكَ أَفْتَى شَيْخُنَا الْإِمَامُ يَعْنِي
ابْنَ عَرَفَةَ وَبِذَلِكَ وَقَعَ الْحُكْمُ بِتُونُسَ، وَذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْمَحْجُورِ انْتَهَى فَتَحَصَّلَ فِيمَا بَاعَهُ بِحَضْرَةِ وَلِيِّهِ وَسُكُوتِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ كَفِعْلِ الْوَلِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إبْرَاهِيمَ، وَأَفْتَى بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ.
وَوَقَعَ الْحُكْمُ بِهِ بِتُونُسَ، وَبِهِ أَفْتَيْت (وَالثَّانِي) : أَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ لَهُ عَلَى الْأَوَّلِ فَإِنْ كَانَ صَوَابًا وَمَصْلَحَةً لَزِمَ الْمَحْجُورَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَصْلَحَةٍ نَقَصَ مَا دَامَ الْمَبِيعُ قَائِمًا بِيَدِ الْمُشْتَرِي فَإِنْ فَاتَ مِنْ يَدِهِ بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يُنْقَضْ وَرَجَعَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِكَمَالِ الْقِيمَةِ عَلَى مَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ رُشْدٍ وَسَيَأْتِي كَلَامُهُ فِي الْقِيَامِ بِالصَّغِيرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ. وَإِنْ تَعَذَّرَ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِكُلِّ، وَجْهٍ، وَكَانَ الْوَصِيُّ عَالِمًا بِأَنَّهُ غَيْرُ مَصْلَحَةٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَضْمَنُ كَمَا قَالَهُ أَبُو إبْرَاهِيمَ (الرَّابِعُ) : قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَجُوزُ لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ عِتْقٌ، وَلَا هِبَةٌ، وَلَا صَدَقَةٌ، وَلَا بَيْعٌ، وَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ بَعْدَ بُلُوغِهِ، وَرُشْدِهِ إلَّا أَنْ يُجِيزَهُ، وَأَسْتَحِبُّ لَهُ إمْضَاءَهُ، وَلَا أُجْبِرُهُ عَلَيْهِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ رَاجِعٌ لِلْجَمِيعِ، وَعَلَى ذَلِكَ اخْتَصَرَهُ الْمُخْتَصِرُونَ، وَظَاهِرُ الْأُمَّهَاتِ أَنَّهُ رَاجِعٌ لِلْعِتْقِ وَالصَّدَقَةِ، وَالْهِبَةِ لِغَيْرِ ثَوَابٍ وَعَلَى الْجَمِيعِ اخْتَصَرَهُ الْمُخْتَصِرُونَ وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ إمْضَاءُ جَمِيعِ مَا فَعَلَهُ.
وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالصَّحِيحُ سَوَاءٌ وَأَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُمْضِيَ إلَّا مَا كَانَ لِلَّهِ فِيهِ قُرْبَةٌ، وَأَمَّا مَا كَانَ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الْعِبَادِ فَأَيُّ اسْتِحْبَابٍ فِي هَذَا، فَكَذَا جَاءَ مَنْصُوصًا فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ عَلَى مَا تَأَوَّلْنَاهُ انْتَهَى. وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ: وَقَدْ يَكُونُ فِيهِ قُرْبَةٌ بِإِسْعَافِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ بِإِمْضَاءِ عِتْقِهِ لِغِبْطَةٍ بِهَا كَمَا تَكُونُ فِي الْإِقَالَةِ، وَالتَّوْلِيَةِ، وَالشَّرِكَةِ انْتَهَى (الْخَامِس) : إذَا بَاعَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ أَوْ اشْتَرَى فَلِلسَّيِّدِ رَدُّهُ، وَإِجَازَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ ذَلِكَ حَتَّى أَعْتَقَهُ مَضَى نَصَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو الْفَضْلِ الدِّمَشْقِيِّ تِلْمِيذُ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ فِي كِتَابِ الْفُرُوقِ لَهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَقَدْ نَصَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى أَنَّهُ إذَا تَصَدَّقَ أَوْ وَهَبَ أَوْ أَعْتَقَ، وَلَمْ يَرُدَّ ذَلِكَ السَّيِّدُ حَتَّى أَعْتَقَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُمْ سَوَاءٌ عَلِمَ السَّيِّدُ بِذَلِكَ قَبْلَ عِتْقِهِمْ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ وَسَيُنَبِّهُ الْمُصَنِّفُ عَلَى هَذَا فِي بَابِ الْحَجْرِ.
