الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المقدمات
الإعجاز
إنّ اللهَ خلَقَ الإنسانَ في أحسنِ تقويمٍ، وكرّمه أعظمَ تكريم، وسخّر له الكونَ تسخيرَ تعريفٍ وتفضيلٍ، ووهبَه نعمةَ العقلِ، وفطَرَه فطرةً تنزعُ إلى الكمالِ، وأودعَ فيه الشهوات ليرقى بها صابراً أو شاكراً إلى ربّ الأرضِ والسماواتِ، ومنحَه حريّةَ الإرادةِ ليجعلَ عملَه ثميناً، وأنزلَ كُتباً أحلّ له فيها الطيباتِ، وحرّم عليه الخبائثَ، كلُّ ذلك ليعرفَ ربّه فيعبدَه، ويسعدَ بعبادتِه في الدنيا والآخرةِ.
إنّ الحقَّ لابَسَ خلْقَ السماواتِ والأرضِ، وهو الشيءُ الثابتُ، والهادفُ، بخلافِ الباطلِ، فإنه الشيءُ الزائلُ والعابثُ، إنّ الحقَّ دائرةٌ تتقاطعُ فيها أربعةُ خطوطٍ؛ خطُّ النقلِ الصحيحِ، وخطُّ العقلِ الصريحِ، وخطُّ الفطرةِ السليمةِ، وخطُّ الواقعِ الموضوعيِّ، فالنقلُ الصحيحُ كلامُه سبحانه وتعالى، مع بيانِ المعصومِ صلى الله عليه وسلم، والعقلُ الصريحُ ميزانٌ مِن خَلْقِ اللهِ أودعه اللهُ في الإنسانِ ليتعرّفَ من خلاله إلى الله، والفطرةُ ميزانٌ آخرُ متطابِقٌ مع الشرعِ الإلهيِّ، وهو مركوزٌ في أصلِ كيانِ الإنسانِ ليكتشفَ من خلالها خطأَه، والواقعُ خَلْقُ الله تحكُمُهُ القوانينُ التي قنّنها اللهُ جل جلاله، فإذا كانت هذه الفروعُ الأربعةُ من أصلٍ واحدٍ فهي متطابقةٌ فيما بينها.
يقومُ دِين الله بشرائِعه المتعددةِ على أصلين لا ثالثَ لهما، قال تعالى:{وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَاّ نوحي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إله إِلَاّ أَنَاْ فاعبدون} [الأنبياء: 25] .
فالأصلُ الأولُ: معرفةُ اللهِ موجوداً، وواحداً، وكاملاً، وهو ذو الأسماءِ الحسنى والصفاتِ العلا، (وهذا هو التوحيد)، والأصلُ الثاني: معرفةُ منهجه من أجْلِ عبادته التي هي علّةُ وجودِ الإنسانِ، وهي طاعةٌ طوعيةٌ، ممزوجةٌ بمحّبةٍ قلبيةٍ، أساسُها معرفةٌ يقينيةٌ، تُفضِي إلى سعادةٍ أبديةٍ، (وهذه هي العبادةُ)
…
فالتوحيدُ قمّةُ العلمِ، والعبادةُ قمّةُ العملِ.
إنّ اللهَ جل جلاله خلَقَ الكونَ بسماواتِه وأرضِه، وخلَق العوالمَ، وعلى رأسِها الإنسانُ وَفْقَ أنظمةٍ بالغةِ الدّقةِ، ومِن أبرزِ هذه الأنظمةِ نظامُ السّببيةِ، وهو تلازمُ شيئين وجوداً وعدماً، أحدُهما قَبْلَ الآخر، فنسمِّي الأولَ سبباً، ونسمِّي الثانيَ نتيجةً، وممّا يكمِّلُ هذا النظامَ الرائعَ أنّ العقلَ البشريَّ يقومُ على مبدإِ السببيّةِ، أي إنّ العقلَ لا يفهمُ حدثاً من دونِ سببٍ، ومن رحمةِ اللهِ بنا أنّ هذا النظامَ في الكونِ، وذلك المبدأَ في العقلِ يقودُنا برفقٍ إلى معرفةِ اللهِ مسبِّبِ الأسبابِ، الأقدامُ تدلُّ على المسيرِ، والماءُ يدلُّ على الغديرِ، أفسماءٌ ذاتُ أبراجٍ، وأرضٌ ذاتِ فِجاجٍ، ألا تدلَاّنِ على الحكيمِ الخبيرِ؟.
