الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والعِظامُ فيها متانةٌ عجيبةٌ، وفيها تحمّلٌ عجيبٌ لِقُوى الضّغطِ، وارْتِباطُ العظامِ بعضِها ببعْضٍ شيءٌ يَلفتُ النَّظَرَ، وربما أشارَ إلى معنى من معاني قولَه الله تعالى:{نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً} .
العضلات
حينما يتحرَّكُ الإنسانُ من مكانٍ إلى مكانٍ، يرفعُ ثقلاً، أو يؤدِّي عملاً، فما سرُّ هذه الحركةِ، وما سرُّ هذا العملِ؟ إنه كامنٌ في العضلاتِ، حينما تقفُ عندَ القصَّابِ، وتشتري اللحمَ، فهذا اللحمُ الذي تشترِيه هو العضلاتُ، واللهُ سبحانه وتعالى بحكمةٍ بالغةٍ جَعَلَ هذه العضلةَ مؤلَّفةً من ملايينِ الأليافِ، لو سَلَقْتَ اللحمَ لوجدتَهُ مُؤَلَّفاً من خيوطٍ، كلُّ خيطٍ ليفٌ، وكلُّ ليفٍ ينتهي بعصبٍ، فإذا جاءَ الأمرُ مِنَ المخِّ، أو من الجهازِ العصبيِّ إلى هذا الليفِ، فإنه ينقبضُ، ومعنى ينقبضُ أي يتقلَّصُ إلى ستين في المئةِ مِن طولِه، فيبقى أربعون، فإذا كان طولُ الليفِ عشرةَ سنتمتراتٍ فإنَّه يصبحُ أربعةً عند التقلُّصِ.
إنّ تقلُّصَ العضَلةِ - والعضلةُ مربوطةٌ بالعظمِ - يؤدِّي إلى تحريك العظمِ، فلولا هذه الخاصّةُ التي أَودعَهَا اللهُ في العضلاتِ لكانَ الإنسانُ كقطعةِ الخشبِ الملقاةِ على الأرضِ، لا حركةَ له، أمّا حركةُ العضلاتِ الإراديةِ، حركةُ الأطرافِ، أنْ تديرَ رأسَك، أنْ تحركَ يديك، فإنّ هذه الحركة أساسُها الجهازُ العظميُّ، كل عظمٍ مرتبطٌ فيه عضلتان، عضلةٌ تحرِّكه نحو اليمينِ مثلاً، وعضلةٌ تحرّكُه نحو اليسارِ، عضلةٌ قابضةٌ، وعضلةٌ باسطةٌ، ما هذا السرُّ؟
حتى هذه الأيامِ لم تُعرَفْ طريقةُ تحوّلِ الغذاءِ الموجودِ في الخلايا العضليةِ إلى عملٍ، أو إلى حركةٍ؟ هذا سرٌّ لم يُكشَفْ عنه بعدُ، عضلةٌ تنتهي بعصبٍ، فإذا جاءَ الأمرُ العصبيُّ بالتحرّكِ فإنها تنقبضُ، فإذا انقبضتْ تحرّكَ معها العظمُ، وتحركَ الإنسانُ، قد تكونُ جالساً فترى ابنَك يقتربُ من المدفأةِ، فتقومُ إليه، أدركتَ الخطرَ، فجاءَ أمرٌ من المخِّ إلى العضلاتِ، فتحركتِ العضلاتُ، فَسِرْتَ إليه، ثم حملتَه بيديك، وأبعدتَه عن المدفأةِ، هذا الشيءُ الذي نفعلُه، ولا نفكِّر فيه عمليةٌ معقدةٌ جداً.
قالَ العلماءُ: "في كلِّ عضلةٍ متوسطةٍ عشرةُ ملايين ليفٍ، وللإنسانِ ستمئة عضلةٍ خمسمئة منها إراديةٌ، أي تعملُُ بإرادتِك، ومئةٌ منها لا إراديةٌ"، فإذا كنتَ في غرفةٍ مظلمةٍ، ثم أُضِيئَتْ، ونظرتَ إلى عينكَ بالمرآةِ، ترى حدقةَ العينِ تضيقُ، وتضيقُ، هل بإمكانِك أنْ تبقيَها واسعةً؟ هل بإمكانِك أنْ تمنعَ تضيُّقَها، لا، فقزحيةُ العينِ عضلةٌ، ولكنْ ليستْ حركتُها بإرادتِك.
والأمعاءُ تتحرّكُ، والأجهزةُ تتحركُ، والرئتان تتحرّكان، وأنت لا تدري، هذا الخلقُ المتقَنُ، صنْعُ اللهِ، الذي أتقنَ كلَّ شيءٍ، ألا يستحقُّ العبادةَ؟ ألا يستحقُّ الطاعَة؟ الإنسانُ يمشي، وإذا صعدَ من طابقٍ إلى آخرَ يكونُ قد رَفَعَ جسمَه البالغَ سبعينَ كيلو غراماً ثلاثةَ أمتارٍ، هذا يساوي في القوةِ المحركةِ حصاناً ونصفاً تقريباً، فبذلُ جهدٍ مقياسُه هذا الرقمُ أمْرٌ في غاية الإعجازِ، فحينما يتحرك الإنسانُ، وحينما يأكلُ، وحينما يستلقِي، وحينما يمشي، وحينما يحملُ، يجبُ أنْ يفكِّرَ:{خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصلب والترآئب} [الطارق: 6-7]، {لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} [التين: 4-5] .