الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إنّ التنفُّسَ في الإناءِ أحدُ أسبابِ العدوى، لذلك: نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَن النَّفْخِ في الشُّرْبِ، فَقَالَ رَجُلٌ: الْقَذَاةُ أَرَاهَا فِي الإِنَاءِ؟ قالَ: "أَهْرِقْهَا" قَالَ: فَإنِّي لَا أَرْوَى مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ، قَالَ:"فَأَبِنْ الْقَدَحَ - إذن - عَنْ فِيكَ"، وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ:"نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَن الشُّرْبِ مِنْ ثَلْمَةِ الْقَدَحِ، وَأَنْ يُنْفَخَ فِي الشَّرَابِ"، أي القدح المشعور، لأنّ هذه الثلمةَ تحتوي على الجراثيمِ، كما أَمَرَنا بقصِّ الأظافرِ، وأَمَرَنا بِدَلْكِ البراجمِ، رؤوسِ الأصابعِ، وكذلك مَن أكل فاكهةً دون أنْ يغسلَها فكأنه أكل الترابَ، وإذا أَتى أحدُكم الخلاءَ فلا يتمسَّحْ بيمينِه، لأن يمينَه يأكلُ بها، ويصافحُ الناسَ بها، فإذا تمسّحَ بيمينِه فقد نقلَ المرضَ إلى الناسِ كلِّهم، هذا من توجيهاتِ النبي صلى الله عليه وسلم، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنه سمع رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول:"لا يبولن أحدكم فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فيه".
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَ" قِيلَ: مَا الْمَلَاعِنُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "أنْ يَقْعُدَ أَحَدُكُمْ فِي ظِلٍّ يُسْتَظَلُّ فِيهِ، أَوْ فِي طَرِيقٍ، أَوْ فِي نَقْعِ ماءٍ".
هذه توجيهاتُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قبْل أن يكونَ هناك علمُ الجراثيمِ، وعلمُ الأمراضِ المعديةِ، وهذا تقريرُ منظَّمةٍ تُعنَى بالصحةِ على مستوى العالَمِ، ولا تهتمُّ إطلاقاً بأمرِ الدينِ، تقولُ: ثلاثةُ ملايين إنسانٍ يموتون كلَّ عامٍ، ولا ندري بهم نحنُ، يموتون بسببِ عدمِ نظافةِ اليدين، وعدمِ غسلِهما قبلَ الطعامِ، وعدمِ الاهتمامِ بالاستنجاءِ، فقد جاء هذا الدينُ الحنيفُ ليبيِّنَ للناسِ الصراطَ المستقيمَ، وإنّ هذا القرآنَ يهدي للتي هي أَقْوَمُ، وإنّ اللهَ يحبُّ التوابين، ويحبُّ المتطهِّرين.
العصاب
جاءَ في كتبِ علمِ النفسِ، ولا سيما كتبِ الأمراضِ النفسيةِ أنّ العُصابَ انفعالٌ لا يُعْرَفُ له أساسٌ تشريحيٌّ.
هو مرضٌ نفسيٌّ، أو هو مرضٌ وظيفيٌّ، ليس له أساسٌ عضويٌّ، في العُصابِ توترٌ نفسيٌّ مع احتفاظِ الشخصِ بسلامةِ قُواه العقليةِ؟
يقولُ علماءُ النفسِ: "إنّ من أهمِّ أنواعِ العُصاب عُصابَ القلقِ، وهو أكثرُ العُصاباتِ انتشاراً، يكونُ مؤقّتاً، ويكون مستمراً عَرَّفَهُ بعضُهم بأنه شعورٌ معمَّمