الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لا قيمة للعلم ما لم تلازمه الفضائل الخلقية
(1)
سال مندوب "المصري" فضيلة الأستاذ الأكبر عن رأيه في التعليم، وموقف الإسلام منه، فقال فضيلته:
كانت إساءة الاستعمار باحتلاله العسكري في السبعين سنة الماضية، ثم باحتلاله السياسي والاقتصادي، أهونَ شراً، وأدنى إلى دفع غوائله -على فداحتها- من إساءته إلى مصر على يد (دنلوب) فيما رسم من خطط لتوجيه الثقافة المصرية العامة توجيهاً آلياً، يعنى بالقشور والشكليات، وينأى بالمدارس ومعاهد العلم عن أن تكون لها رسالة سامية من رسالات الله في تهذيب النفوس، وإعداد الجيل الصالح، وتكوين الرجال الذين يعيشون لأمتهم، وينهضون بها إلى المستوى الكريم الذي يستحق أهله السعادة في أنفسهم وفي مجتمعهم، والاحترام من الأمم الأخرى.
(1) مجلة "الأزهر" الجزء الثاني -المجلد الرابع والعشرون، صفر- 1372 هـ = أكتوبر، تشرين الأول 1952 م.
جريدة "المصري" العدد 5349 تاريخ 20 - 10 - 1952 م، وجاء المقال تحت العناوين التالية:"شيخ الأزهر يصرح للمصري -لا قيمة للعلم ما لم تلازمه الفضائل الخلقية- إن سياسة الاستعمار أساءت إلى التعليم في مصر أبلغ إساءة - إذا أهملت أمة تربية أبنائها على الدين، فرّخ الإلحاد في أدمغتهم".
والمتاعب التي يواجهها الآن رجال الإصلاح في تطهير الأداة الحكومية وإصلاحها، وتقويم الاعوجاج الاقتصادي والاجتماعي، وتوجيه الأمة والوطن إلى الخير، لا شك أنها بعض نتائج هذه الناحية الضعيفة في نظام التعليم، كما رسم دنلوب خططه، ووضع أسسه؛ ليبتعد برجال المستقبل عن مواطن الخوف من الله وحده، وعن معايير الفضائل والأخلاق، وأن تكون للمصري المتعلم رسالة سامية في الحياة يحقق بها لوطنه السعادة والقوة والحيوية والنشاط الدائب الدائم، فطفقت هذه المصانع التعليمية تخرج الجيل بعد الجيل من المؤمنين بالمصلحة الذاتية وحدها دون المصلحة العامة، وبالرفاهية الشخصية من الحلال والحرام، وإن وصل الوطن إلى الحالة التي تتحدث عنها الصحف اليوم، وكان يبكي منها العقلاء دماء من قبل.
هذا التعليم في المدارس المصرية من زمن (كرومر)، إلى يوم الناس هذا، تعليم جاف، لا يعنى بتكوين الإنسانية في الإنسان، ولا الإسلامية في المسلم، ولا الوطنية في ابن الوطن، ولا الرحمة والرفق والتعاون على البر والتقوى في قلب الرجل المثقف، ولا يصل حاضر الأمة بماضيها التي تحمل لنفسها وللإنسانية أكرم أمانات الله وأنبلها.
ولعل أصدق شهادة على هذه الحقيقة جنوح عدد كثير من كبار رجال وزارة المعارف نفسها -فضلاً عن غيرهم- إلى تخريج أبنائهم في مدارس أجنبية، يعلمون أنها أسست لأبناء جاليات لا حاجة بهم إلى كثير مما يحتاج إليه التلاميذ المصريون في قوميتهم ودينهم، لكنهم اضطروا إلى الرضا لأبنائهم بهذه المدارس الغريبة عنهم، العارية عن أمسِّ حاجاتهم القومية والملية، فراراً من ناحية الضعف التي أزمنت عللها في مدارسنا، واستشرى داؤها مدة نصف قرن وأكثر.