وَإِذَا كَانَ هَذَا الْحُكْمُ الْمَعْرُوفُ فَالْبَيْعُ أَوْلَى وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَحْجُورِ، وَالْعَبْدِ أَنَّ الْعَبْدَ إنَّمَا حُجِرَ عَلَيْهِ لِحَقِّ السَّيِّدِ، وَقَدْ زَالَ بِالْعِتْقِ بِخِلَافِ الْمَحْجُورِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (السَّادِسُ) : يُسْتَثْنَى مِمَّا تَقَدَّمَ شِرَاءُ السَّفِيهِ لِلْأُمُورِ التَّافِهَةِ الَّتِي لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا قَالَ فِي كِتَابِ الْمِدْيَانِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَلْزَمُ الْمَوْلَى عَلَيْهِ شِرَاؤُهُ إلَّا فِيمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ مِنْ عَيْشِهِ مِثْلُ الدِّرْهَمِ يَبْتَاعُ بِهِ لَحْمًا، وَمِثْلُ خُبْزٍ، وَبَقْلٍ، وَنَحْوِهِ يَشْتَرِي ذَلِكَ لِنَفْسِهِ مِمَّا يُدْفَعُ إلَيْهِ مِنْ نَفَقَتِهِ انْتَهَى. وَسَيُصَرِّحُ الْمُصَنِّفُ بِذَلِكَ فِي بَابِ الْحَجْرِ، وَفِيهِ بَقِيَّةُ الْفُرُوعِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِبَيْعِ الْمَحْجُورِ (السَّابِعُ) : يُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِنَا يُشْتَرَطُ فِي لُزُومِ الْبَيْعِ كَوْنُ عَاقِدِهِ رَشِيدًا أَمَّا إذَا كَانَ السَّفِيهُ، وَكِيلًا عَنْ رَشِيدٍ، فَإِنَّهُ لَازِمٌ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ.
(الثَّامِنُ) : الْمُرَادُ بِالْإِذْنِ فِي قَوْلِنَا إذَا بَاعَ الْمَحْجُورُ أَوْ اشْتَرَى بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي خُصُوصِيَّةِ الْعَقْدِ الْمَفْرُوضِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ عَلَى الْعُمُومِ كَمَا يَأْذَنُ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُقْصَدُ قَالَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْمِدْيَانِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا عَقَلَ الصَّبِيُّ التِّجَارَةَ فَأَذِنَ أَبُوهُ أَوْ وَصِيُّهُ أَنْ يَتَّجِرَ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ الْإِذْنُ؛ لِأَنَّهُ مُوَلَّى عَلَيْهِ.
وَلَوْ دَفَعَ الْوَصِيُّ إلَى الْمَوْلَى عَلَيْهِ بَعْدَ الْحُكْمِ بَعْضَ الْمَالِ يَخْتَبِرُهُ بِهِ فَلَحِقَهُ فِيهِ دَيْنٌ، فَلَا يَلْزَمُهُ الدَّيْنُ فِيمَا دَفَعَ إلَيْهِ، وَلَا فِيمَا أَبْقَى؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْوِلَايَةِ بِذَلِكَ، وَهُوَ خِلَافُ الْعَبْدِ يَأْذَنُ لَهُ سَيِّدُهُ فِي التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَمْ يَمْنَعْهُ لِسَفَهٍ مِنْهُ، وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْ الْبَيْعِ، وَالنِّكَاحِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ بِيَدِ غَيْرِهِ فَإِذَا أُذِنَ لَهُ جَازَ، وَالسَّفِيهُ، وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِلْكُهُ بِيَدِ أَحَدٍ، فَلَيْسَ الْإِذْنُ لَهُ مُزِيلًا لِلسَّفَهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ فِي الْيَتِيمِ الْمُخْتَبَرِ بِالْمَالِ: يَلْحَقُهُ مَا أُذِنَ فِيهِ خَاصَّةً انْتَهَى (التَّاسِعُ) : يُسْتَثْنَى مِنْ تَصَرُّفِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ مَا إذَا تَصَدَّقَ عَلَيْهِ شَخْصٌ بِصَدَقَةٍ أَوْ وَهَبَ لَهُ هِبَةً، وَشَرَطَ أَنْ تَكُونَ يَدُهُ مُطْلَقَةً عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ تَصَرُّفَهُ فِيهَا مَاضٍ قَالَ ابْنُ الْفَرَسِ: فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ:
{وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} [النساء: 5] وَيُخْتَلَفُ فِي الرَّجُلِ يَتَصَدَّقُ عَلَى الْمَحْجُورِ بِمَالٍ، وَيَشْتَرِطُ فِي صَدَقَتِهِ أَنْ يُتْرَكَ فِي يَدِهِ، وَلَا يُضْرَبَ عَلَى يَدَيْهِ فِيهَا كَمَا يُفْعَلُ بِسَائِرِ مَالِهِ هَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ فَالْمَشْهُورُ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ، وَاعْتَرَضَ بَعْضُهُمْ هَذَا الْقَوْلَ، وَفَرْضَهُ.
وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} [النساء: 5] انْتَهَى وَقَالَ الْمَشَذَّالِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ: لَوْ وَهَبَ هِبَةً لِيَتِيمٍ أَوْ سَفِيهٍ، وَشَرَطَ أَنْ تَكُونَ يَدُهُ مُطْلَقَةً عَلَيْهَا، وَأَنَّهُ لَا نَظَرَ لِوَصِيِّهِ فِيهَا نَفَذَ ذَلِكَ الشَّرْطُ انْتَهَى.
(الْعَاشِرُ) : إذَا بَاعَ لِسَفِيهٍ أَوْ اشْتَرَى فَأَرَادَ وَلِيُّهُ فَسْخَ تَصَرُّفِهِ فَأَرَادَ الْمُشْتَرِي مِنْهُ أَوْ الْبَائِعُ أَنْ يَحْلِفَ الْوَلِيُّ أَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ السَّيِّدُ فِي عَبْدِهِ ذَكَرَهُ الرُّعَيْنِيُّ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى وَالْإِنْكَارِ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي فَصْلِ الدَّعَاوَى الَّتِي لَا تُوجِبُ يَمِينًا مِنْ كِتَابِ التَّبْصِرَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (لَا إنْ أُجْبِرَ عَلَيْهِ جَبْرًا حَرَامًا) ش يَعْنِي إذَا كَانَ شَرْطُ لُزُومِ الْبَيْعِ التَّكْلِيفُ مِمَّنْ أُجْبِرَ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى الْبَيْعِ جَبْرًا حَرَامًا إمَّا بِأَنْ يُكْرِهَ عَلَى الْبَيْعِ نَفْسَهُ أَوْ يُكْرَهَ عَلَى دَفْعِ مَالٍ ظُلْمًا فَيَبِيعَ مَتَاعَهُ لِذَلِكَ، وَكَالذِّمِّيِّ يُضْغَطُ فِيمَا يُتَعَدَّى عَلَيْهِ بِهِ مِنْ جِزْيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَلَا يَلْزَمُهُ لِانْتِفَاءِ شَرْطِ لُزُومِهِ الَّذِي هُوَ التَّكْلِيفُ؛ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَدَلِيلُهُ قَوْله تَعَالَى {إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29] ، وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسِهِ» .
