الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الصوتُ اهتزازٌ ينتقلُ عبرَ وسطٍ مَرِنٍ، والوسطُ المَرِنُ هو الهواءُ، لكنَّ الوسطَ المرنَ القاسيَ الصُّلبَ ينقلُ الصوتَ بسرعةٍ أشدَّ، والوسطُ السائلُ ينقلُها بسرعةٍ أشدَّ، وبدقَّةٍ أعلى، لذلك ينتقلُ الصوتُ إلى غشاءِ الطبلِ عَبْرَ الهواءِ، وغشاءُ الطبلِ ينتقلُ به الصوتُ عبْرَ أربعةِ عظامٍ، ثم في قناةٍ قوامُها سائلٌ.
فالصوتُ ينتقلُ عبرَ الهواءِ تارةً، وبعدَ غشاءِ الطبلِ عبرَ أجسامٍ صلبةٍ، وبعدَ الأجسامِ الصلبةِ عبرَ قناةٍ فيها سائلٌ.
وهناك خمسةٌ وعشرونَ ألفَ خليَّة سمعيَّةٍ تلتقطُ السمعَ، وتنقلهُ إلى الدماغِ كي تدركَ، وحتى هذه الساعةِ لا يستطيعُ العلماءُ أن يكتشفوا كيف تستطيعُ الأذنُ أنْ تُفَرِّقَ بين النَّغَمِ والضَّجيجِ.
لماذا حينما تُسحَق قطعةُ زجاجٍ تحتَ البابِ تشعرُ أنك ستخرجُ من جِلْدِك؟ ولماذا إذا وقفتَ أمامَ شلالٍ فيه صوتٌ صاخبٌ تأنسُ به؟ هذا ضجيجٌ، وهذا نَغَمٌ، كيف تفرِّقُ بين النغمِ والضجيجِ؟ وكيف تلتقطُ هذه الأذنُ مئاتِ ألوفِ الأصواتِ، ولكلِّ صوتٍ نبرةٌ خاصةٌ تسجَّلُ في الذاكرةِ؟ كيف تقولُ لفلان عبْرَ الهاتفِ: أنت فلانٌ؟ ما هذه الحساسيةُ في الأذنِ التي تخزِّنُ الأصواتُ، ففي ذاكرةِ الإنسانِ مئاتُ، بل ألوفُ الأصواتِ الخاصةِ؟
ما زالتِ الأذنُ سرّاً من أسرارِ صنعةِ اللهِ عز وجل، ما زالت الأذنُ آيةً دالةً على عظمةِ الله عز وجل.
ما عُرِضَ هنا أمورٌ مختصرةٌ جدًّا، لكن لو اطلعتم على ما في هذه الأذنِ من عجائبَ بالتفصيلِ لسجدتُم للهِ عز وجل تعظيماً وشكراً.
إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا
مِن آياتِ اللهِ الكونيةِ الدالةِ على عظمتِه، ومِن تطابقِ آياتِ القرآنِ مع خَلقِ الإنسانِ ما يؤكِّدُ أنّ هذا القرآنَ مِن عندِ اللهِ تعالى، وأنّ هناك تطابقاً عجيباً، وأبديّاً، وسرْمدِيّا بين ما جاءَ في القرآنِ، وما جاءَ في معطياتِ العلمِ، يقولُ ربُّنا سبحانه وتعالى:{إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً} [الإنسان: 2] .
إنّ في كلامِ اللهِ دقّةً بالغةً في الصّياغةِ، وما دامَ سميعاً بصيراً فلِمَ قدَّمَ السَّمْعَ على البصرِ؟ قال تعالى:{أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ الله سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ} [الأنعام: 46] .
هناك حكمتان اعتمدهما العلماءُ: "السّمعُ أخطرُ في حياةِ الإنسانِ من البصرِ"؛ لأنَّ الإنسانَ يتلقّى الأصواتَ من الجهاتِ الستِّ، عن يمينِه، وعن شمالِه، ومن أمامِه، ومن ورائِه، ومن فوقِه، ومن تحتِه، في الظلامِ والنورِ، وفي الليلِ والنهارِ، وعلى الرّغمِ من الحواجزِ الكتيمةِ فإنّ السمعَ يصلُ إلى أُذنِك، فكأنّ السّمعَ يُغطِّي البيتَ كلّهَ، فإنْ كنتَ نائماً، وسمعتَ حركةً في غرفةِ الضّيوفِ، انتقلتَ إليها، أما عيْنُك فلا تُرِيكَ إلا أطرافَ غرفةِ النومِ، وإن كنتَ تقودُ سيارةً فلا ترى إلا الذي أمامَك، إما إنْ كان ثمَّةَ خلَلٌ في المحرّكِ، أو العجلاتِ، فالصوتُ يصلُ إلى أُذنِك، فتقفُ في الوقتِ المناسبِ، هذه بعضُ توجيهاتِ العلماءِ تبيِّنُ أنّ السمعَ أخطرُ من البصرِ.