والآن، وقد منَّ الله بهذا الانقلاب الذي هيأ برحمته أسبابه، فقد آن لمدارسنا أن تبنى على أساس أن اكتساب العلم والمعرفة غاية مطلوبة لذاتها، لا وسيلة يتذرع بها للحصول على الشهادة، ثم الحصول بالشهادة على الوظائف، نعم، إن الوظائف تحتاج إلى موظفين مثقفين من حملة الشهادات بشرط أن تكون في قلويهم مخافة الله في حقوق الأمة ومصالح أبنائها.
وقد آن لها أن تبنى على أساس أن العلم إذ الم تلازمه الفضائل الخلقية، والخوف من الله، والحرص على مرضاته، فإنه يكون حينئذ كالسلاح في أيدي من لا يجيز القانون أن يكون في أيديهم.
بل من هنا تولدت الحاجة العظمى اليوم إلى التطهير والإصلاح، وإذا لم يتغير اتجاه القطار في التعليم، فستبقى هذه الحاجة إلى التطهير والإصلاح ما دمنا على ما نحن عليه.
وقد يظن البعيدون عن معرفة أثر الدين في نفوس الجيل أن العرض السطحي للأ خلاق في كتب المطالعة وأمثالها يغني الناشئة عن تثبيت عقيدتها بالله، وتوثيق معرفتها برسالات الله في مرحلتي التعليم الابتدائية والثانوية، وعن تحقيق ذلك بتطبيقه عملياً حتى يتمرن التلاميذ عليه، وتكون فضائله سجية، لاعادة.
وكل تقصير في ذلك يجعل الانحراف الناشئ عن زيغ العقيدة أصعب صلاحاً من الانحراف الناشئ عن طغيان الشهوة؛ لأن زائغ العقيدة يستهين ببعض محاسن الآداب؛ بزعم أنها ليست من الحسن في شيء، أما المغلوب للشهوة وحدها، فإنه ينصرف عن الحسنة معترفاً بأنه أقبل على سيئة؛ لذلك كانت معالجة المغلوب للشهوة أهون من معالجة من زاغت عقيدته؛ لتهاون
المدرسة في حياطة هذه العقيدة، والقيام على أمانات الله فيها.
وإذا كان سوء الأخلاق -الذي هو علة اختلال النظام- ينشأ من زيغ العقيدة تارة، ومن طغيان الشهوات تارة أخرى، فإن الإسلام دين ينير العقول بالحجة، ويهذب النفوس بالحكمة، وكم أخرجت مدارسه، ومجالس القوَّامين على هدايته من رجال يلاقون الأسود فيصرعونها، ويخفضون أجنحتهم تواضعاً للمستضعفين! وإن سماحة الدين، وما له من الأثر الخطير في إعداد أمة روحها البطولة، وزينتها التقوى، وغايتها السيادة، من أشد ما يبعث أولي الأمر منا على أن يضعوا علوم الدين بالمكانة العليا، والتربية على آدابه وفضائله؛ بالإشراف، والمراقبة، والتدريب، والقدوة، في مقدمة ما يطلب من مدرسة العهد أن تحققه من أجل هذا الوطن.
إن هذه الأمة مسلمة، والأمة المسلمة لا ترضى إلا أن يكون أبناؤها مطمئنين بحجج الدين الحنيف، سائرين في ضوء حكمته الغراء، مسترشدين بسيرة عظماء السلف، وينشدون فيها مثلهم العليا. وإذا وجد في الناس من لا يؤلمه أن يكون ولده في ظلام من الغي، فأمثال هؤلاء -على قلتهم- استهواهم زخرف الحياة غروراً، وما كان للحكومة الرشيدة إلا أن تقيم سياستها على رعاية ما فيه خير النشء، ويكون قسط تلك الطائفة في هذه السياسة تقويم عوجهم. وإذا أهملت بلاد تربية أبنائها على الدين، باض الإلحاد وأفرخ في أدمغتهم يوم تكون في أيديهم أزمتها، ويا شقاء أمة يتولاها من لا يخاف الله، ولا يتوخى مرضاته.