وَلَمَّا كَانَ الْجَبْرُ عَلَى قِسْمَيْنِ حَرَامٌ غَيْرُ لَازِمٍ، وَشَرْعِيٌّ لَازِمٌ احْتَرَزَ عَنْ الثَّانِي بِقَوْلِهِ جَبْرًا حَرَامًا، وَالْجَبْرُ الشَّرْعِيُّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَغَيْرِهِ كَجَبْرِ الْقَاضِي الْمِدْيَانَ عَلَى الْبَيْعِ لِلْغُرَمَاءِ، وَكَجَبْرِ الْعُمَّالِ عَلَى بَيْعِ أَمْوَالِهِمْ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ، وَيَلْزَمُهُ سَوَاءٌ كَانَ السُّلْطَانُ يَرُدُّ الْمَالَ عَلَى مَنْ أَخَذَهُ مِنْهُ أَوْ يَأْخُذُهُ لِنَفْسِهِ كَالْمَضْغُوطِ فِي دَيْنٍ لَزِمَهُ؛ لِأَنَّ إغْرَامَ الْوَالِي الْعُمَّالَ مَا أَخَذَهُ مِنْ النَّاسِ حَتَّى فَعَلَهُ الْوَالِي، وَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُ إلَى أَهْلِهِ فَإِذَا حَبَسَهُ، فَهُوَ ظَالِمٌ فِي حَبْسِهِ نَقَلَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ، وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغَ انْتَهَى. وَيُعَبِّرُ أَهْلُ الْمَذْهَبِ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِمَسْأَلَةِ بَيْعِ الْمَضْغُوطِ، وَهُوَ الْمُكْرَهُ، وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ: الضُّغْطَةُ بِالضَّمِّ الضِّيقُ وَالشِّدَّةُ وَالْإِكْرَاهُ انْتَهَى.
وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ: سُئِلَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ عَنْ الْمَضْغُوطِ مَا هُوَ فَقَالَ: هُوَ مَنْ أَضْغَطَ فِي بَيْعِ رَبْعِهِ أَوْ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ أَوْ فِي مَالٍ يُؤْخَذُ مِنْهُ فَبَاعَ لِذَلِكَ انْتَهَى، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رَاشِدٍ أَنَّ التَّسْمِيَةَ بِمَسْأَلَةِ الْمَضْغُوطِ خَاصٌّ بِمَا إذَا أُكْرِهَ عَلَى دَفْعِ الْمَالِ، فَبَاعَ لِذَلِكَ وَنَصُّهُ، وَلَا يَلْزَمُ بَيْعُ الْمَجْبُورِ عَلَى الْبَيْعِ جَبْرًا حَرَامًا.
وَيُخَيَّرُ فِيهِ الْمُكْرَهُ بَعْدَ إذْنِهِ فَإِنْ أَجَازَهُ جَازَ، وَإِلَّا بَطَلَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْبَيْعِ بَلْ عَلَى دَفْعِ الْمَالِ ظُلْمًا فَبَاعَ لِيُؤَدِّيَهُ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْمَضْغُوطِ فَنَصَّ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ عَلَى أَنَّهُ يَأْخُذُ مَتَاعَهُ بِلَا ثَمَنٍ، وَأَفْتَى اللَّخْمِيّ أَنَّ بَيْعَهُ مَاضٍ، وَهُوَ قَوْلُ السُّيُورِيِّ، وَرَأَى أَنَّ مَنْ اشْتَرَى مِنْهُ لِيَخْلُصَ مِنْ الْعَذَابِ مَأْجُورٌ وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْبَيْعِ لَا يَلْزَمُهُ الْبَيْعُ بِإِجْمَاعٍ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَبَيْعُ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ ظُلْمًا لَا يَلْزَمُهُ الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ سَحْنُونٍ وَالْأَبْهَرِيِّ إجْمَاعًا ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْهُ، وَلِلْبَائِعِ أَنْ يُلْزِمَهُ الْمُشْتَرَى طَوْعًا، وَلَهُ أَخْذُ مَبِيعِهِ،.
وَلَوْ تَعَدَّدَتْ أَشْرِيَتُهُ كَمُسْتَحَقٍّ كَذَلِكَ، وَلَا يُفِيتُهُ عِتْقٌ وَلَا إيلَادٌ، وَيُحَدُّ الْمُشْتَرِي بِوَطْئِهَا انْتَهَى. وَأَمَّا مَنْ أُكْرِهَ عَلَى دَفْعِ مَالٍ فَبَاعَ لِذَلِكَ فَفِيهِ خِلَافٌ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِك أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَحَكَاهُ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغَ.
وَقَالَ بِهِ سَحْنُونٌ، وَأَفْتَى بِهِ ابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُهُ لَكِنَّ سَحْنُونًا وَابْنَ رُشْدٍ خَالَفَا فِي أَخْذِهِ صَاحِبَهُ بِلَا ثَمَنٍ كَمَا سَيَأْتِي، وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: بَيْعُهُ لَازِمٌ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَفْسُوخٍ نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ سُنَّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ السُّلْطَانِ، وَنَقَلَهُ أَيْضًا الْبُرْزُلِيُّ، وَقَالَ بِهِ السُّيُورِيُّ وَاللَّخْمِيُّ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: وَمَالَ إلَيْهِ شَيْخُنَا الْإِمَامُ يَعْنِي ابْنَ عَرَفَةَ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: عَنْ ابْنِ رُشْدٍ بَعْدَ أَنْ حَكَاهُ عَنْ اللَّخْمِيِّ وَالسُّيُورِيِّ، وَالْمَذْهَبُ خِلَافُ ذَلِكَ وَنَصُّ كَلَامِ السُّيُورِيِّ وَاللَّخْمِيِّ عَلَى مَا نَقَلَ الْبُرْزُلِيُّ
، وَسُئِلَ السُّيُورِيُّ عَمَّنْ عَدَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ، فَأَخَذَ رِبَاعَهُمْ ثُمَّ فَكُّوهَا بِمَالٍ مَعْلُومٍ، وَرَجَعَتْ عَلَيْهِمْ فَبَاعَ أَحَدُهُمْ دَارًا مِنْهَا وَدَفَعَ ثَمَنَهَا لِلسُّلْطَانِ ثُمَّ قَامَ يُرِيدُ نَقْضَ الْبَيْعِ، وَطَلَبَ الْغَلَّةَ فَأَجَابَ بَيْعُهُ لَازِمٌ، وَلَا غَلَّةَ لَهُ وَسُئِلَ أَيْضًا عَمَّنْ يَتَعَدَّى عَلَيْهِ الْأَعْرَابُ فَيَسْجُنُونَهُ فَيَبِيعُ هُوَ أَوْ وَكِيلُهُ أَوْ مَنْ يَحْتَسِبُ لَهُ رَبْعًا لِفِدَائِهِ هَلْ يَجُوزُ شِرَاؤُهُ أَمْ لَا؟ وَكَذَا مَا أَخَذَهُ الْمُضْطَرُّ مِنْ الدَّيْنِ هَلْ يَلْزَمُ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ بَيْعُ الْمُضْطَرِّ لِفِدَائِهِ جَائِزٌ مَاضٍ بَاعَ هُوَ أَوْ وَكِيلُهُ بِأَمْرِهِ.
وَكَذَا أَخْذُهُ مُعَامَلَةً أَوْ سَلَفًا، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مَعَهُ أُجِرَ عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ فِي الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةِ ثُمَّ قَالَ: وَسُئِلَ اللَّخْمِيّ عَنْ يَتِيمٍ أَخَذَهُ السُّلْطَانُ وَسَجَنَهُ، وَاضْطَرَّهُ إلَى بَيْعِ رَبْعِهِ فَبَاعَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَأْتِيَهُ مِنْ السُّلْطَانِ نَفْيٌ أَوْ غَيْرُهُ، وَتَوَقَّفَ النَّاظِرُ فِي الْبَيْعِ حِينَ لَمْ يَأْذَنْ الْقَاضِي فِيهِ فَأَجَابَ إذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وُصِفَ مَضَى بَيْعُهُ انْتَهَى. وَذَكَرَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ بِلَفْظِ، وَسُئِلَ عَنْ شَابٍّ مُرَاهِقٍ أَوْ بَالِغٍ جَنَى جِنَايَةً فَسُجِنَ وَهُوَ يَتِيمٌ كَفَلَهُ بَعْضُ أَقَارِبِهِ إلَى آخِره.
(تَنْبِيهٌ) : ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ خَاصٌّ بِمَسْأَلَةِ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْبَيْعِ لِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي عَلَيْهِ عَائِدٌ إلَى الْبَيْعِ.
وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمَذْهَبَ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْبَيْعِ أَوْ عَلَى دَفْعِ مَالٍ، فَيَبِيعُ لِذَلِكَ
ص (وَرَدَّ عَلَيْهِ بِلَا ثَمَنٍ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ إذَا قُلْنَا أَنَّ الْمُكْرَهَ لَا يَلْزَمُهُ بَيْعُهُ فَإِنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُلْزِمَ الْمُشْتَرِي الْبَيْعَ، وَبَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ مَبِيعَهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَا يَلْزَمُهُ دَفْعُ الثَّمَنِ بَلْ يَأْخُذُ حَقَّهُ بِلَا ثَمَنٍ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ إنَّمَا هُوَ إذَا أُكْرِهَ عَلَى دَفْعِ مَالٍ ظُلْمًا، فَبَاعَ مَتَاعَهُ لِذَلِكَ فَيُرَدُّ إلَيْهِ مَتَاعُهُ بِلَا ثَمَنٍ حَتَّى يَتَحَقَّقَ أَنَّ الْمَضْغُوطَ صَرَفَ الثَّمَنَ فِي مَصَالِحِهِ، وَأَمَّا إذَا أُكْرِهَ عَلَى الْبَيْعِ فَقَطْ، فَلَهُ إجَازَةُ الْبَيْعِ، وَرَدُّهُ فَإِنْ رَدَّ الْبَيْعَ رَدَّ الثَّمَنَ الَّذِي أَخَذَهُ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ عَلَى تَلَفِهِ قَالَهُ فِي كِتَابِ الْإِكْرَاهِ مِنْ النَّوَادِرِ، وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ نَحْوُهُ
وَقَالَ: فِي الْبَيَانِ، وَسَوَاءٌ عَلِمَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ مَضْغُوطٌ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ قَالَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَبْسُوطِ عَنْ مَالِكٍ، وَسَوَاءٌ وَصَلَ الثَّمَنُ مِنْ الْمُبْتَاعِ إلَى الْمَضْغُوطِ فَدَفَعَهُ الْمَضْغُوطُ إلَى الظَّالِمِ أَوْ جَهِلَ هَلْ دَفَعَهُ إلَيْهِ أَوْ أَدْخَلَهُ فِي مَنَافِعِهِ؟ أَوْ كَانَ الظَّالِمُ هُوَ الَّذِي تَوَلَّى قَبْضَهُ مِنْ الْمُبْتَاعِ لِلْمَضْغُوطِ؟ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ يَأْخُذَ مَالَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي أَوْ مِمَّنْ اشْتَرَاهُ مِنْ الْمُشْتَرِي بِغَيْرِ ثَمَنٍ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي الثَّانِي عَلَى الْمُشْتَرِي مِنْ الْمَضْغُوطِ، وَالْمُشْتَرِي مِنْ الْمَضْغُوطِ عَلَى الظَّالِمِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْبَائِعَ أَدْخَلَ الثَّمَنَ فِي مَنَافِعِهِ وَلَمْ يَدْفَعْهُ إلَى الظَّالِمِ، فَلَا يَكُونُ لَهُ إلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ حَتَّى يَدْفَعَ الثَّمَنَ إلَى الْمُشْتَرِي قَالَ ذَلِكَ كُلَّهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ وَحَكَاهُ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغَ، وَذَهَبَ سَحْنُونٌ إلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمَضْغُوطُ هُوَ الْبَائِعُ الْقَابِضُ لِلثَّمَنِ، فَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى مَا بَاعَ إلَّا بَعْدَ غُرْمِ الثَّمَنِ وَحَكَاهُ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: بَيْعُهُ لَازِمٌ لَهُ غَيْرُ مَفْسُوخٍ عَنْهُ، وَهُوَ أَجِيرٌ يُؤْجَرُ بِهِ عَلَيْهِ، وَلُزُومُهُ إيَّاهُ؛ لِأَنَّهُ أَنْقَذَهُ مِمَّا كَانَ فِيهِ مِنْ الْعَذَابِ انْتَهَى مِنْ رَسْمِ سُنَّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ السُّلْطَانِ وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَنَصُّهُ وَلَوْ بَاعَ مَتَاعَهُ فِي مَظْلِمَةٍ ثُمَّ لَا يَدْرِي هَلْ أَوْصَلَ الثَّمَنَ إلَى الظَّالِمِ أَمْ لَا نُظِرَ فَإِنْ كَانَ ظُلْمُهُ لَهُ، وَعَدَاؤُهُ عَلَيْهِ مَعْلُومًا حَتَّى بَاعَ مَتَاعَهُ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ وَصَلَ لِلظَّالِمِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ أَنَّ