شيءٌ آخر، قوله سبحانه وتعالى:{وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا في أَصْحَابِ السعير} [الملك: 10] .
لماذا اختارَ اللهُ سبحانه وتعالى السّمعَ وحْدهُ؟ لأنّه مَن كانَ أصمَّ كان أبْكمَ، فالذي لا يسمعُ لا ينطقُ، والذي لا يسمعُ، ولا ينطقُ متخلّفٌ عقليّاً، ويصنّفُ مع المعوّقين عقليّاً، ومع البُلْهِ، لكنْ كم مِن الذين فَقَدوا بصرَهم كانوا قمّةً في العلمِ والأدبِ، وأعلاماً، ولكنّ الذي لا يسمعُ لا ينطقُ، ولا يفهمُ، هذا بعضُ التوجيهاتِ.
إنّ دِقّة خلقِ السمع كدِقّةِ البصرِ، لقولِ اللهِ تعالى:{مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمان مِن تَفَاوُتٍ} [الملك: 3] ، فبعضُ الشركاتِ مثلاً تنتجُ بضاعةً من الدرجةِ الثانيةِ، يُقال لها: بضاعةٌ تجاريّةٌ، وقد تنتجُ بضاعةً من الدرجةِ الأولى، ولها أسعارٌ خاصّةٌ، ولكنّ صُنعَ اللهَ تعالى لا تفاوُتَ فيه، وكلُّه متْقَنٌ إلى درجةٍ مطلقةٍ.
إنّ للسمعِ وظائفَ، وللبصرِ وظائفَ، فبالسمعِ تسمعُ الحقَّ، وتعقلُ الحقائقَ، وبالبصرِ تشاهدُ الجمالياتِ والأشياءَ، وأشكالَها، وحجومَها، وصفاتِها، لكنّك بالسمعِ تدركُ حقائقَها.
اكتشفَ العلماءُ أنّ الجنينَ في بطنِ أمِّهِ يتوضّحُ عنده أماكنُ السمع والبصرِ في اليومِ الثاني والعشرين من تلقيحِ البيضة، وعند الولادةِ تكونُ الشبكيةُ مكتملةً، ويثبِّتُ الطفلُ عينيهِ على أيِّ مصدرٍ ضوئيٍّ، أيْ إنّ رؤيةَ الضوءِ موجودةٌ، لكنّ المطابقةَ عنده لا تعملُ، وبنهايةِ الشهرِ الثاني من العمرِ يتابعُ الطفلُ أيَّ جسمٍ يتحرَّكُ أمامهُ بعينيه، أمّا رؤيةُ الألوانِ فتكونُ بعدَ الشهرِ الرابعِ، وتصبحُ المطابقةُ عنده تامّةً بنهايةِ الشهر السادسِ، ولكنّه في الأسبوعِ السادسِ والعشرين، أي في الشهرِ السادسِ والنصفِ، وهو في الرحمِ يستمعُ إلى الأصواتِ، فيسمعُ دقّاتِ قلبِ الأمِّ، ويسمعُ حفيفَ المشيمةِ، وقرقرةَ الأمعاءِ، وقد أجرى بعضُ العلماءِ تجارِبَ، سجّلوا فيها أصواتَ ضرباتِ القلبِ، وحفيف المشيمةِ، وقرقرةِ الأمعاءِ، وأسمعوها للطّفلِ قبلَ الولادةِ، كان يبكي فسكَتَ! إذاً تنشأُ حاسّةُ السمعِ في الشهرِ السادسِ والنصفِ، ولا تنشأُ حاسّةُ البصرِ إلا بعد الشهرِ الثالثِ والرابعِ من الولادةِ، هذا الذي ذكرَهُ العلماءُ ذكرهُ اللهُ في سبعَ عشرة آيةً في كتابِ اللهِ تعالى، حيث قدّمَ اللهُ فيها السمعَ على البصرِ تقديمَ أهميّةٍ، وسبْقٍ في الخلْقِ، ولكنْ لماذا قدَّم اللهُ البصرَ على السمع في قولهِ:{رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فارجعنا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ} [السجدة: 12] ؟
قالَ العلماءُ: "لأنّ سرعةَ انتقالِ الصورةِ تزيدُ على سرعةِ انتقالِ الصوتِ، فالصورةُ تنتقلُ بسُرعةِ ثلاثمئةِ ألفِ كيلو مترٍ في الثانيةِ، أمّا الصوتُ فلا ينتقلُ إلا بسرعةِ ثلاثمئةٍ وثلاثين متراً في الثانيةِ".