ومِن رحمةِ الله بنا أيضاً أنّ تلازُمَ الأسبابِ مع النتائجِ يُضفي على الكونِ طابعَ الثباتِ، ويمهِّدُ الطريقَ لاكتشافِ القوانينِ، ويعطي الأشياءَ خصائصَها الثابتةَ ليسهُلَ التعاملُ معها، ولو لم تكن الأسبابُ متلازمةً مع النتائجِ، ولو لم تكن النتائجُ بقدْرِ الأسبابِ لأخذَ الكونُ طابعَ الفوضى والعبثِيّةِ، ولَتَاهَ الإنسانُ في سبُلِ المعرفةِ، ولم ينتفعْ بعقلِه، لكن من اعتقدَ أنّ الأسبابَ وحدَها تخلُق النتائجَ، ثمّ اعتمدَ على الأسبابِ وحدها فقدْ أشركَ، لذلك يتفضَّل اللهُ على هذا الإنسانِ الذي وقعَ في الشركِ الخفيِّ فيؤدِّبُه بتعطيلِ فاعليةِ الأسبابِ التي اعتمدَ عليها، فيُفاجَأ بنتائجَ غيرِ متوقّعةٍ، ومَن تركَ الأخذَ بالأسبابِ متوكِّلاً - في زعْمهِ - على اللهِ فقد عصَى، لأنه لم يعبأْ بهذا النظامِ الذي ينتظمُ الكون، ولأنه طمعَ - بغيرِ حقٍّ - أن يخرِقَ اللهُ له هذه السننَ، أمّا المؤمنُ الصادقُ فيأخذُ بالأسبابِ دونَ أنْ يعتقدَ أنّها تصنعُ النتائجَ، وبالتالي دونَ أنْ يعتمدَ عليها، يأخذُ بها، وكأنّها كلُّ شيءٍ، ويعتمدُ على اللهِ، وكأنّها ليست بشيءٍ، معتقداً أنه ما شاء اللهُ كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنّ الأسبابَ وحدها لا تقودُ إلى النتائجِ إلا بمشيئةِ اللهِ، وهذا هو التوحيدُ الإيجابيُّ الذي يغيبُ عن كثيرٍ من المؤمنين، فضلاً عن غيرِ المؤمنين، قال تعالى:
{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بالله إِلَاّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ} [يوسف: 106] .
لكنَّ هذا النظامَ نظامَ السببيةِ يُخرَقُ أحياناً
…
متى وكيف؟
حينما يأتي إنسانٌ ويقول: إنّه رسولٌ مِن عندِ الله جاءَ ليبلِّغَ منهجَ الله فلا بدَّ مِن أنْ يطالبَه الناسُ ببرهانٍ على أنه رسولُ الله، وعلى أنّ الكتابَ الذي جاء به هو مِن عندِ الله، وهنا تأتي المعجزةُ لتكونَ برهاناً على صدقِ إرسالِ النبيِّ، ومصداقيةِ منهجِه، والمعجزةُ في بعضِ تعاريفِها خرقٌ لنواميسِ الكونِ ولقوانينِه، ولا يستطيعُها إلا خالقُ الكونِ، لأنه هو الذي وضعَ القوانينَ والنواميسَ، يعطيها لرُسُلهِ لتكونَ برهاناً على صدْقِهم في إرسالهِم، وصدقِهم في إبلاغِهم عن ربِّهم، والمعجزةُ مُمكِنةٌ عقلاً غيرُ مألوفة عادةً، فهناك فرقٌ بين أنْ يحكُمَ العقلُ على شيء باستحالتِه، وأنْ يعلنَ عجزَه عن فهمِ هذا الشيءِ، فعدمُ العلمِ بالشيءِ لا يلزم العلمَ بعدمِه.
ولكنْ لا معنى للحديثِ عن المعجزاتِ التي هي خرقٌ للنواميسِ والعاداتِ، وعن جزئياتِها، وعن وقوعِها، أو توهُّمِها، إذا كان أصلُ الدِّينِ الذي يتلخّصُ في الإيمانِ بالله، موجوداً، وواحداً، وكاملاً، والإيمانُ أنّه بكلِ شيءٍ عليمٌ، وعلى كل شيء قديرٌ، وفعّالٌ لِمَا يريدُ، إذا كان هذا الأصلُ محلَّ إنكارٍ أو شكٍّ فلا معنى للحديثِ عن المعجزاتِ أصلاً، فالناس يخاطبُون عادةً بأصولِ الدِّين، والمؤمنون يخاطَبون بفروعِ الدينِ، والحديثُ عن المعجزاتِ من فروعِ الدينِ، فإذا كان الأصلُ مهتزًّا فلا جدوى من الحديثِ عن المعجزاتِ.
ثم إنّ الكونَ بمجرّاتِه وكازاراتهِ، بكواكِبه ومذنّباتِه، بالمسافاتِ البَيْنِيةِ، والسرعاتِ الضوئيةِ، بحجومِ النجومِ، بدورانِها، وتجاذبِها، وإنّ الأرضَ بجِبالِها، ووديانِها، وسهولِهَا، وقفارِها، ببحارِها، وبحيراتِها، بينابيعِها، وأنهارِها، بحيواناتِها، ونباتاتِها، بأسماكِها، وأطيارِها، بمعادنِها، وثرواتِها، وإنّ الإنسانَ بعقلِه، وعاطفتِه، وأعضائِه، وأجهزتِه، بفطرتِه، وطباعِه، بزواجِه، وذريّتِه؛ هذه كلُّها معجزاتٌ، وأيّةُ معجزاتٍ، وبكلامٍ مُجمَلٍ: الكونُ بسماواته وأرضِه هو في وضْعِه الراهنِ، من دونِ خرْقٍ لنواميسِه، ومن دونِ خروجٍ عن نظامِه، هو في حدِّ ذاتِه معجزةٌ، وأيّةُ معجزة! والدليلُ قولُه تعالى:{إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف اليل والنهار لآيَاتٍ لأُوْلِي الألباب * الذين يَذْكُرُونَ الله قِيَاماً وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السماوات والأرض رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 190-191] .
