الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شيءٌ آخرُ، قال تعالى:{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} [المؤمنون: 12-13] ، والقرارُ المكينُ هو الرَّحِمُ، ويقعُ في الوسَطِ الهندسيِّ تماماً من جِسمِ المرأةِ، فلو أُخِذَ خطٌّ منصِّفٌ طوليٌّ، وخطٌّ منصّفٌ عَرْضِيٌّ لكان موقعُ الرَّحِمِ في تقاطُعِ الخطَّيْنِ.
المعنى الثاني: لِمَ سُمِّيَ الرَّحِمُ قراراً؟ لأنَّه يفْرِزُ مادَّةً لاصقةً إذا جاءتِ البَيْضةُ الملقِّحَةُ إلى الرَّحِم الْتصَقَتْ في جِدارِه، فهو قرارٌ لها، وليس ممرّاً، ثمّ إنّ في الرّحِمِ عدداً من الأوْعِيَةِ الدَّمَوِيّةِ يفوقُ حدَّ التصوُّرِ، كلُّها تُمِدُّ هذه البيضة الملقّحةَ بالدّمِ لِيَتَغَذَّى الجنينُ، ولِيَنْموَ في سرعةٍ تُعدُّ أسْرعَ ما في جسمِ الإنسانِ مِن نَسيجٍ في تكاثُرِه وانقسامِه.
شيءٌ آخرُ؛ هذا الجنينُ في غشاءٍ رقيقٍ، وقد بدَا هذا في الصُّوَرِ التي أُخِذَتْ من الجنينِ؛ وهو مغلّفٌ بِغِشاءٍ رقيقٍ، وهذا الغِشاءُ الرقيقُ معلّقٌ في أعلى الرّحِمِ، فهو لا يتأثَّرُ بجُدُرِ الرَّحِمِ، وفوقَ هذا وذاك فقدْ أُحيطَ هذا الجنينُ بسائلٍ يمْتصُّ كلَّ الصَّدماتِ، والأغْرَبُ من هذا أنَّ الرَّحِمَ كلَّه معلّقٌ في حَوْضِ المرأةِ بأربِطَةِ إلى أقطارِ الحوضِ، فالرّحِمُ سائبٌ، والجنينُ سائبٌ، وبين الرِّحِمِ والجنينِ سائلٌ يمْتصُّ كلَّ الصَّدماتِ، كلّ هذا الشَّرْحِ ينْطوي تحتَ قولِه تعالى:{ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} [المؤمنون: 13] .
يقول بعضُ علماءِ العِظامِ: "إنّ عظامَ الحوْضِ في المرأةِ هي أقسى عِظامٍ في النّوعِ البشرِيِّ، وهذا مِن أجلِ ردِّ الصَّدَماتِ"، قال تعالى:{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت: 53] ، أيْ إنّ هذا القرآنَ كلامُ اللهِ، وهو المعجِزَةُ الخالدةُ، وكلّما تقدَّمَ العلمُ كَشَفَ عن جانبٍ من إعجازِه العلميِّ.
مراحل الحمل الثلاث
قال الله عز وجل: {والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} [البقرة: 234] .
قد يعْجَبُ الإنسانُ لهذا الرّقمِ المحدّدِ، (أربعةَ أشهرٍ وعشراً)، لِمَ لمْ يَقُلِ اللهُ: أربعةَ أشهرٍ؟ أَو خمسةَ أشهرٍ؟ أو ستّةَ أشهر؟ أو شهرين؟ أو ثلاثةَ أشهرٍ؟ قال علماءُ الطبِّ: "تمرُّ المرأةُ الحاملُ بِثَلاثِ مراحلَ؛ المرحلةُ الأولى مرحلةُ الشكِّ، وفيها ينقطعُ دمُ الحيضِ، وانقطاعُه علامةٌ على حمْلِ المرأةِ، ولكنْ هل هي علامةٌ قاطعةٌ؟ لا، قد تتوقفُ هذه الدوْرَةُ لأسباب معينة، كالاضْطراباتِ النفسيّةِ، أو الهرمونيّةِ، أو لاختلالٍ في بنيةِ الجهازِ التناسليِّ عند المرأةِ، كلُّ هذا يسْتدْعي أن تنقطعَ الدوْرَةُ الشّهريّةُ، إذاً فانقطاع الدورةِ لا يعدُّ دليلاً يقينياً على الحمل، وبعْدَ مرحلةِ الشكِّ هذه تدخلُ في مرحلةٍ ثانيةٍ هي مرحلةُ الظنِّ، حيث تأتِيها أعراضٌ نفسيّةٌ كالشّعورِ بالكآبةِ، وأعراضٌ هضميّةٌ كالإقياءِ والغثيانِ، والمَيْلِ إلى العزلةِ، فهذه الأعراضُ الهضميّةُ والنفسيّةُ اصطلحَ الناسُ على تسميتِها الوحمَ، حيث أَغْلَبُ الظنِّ أنّها في هذه المرحلةِ حاملٌ، ولكن هل تُعَدُّ هذه المرحلةُ دليلاً قاطعاً على الحملِ؟ أيضاً الجوابُ: لا! ذلك أنّ هناك أعراضاً اسمُها أعراضُ الحمْلِ الكاذبِ، فقد تُفاجَأُ المرأةُ بأنَّ الدوْرةَ قد جاءَتْها، وأُلْغِيَ الحمْلُ.
ولكن في اليومِ السادسِ والعشرين بعدَ المئةِ، أي في اليومِ العاشرِ بعدَ الأشهرِ الأربعةِ التي ذَكَرَها القرآنُ الكريمُ ينبضُ قلبُ الجنينِ، ومع نبضِ قلبهِ يتحرّكُ، وتشعرُ المرأةُ بحركتِه تلك، عندها تدخلُ المرأةُ مرحلةً ثالثةً هي مرحلةُ اليقينِ، فحركةُ الطّفلِ في أحشاءِ أُمِّه دليلٌ قطعيٌّ على الحمْلِ"، لذلك قالَ تعالى:{والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} .