الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هذه الحاجاتُ الأساسيةُ التي افتقِدَتْ هي وراءَ معظمِ الأمراضِ، كلما تقدَّمَ الطبُّ تبيَّن له أن الشدَّةَ النفسيةَ (الكرب) وراءَ أكثرِ الأمراضِ، وأنّ الطمأنينةَ وراءَ الصحةِ، لذلك لا شيءَ يعطيك الأمنَ كالتوحيدِ، ولا شيءَ يملأُ القلبَ فزعاً كالشركِ، قال تعالى:{فَلَا تَدْعُ مَعَ الله إلاها آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المعذبين} [الشعراء: 213] .
مرض نقص الألياف
هناك منعطفاتٌ خطيرةٌ في تاريخِ العلومِ الغذائيةِ، المنعطَفُ الأول: اكتشافُ الجراثيمِ التي يتلوّثُ بها الطعامُ، والتي تسبِّبُ كثيراً مِنَ الأمراضِ، والمنعطَفُ الثاني: هو الكشفُ عن بعضِ المخاطرِ، إذا أسرفَ الإنسانُ في تناولِ بعضِ الأطعمةِ، أنه منعطفٌ آخرُ في تاريخِ الصحةِ، والغذاءِ، كما أنّ هناك أمراضاً كثيرةً تتسبَّبُ مِن نقصِ الموادِ الغذائيةِ.
ولكن الشيءَ الخطيرَ الذي اكتُشِفَ حديثاً، هو مرضُ العصرِ الذي هو مرضُ نقص الأليافِ، فطبيعةُ العصرِ الحديثِ تقدِّم غذاءً مصفًّى، فالسكرُ أبيضُ ناعمٌ، والدقيقُ أبيضُ ليسَ فيه شوائبُ، والفواكهُ نشربُ عصيرَها، وكلُّ شيءٍ نُزِعَتْ مِنه الأليافَ التي خَلَقَها اللهُ فيه.
ما كان أحدٌ يظنُّ أنّ لهذه الأليافِ التي هي قوامُ الفاكهةِ، أو هذه القشورِ، التي تحيطُ بحبّة القمحِ، أو هذه الأليافِ التي هي في بعضِ الموادِ السكريةِ فوائدَ كثيرةً، إننا ننزعها، ونعدُّها مِن الأشياءِ التي لا جدوى منها، نشربُ عصيراً صافياً، ونأكلُ خبزاً أبيضَ، ونستعملُ السكرَ النقيَّ، إنَّ هذا الغذاءَ المصفَّى، الذي هو مِن بِدَعِ العصرِ الحديثِ وراءَ كثيرٍ مِنَ الأمراضِ.
كان العلماءُ يظنون أنّ هذه الأليافَ هي عنصرٌ زائدٌ على الحاجةِ، وأنَّ دوْرَها في الهضمِ يتميَّز بالسلبيّةِ، لذلك عرَّفوها بقدرِ ما وَسِعَهُم الإدراكُ، فقالوا:"إنها جزءٌ من الطعامِ الذي يَعْبُر القناةَ الهضميةَ، مِن دون أنْ يُهْضَمَ"، بل وَجدوها عبئاً على جهازِ الهضمِ، لذلك عَمَدُوا إلى تنقيةِ الطعامِ منها، فقدَّموا لنا ما يسمَّى (الأطعمةَ النقيةَ) .
إنّ أولَ أخطارِ هذا الغذاءِ النقيِّ هو الإمساكُ، لأنّ حجمَ هذه الأليافِ فقط يسهِّلُ عملَ الأمعاءِ، وإنَّ حركةَ الأمعاءِ حينما تَتَحرَّكُ كي تَهضِمَ الطعامَ تحتاجُ إلى كتلةٍ من الأليافِ، تثيرُ جدرانَ الأمعاءِ، فلو اختفتْ هذه الأليافُ، وبقي الطعامُ كلُّه سائلاً، وخالياً مِن هذه الأليافِ المفيدةِ، فإنَّ حالةَ الإمساكِ هي مِن أُولَى أخطارِ هذا الطعامِ النّقيِّ.
شيءٌ آخرُ، قال العلماءُ:"إنَّ هذه الموادَ السيللوزيةَ - الأليافَ - تعملُ على امتصاصِ الماءِ، والاحتفاظِ به، كيّ يُصبحَ الهضمُ سهلاً ليناً، فكأنما هي مليّنات".
الشيءُ الثالثُ: إنّ هذه الأليافَ السيللوزية تعملُ على امتصاصِ مادةِ الكوليسترول - الدهنيات - فإنّ وجودَ الكوليسترول في الدمِ، أو تَرَسُّبَه على جدرانِ الأوعيةِ، يسبِّبُ أخطرَ أمراضِ العصرِ، إنّه الذبحةُ الصدريةُ، وإنّ أخطرَ أمراضِ العصرِ هو تضيّقُ الشرايينِ، بل إنّ بعضَ العلماءِ يقول:"إنّ عمرَ الإنسانِ مِن عمُرِ شرايينِه"، فحينما تضيقُ لمعتُها، وحينما تترسّب الموادُ الدهنيةُ فيها، عندئذٍ يتعبُ القلبُ، وإنّ هذه الأليافَ التي نطرحُها، نشربُ كأسَ العصيرِ، ونقذفُ بهذه الأليافِ علفاً للحيواناتِ، إنّ الإنسانَ في أشدِّ الحاجةِ إليها، لأنها تمتصُّ الموادَّ الدسمةَ، وتعدِّلُ نسبةَ الدهونِ في الدمِ.
شيءٌ آخرُ: هو أنّ إفرازَ بعضِ العصاراتِ، كالصفراء مثلاً، إفرازاً مستمراً، مِن دون وجودِ هذه الأليافِ يسبِّبُ بعضَ الأمراضِ الخبيثةِ في (الكولونِ) ، وإنّ وجودَ هذه الأليافِ يمتصّ الموادَّ الدهنيةَ، وبعضَ مُفرزاتِ الغُدَدِ، ويسهِّل حركةَ الأمعاءِ، حتى إنّ بعضَهم يقول: إنّ تكوُّنَ الحصَيات وارتفاعَ الكوليسترول في الدمِ، وترسّبَه في جدرانِ الشرايينِ، وسرطانَ الكولونِ، وبعضَ أمراضِ القلبِ والأوعيةِ، والإمساكَ، وبعضَ أمراضِ الدوالي، وبعضَ أمراضِ الحجابِ الحاجزِ، والتهابَ الزائدة، إنَّ سببَ معظمِ هذه الأمراضِ هو فقدانُ الأليافِ مِن أطعمتِنا.