غيرَ أنّ الإنسانَ لانهماكِه بمشاغلِه، وغفلتِه عن خالقِه، ولطُولِ أُلْفَتِهِ لِمَا حولَه ينسَى وجْهَ الإعجازِ في الكونِ، ويغفلُ عن عظمةِ الخالقِ فيما خَلََقَ، فيحسبُ جهلاً منه، وغروراً أنّ المعجزةَ هي تِلْكُمُ التي تخالِفُ ما أَلِفَه واعتادَه، ثم يمضي هذا الإنسانُ الجاهلُ فيتّخذُ ممّا أَلِفَه واعتاده مقياساً لإيمانِه بالأشياءِ، أو كفْرِه بها، وهذا جهلٌ عجيبٌ في الإنسانِ، على الرّغمِ مِن ارتقائِه في مدارجِ المَدَنيَّةِ والعلمِ، فتأمّلٌ يسيرٌ مِن الإنسانِ يوضحُ له بجلاءٍ أنّ الخالقَ جلّ وعلا الذي خَلَق هذه الكونَ المعجزَ ليس عسيراً عليه أنْ يزيدَ فيه معجزةً أخرى، أو أن يبدِّلَ، أو أن يغيِّرَ في بعضِ أنظمتِهِ التي خلَق العالَمَ وَفْقَهَا.
يقول بعضُ العلماءِ الغربيّين: "القدرةُ التي خَلَقت العالَمَ لا تعجزُ عن حذفِ شيءٍ منه، أو إضافةِ شيءٍ إليه، ولو لم يكن هذا العالَمُ موجوداً"، ولو قيل لرجلٍ ممّن ينكر المعجزاتِ والخوارقَ:"سيُوجَد عالَمٌ صفتُه كذا وكذا، فإنه سيجيبُ فوراً: هذا غيرُ معقولٍ، ولا متصوَّر، ويأتي إنكارُه هذا أشدَّ بكثير من إنكارِ بعضِ المعجزاتِ".
والشيءُ المهمُّ هنا أن نعلمَ أنّ الرُّسلَ السابقين بُعِثوا لأقوامهم ليس غير، فكانت معجزاتُهم حسيّةً محدودةً بالزمانِ والمكانِ الذي بُعِثوا فيه، إذنْ معجزاتُهم كتألُّقِ عودِ الثّقابِ، وقعتْ مرةً واحدةً، وأصبحتْ خبراً يصدِّقُه مَن يصدِّقه، ويكذِّبه مَن يكذِّبه.
أمّا نبيُّنا محمّد صلى الله عليه وسلم، الذي هو خاتَمُ الأنبياءِ والمرسلين، وأُرسِلَ إلى الناسِ كافةً بشيراً ونذيراً، فينبغي أنْ يكونَ مِن معجزاتِه ما هو مستمِرٌّ، ولذلك كانت آياتُ الإعجازِ العلميِّ في الكتابِ والسُّنةِ معجزةً علميةً نَصّيَّةً.
ففي القرآنِ الكريمِ ألفٌ وثلاثُمئة آيةٍ تتحدّثُ عن الكونِ، وعن خَلقِ الإنسانِ، وهذه الآياتُ تقتربُ مِن سدُسِ القرآنِ، وإذَا كانَت آياتُ الأمرِ تقتضِي الطاعةَ، وآياتُ النهيِ تقتضي التركَ، فماذا تقتضِي آياتُ الكونِ؟ إنها تقتضي التفكُّرَ، لذلك وردَ في الأثرِ:"تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ".
ولحكمةٍ إلهيةٍ بالغةٍ لم يفسِّر النبيُّ صلى الله عليه وسلم هذه الآياتِ؛ إمّا باجتهادٍ منه، أو بتوجيهٍ مِن اللهِ جلّتْ حكمتُه، لأنّه لو فسَّرها على نحوٍ يناسِبُ فهْمَ مَن حَوْله لأنكرَ هذا التفسيرَ مَن سيأتي بَعْدَه، ولو فسّرها تفسيرًا يفهمُه مَن سيأتي بَعْده لاستَغْلقَ هذا التفسيرُ على مَن حَوْله.
لذلك تُرِكتْ هذه الآياتُ للعصورِ اللاّحقةِ، ليكشفَ التقدُّمُ العلميُّ في كلّ عصرٍ جوانبَ الإعجازِ فيها، وبهذا يكونُ القرآنُ الكريمُ، بما فيه من آياتٍ كونيةٍ معجزةً مستمرّةً إلى يومِ القيامةِ.