الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شيءٌ سادسٌ: غزارةُ اللعابِ تكونُ عندَ تناول الشرابِ الحمضيِّ، فكلُّ شرابٍ فيه تركيزٌ، والتركيزُ في الشرابِ يحثُّ الغددَ اللعابيةَ على مزيدٍ من الإفرازِ، من أجلِ أن يتمدَّدَ هذا الشرابُ المكثَّفُ، من أجلِ ألا يؤذي.
شيءٌ آخرُ: اللعابُ يسهمُ في تسخينِ الطعامِ الباردِ عن طريقِ التبادلِ الحراريِّ، ويسهمُ في تبريدِ الطعامِ الحارِّ، ويسهمُ أيضاً في عمليةِ تحريكِ اللقمةِ في الفمِ، وأخطرُ من هذا كلِّه أنّ في اللعابِ موادَّ مضادةً لنخرِ الأسنانِ، وموادَّ مضادةً للجراثيمِ؛ لأنّ الفمَ مفتوحٌ على الهواءِ الطلقِ، وهو بيئةٌ صالحةٌ جداً لنموِّ الجراثيمِ، هذه البيئةُ فيها حرارةٌ ورطوبةٌ، هذانِ الشرطانِ في البيئةِ صالحانِ جداً لتكاثُرِ الجراثيمِ، لذلك كان في اللعابِ مادّةٌ مضادةٌ للجراثيمِ، التي مِن شأنِها أنْ تقتلَها في مهْدها.
فمِن موادَّ مضادةٍ للجراثيمِ، إلى موادَّ مضادةٍ لنخرِ الأسنانِ، إلى موادَّ تمدِّدُ المحاليلَ الضارةَ، إلى وظيفةِ تنظيفِ الفمِ مِن بقايا الطعامِ، إلى تليينِ اللسانِ في أثناءِ الكلامِ، إلى تليينِ اللقمةِ في أثناءِ المضغِ، إلى هضمِ أَوَّليٍّ لمحتوياتِ اللقمةِ، إلى ترطيبِ سطحِ الفمِ، ولولاهُ لكان التشقُّقُ والتقشُّر، {وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21] .
إنّ هذا اللعابَ الذي لا يَأْبَهُ له أحدٌ له تركيبٌ دقيقٌ، خلايا، غددٌ، وظائفُ منوعةٌ، كلّها من أجلِ أن تعيشَ حياةً كاملةً سويةً.
الفكّ واللسان وجهاز الهضم
التفكرُ في خلقِ السَّماواتِ والأرضِ، والتفكرُ في نفْسِ الإنسانِ، التي هي أقربُ شيءٍ إليه يُعَدُّ أوسعَ بابٍ للدخولِ على اللهِ، وأقربَ طريقٍ إليه، قال سبحانه وتعالى:{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ} [فصلت: 53] .
مِن آياتِ اللهِ في النفسِ أنّ هذا الفكَّ المتحرِّكَ فيه ستُّ عضلاتٍ تحرِّكُه نحوَ الأسفلِ، وستُّ عضلاتٍ تحرِّكُه نحوَ الأعلى، وعضلتان تحرِّكانِه يمنةً ويسرةً، وأربعُ عضلاتٍ تحرِّكُه أماماً وخلفاً، فالحركةُ علويةٌ، سفليةٌ، يمينيةٌ، ويساريةٌ، أماميةٌ، وخلفيةٌ، والإنسانُ يمضغُ الطعامَ، ويبتلعُه في حدودِ ألفين وأربعمئة مرة في اليومِ، وهناك جهازٌ للبلعِ بالغُ الدقةِ.
تتجدَّدُ مئةُ ألفِ خليةٍ من خلايا الفمِ في كلِّ دقيقةٍ، وفي اللسانِ سبع عشرةَ عضلةً، تمكِّنُه من الحركةِ في كلِّ الاتجاهاتِ لتحريكِ الطعامِ، انظر إلى العجَّانةِ كيف تدورُ، وكيف أنّ فيها خلاطاً يخلطُ العجينَ، كذلك الفمُ، حيثُ يتحرَّكُ الفكُّ السفليُّ يميناً ويساراً، أعلى وأسفلَ، أماماً وخلفاً، واللسانُ بمنزلة الخلاطِ الذي يتحرّكُ في كلِّ الاتجاهاتِ، ليخلطَ مقوِّماتِ اللقمةِ.
وموضوعُ البلعِ موضوعٌ دقيقٌ جداً، هناك اللهاةُ، وهناك لسانُ المزمارِ، فالإنسانُ حينما يبلعُ اللقمةَ تأتي اللهاةُ، وتغلقُ طريقَ الأنفِ - فتحتي الأنف الخَلفيتينِ - ويأتي لسانُ المزمارِ، ويغلقُ الحَنجرةَ، لكنْ وأنتَ نائمٌ بالليلِ يجتمعُ اللعابُ في فَمِكَ، وتجري عمليةٌ بالغةُ الدقّةِ، حيث إنّ هناك تنبيهاتٍ عصبيةٍ من الفمِ إلى البصلةِ السيسائيةِ، تجمعُ اللعابَ كثيراً، فيأتي الأمرُ للسانِ المزمارِ، واللهاةِ فتغلقان طريقَ الأنفِ، وطريقَ الحنجرةِ، وينتقلُ اللعابُ إلى المريءِ، كلُّ هذا يجري وأنت نائمٌ، والعناية الإلهية متيقظة.
إنّ عمليةَ البلعِ تحكمُها الأعصابُ القحفيةُ، السابعُ (الوجهي) ، والتاسع عشر، والحادي عشر، والثاني عشر، وكلُّها تمرُّ في جذعِ الدماغِ، فإذا أُصيبَ هذا المركزُ بالعطبِ لسببٍ أو لآخرَ ارتدَّ الطعامُ إلى الأنفِ، وخَرَجَ منه، وارتدَّ الطعامُ إلى الحنجرةِ، ومنها إلى الرئتين، وفي هذه الحالةِ يكون الموتُ المحقَّقُ بالاختناقِ.