الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الإنسانُ بجبروتِه يؤذيه، وبنارِ الحقدِ يكوِيه، وبالأحزانِ يبلِيه، وهو أساسُ حياةِ الإنسانِ، وشمسُ عالمِه، عليه يعتمدُ في كلِّ أعمالِه وأحوالِه، ومنه تنبعُ كلُّ قُواهُ، وحركاتُه.. وهو آلةٌ خارقةٌ! لا يعرفُ التعبُ إليها سبيلاً، تزدادُ قدرتٌها أضعافاً كثيرةً، لتواجِهَ الجهدَ الطارئَ، إنها عضلةٌ من أعقدِ العضلاتِ، بناءً، وعملاً، وأداءً، وهي مِن أَمْتنِها، وأقواها، تنقبضُ، وتنبسطُ ثمانينَ مرةً في الدقيقةِ، ويصلُ النبضُ في الجهدِ الطارئ إلى مئةٍ وثمانينَ، ويضخُّ القلبُ ثمانيةَ آلافِ لترٍ في اليومِ الواحدِ، أي ما يعادلُ ثمانيةَ أمتارٍ مكعبةٍ من الدمِ، ويضخُّ القلبُ من الدمِ في طولِ عُمُرِ الإنسانِ ما يكفي لملءِ مستودعٍ بحجمِ إحدى ناطحاتِ السحابِ في العالَمِ.
وينفردُ القلبُ في استقلالِه عن الجهازِ العصبيِّ، فتأتمِرُ ضرباتُه، وتنتظمُ بإشارةٍ كهربائيةٍ من مركزِ توليدٍ ذاتيٍّ، هي أساسُ تخطيطِه، وتتغذَّى عضلةُ القلبِ بطريقةٍ فريدةٍ!! ومِن أعجبِ ما فيه دسّاماتُه المحكمةُ التي تسمحُ للدمِ بالمرورِ باتجاهٍ واحدٍ، وهو مبدأٌ ثابتٌ بالمضخّاتِ.
إنّ القلبَ إذَا سَكَنَ في قَفَصِهِ، واستراحَ من غُصَصِهِ خَلَّفَ وراءَه جثةً هامدةً، كأنها أعجازُ نخلةٍ خاويةٍ، لم ترَ لها مِن حياةٍ باقيةٍ، ولقد حدَّثَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الصادِقُ المصدوقُ عن القلبِ بقوله الموجزِ:"أَلا وَإنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ".
ورَحِمَ اللهُ أحمد شوقي إذْ يقولُ:
دَقّاتُ قلبِ المرءِ قائلةٌ لَهُ
…
إنّ الحياةَ دقائقُ وثَوانِ
فارفع لنفسِكَ قبل موتكَ ذِكْرَها
…
فالذكرُ للإنسان عمرٌ ثانٍ
القلب وكيس التامور وخاصة التجلط في الدم
إنّ القلبَ الذي بينَ جوانحِنا مِن عجائبِ خَلْقِ اللهِ سبحانه وتعالى، وقد عَدَّه العلماءُ أقوى وأمتنَ عضلةٍ في النوعِ البشريِّ.
فهذا القلبُ سمّاهُ العلماءُ مضخةً ماصّةً، كابسةً، تؤمِّنُ دورانَ الدمِ في الأعضاءِ، منذ أنْ ينبضَ، وأنت في الرحمِ، وحتى الموتِ، لا يكَلُّ، ولا يملُّ، ولا يستريحُ، ولا يتوقَّفُ حتى نهايةِ الحياةِ.
مِن آياتِ اللهِ الباهرةِ، أنّ اللهَ جعلَ لهذا القلبِ كيساً لصيقاً بهِ هو الشِّغافُ، مغلَّفاً بغشاءٍ آخرَ يُسمَّى التامورَ، هذا الكيسُ يفرزُ مادةً تليِّنُ حركتَه، لئلا يحتكَّ بالقلبِ نفسِه، هي في الآلاتِ كالزيتِ تماماً، أضِفْ إلى أنّ القلبَ مغلَّفٌ بغلافٍ رقيقٍ رقيقٍ، أملسَ، يسمَّى الشِّغافَ، هذا الغشاءُ الرقيقُ الرقِيقُ، الأملسُ الأملَسُ، مع التامورِ الذي يفرزُ المادةَ المليّنةَ، خُلِقَ من أجلِ أنْ ينعدمَ الاحتكاكُ في حركةِ القلبِ.
ومِن الآياتِ العجيبةِ أنّ في الدمِ خاصةً، لولاها لَمَا بَقِيَ أحدُنا حيّاً، هي خاصّة التجلُّطِ، وهي أنَّ الدمَ إذا لامسَ الهواءَ الخارجيَّ تتكوَّنُ منه أليافٌ تسدُّ منافذَ الشرايينِ إلى الخارجِ، لولا هذه الخاصّةُ، خاصّةُ التجلُّطِ لَسَالَ دمُ الإنسانِ كلُّه مِن جرحٍ طفيفٍ، ولكنّ الدمَ ما إنْ يلامسِ الهواءَ الخارجيَّ حتى يتجلَّطَ، ويصبحَ أليافاً تسدُّ المنفذَ الذي فُتِحَ، إنْ كان جرحاً، أو شيئاً مِن هذا القَبِيلِ، {ذلك تَقْدِيرُ العزيز العليم} [الأنعام: 96] .
إنه قلبٌ يعملُ، ولا يرتاحُ، يصبُّ الدمُ الوريديُّ الذي أدَّى دورَةً في الأعضاء في الأُذينِ الأيمن، ومنه إلى البُطَينِ الأيمنِ، ومنه إلى الرئتين، وبعد أخْذِ الأوكسجين يعودُ إلى الأذينِ الأيسرِ، فالبطينِ الأيسرِ الذي يدفعه عبرَ الشريانِ الأبهرِ إلى أعضاءِ الجسمِ كلِّه، ففي القلبِ أُذَيْنَانِ، وبُطَيْنَانِ يمصّانِ الدمَ، ويدفعانهِ بلا كَلَلٍ، ولا مَلَلٍ.
قدَّر العلماءُ أنه في كلِّ نبضةٍ يندفعُ من القلبِ مجموعةُ سنتيمتراتٍ مكعّبةٍ، تزيدُ على العشرةِ، في الدقيقةِ الواحدة ثمانون دفعةً، أيْ في الدقيقةِ الواحدة اثنان جالون ونصفٌ من الدمِ يضخُّه القلبُ، وقَدَّرَ بعضُهم ما يضخُّه القلبُ في سبعين عاماً بأربعةِ ملايينِ جالون، وهذا شيءٌ عجيبٌ في هذه العضلةِ.