الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأما قولُ النبيِّ عليه الصلاة والسلام في الحديثِ الصحيحِ: "لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ، حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلَاّ فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا"، فهذه الأوبئةُ الفتّاكةُ القاتلةُ التي ليست في أسلافِهم، ولحكمةٍ أرَادَها اللهُ عز وجل أنّ الجزاءَ مِن جنسِ العملِ، وأنّ هذه الأمراضَ الوبيلةَ التي هي رَدٌّ على انحرافِ البشرِ، لعلّها تردعُ الآخرين، وهذا من رحمةِ اللهِ عز وجل بالإنسانِ، وكان مِن الممكنِ أنْ يحاسبَ الإنسانَ على عملِه في الآخرةِ فقط، ولكنّ العقابَ الأليمَ الذي ينزلُ بساحةِ المذنبين في الدنيا هو ردعٌ لبقيةِ المذنبين، والمكافأةُ التي ينالُها المحسنُ في الدنيا هي تشجيعٌ لبقيةِ المحسنين، وهذا من رحمةِ اللهِ بنا، فكان من الممكنِ أن يُلغَى المرضُ في الحياةِ، واللهُ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وكان مِن الممكنِ أن يؤخَّرَ الحسابُ كلياً إلى يومِ القيامةِ، لكنّ حكمةَ اللهِ شاءت أن يعجِّلَ اللهُ لبعضِ الانحرافاتِ العذابَ في الدنيا، ليكون هذا العذابُ ردعاً لبقيةِ المسيئين، وأن يعجِّلَ بعضَ المكافأةِ لبعضِ عبادِه المحسنين في الدنيا، لتكونَ هذه المكافأةُ تشجيعاً لبقيةِ المحسنين.
ما مِن مشكلةٍ يعاني منها البشرُ، أفراداً وجماعاتٍ إلا بسببِ الخروجِ عن منهجِ الله، وما من خروجٍ عن منهجِ اللهِ إلا بسببِ جهلٍ تَلَبَّسَ به الإنسانُ.
قرحة السرير
من المعروف عند الأطبّاءِ أنّ مِن الأمراضِ الخطيرةِ التي يعاني منها المرضَى في المستشفياتِ (قرحةَ السريرِ) ، فالمرضى الذين تضطرُّهم أمراضُهم إلى البقاءِ طويلاً على السريرِ؛ ككسرِ الحوضِ مثلاً، وكسرِ العمودِ الفِقريِّ، والشللِ، وحالاتِ السُّباتِ الطويلةِ، هذه الحالاتُ المَرَضِيةُ تستوجبُ أن يبقى المريضُ مستلقياً على ظهرِه أياماً وشهوراً.
إنّ مِن مضاعفاتِ هذا الاستلقاءِ مرضاً خطيراً اسمُه (قرحةُ السريرِ) ، لأن اللحمَ، والجلدَ والنسيجَ ينضغطُ تحتَ الجلدِ من العظمِ في الداخلِ، والسطحِ الصلبيِّ من الخارجِ، هذا الضغطُ يمنعُ الترويةَ عن هذه الأنسجةِ فتموتُ، وينشأُ حولهَا تقرُّحاتٌ مزعجةٌ جداً.
لذلك ينصحُ الأطباءُ كلَّ مَن يستلقي على سريرِه لفترةٍ طويلةٍ أنْ يتقلَّبَ كلَّ ساعتين، فإذا بقيَ على جنبٍ واحدٍ، وبحالةٍ واحدةٍ ما يزيدُ على اثنتي عشرة ساعةً تبدأُ تقرُّحاتُ الجلدِ، ويبدأُ موتُ النسيجِ تحتَ الجلدِ، ولا وقايةَ لهذا المرضِ سوى تقليبِ المريضِ على كلِّ أنحائِه.
والذي يبعث على الاستغرابِ أنّ اللهَ سبحانه وتعالى جعلَ أهلَ الكهفِ يلبثون في كهفهِم ثلاثمئةٍ سنينَ وازدادوا تسعاً، دون أنْ يُصابوا بهذه التقرحاتِ! قال تعالى:
{وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ اليمين وَذَاتَ الشمال} [الكهف: 18] .
لولا هذا التقليبُ لتقرَّحتْ جلودُهم، ولماتتْ أنسجتُهم، ولماتوا، لكنْ هذه إشارةٌ قرآنيةٌ إلى أن الجسدَ لا يمكنُ أن يبقَى على حالةٍ واحدةٍ، ويقولُ العلماءُ والأطباءُ:"إنّ أكثرَ الأجزاءِ من الجسدِ إصابةً بهذا المرضِ الخطيرِ (قرحةِ السريرِ) المنطقةُ العجزيةُ، والأليتان، ولوحَا الكتفينِ، وكعبَا القدمين، هذه أماكنُ فيها عظامٌ، لأنّ العظامَ تضغطُ على المكانِ الصلبِ في السريرِ، فيُهرَس اللحمُ، وتنقطعُ الترويةُ، فيموتُ النسيجُ، ويَسْوَدُّ، ويتقرَّحُ الجلدُ".
ولا شكَّ أن الذين يبقون في أَسرَّتهم أياماً طويلةً قبلَ موتِهم، يُلاحَظُ عليهم أنّ لحمَهم يتساقطُ، لذلك:{وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ اليمين وَذَاتَ الشمال} .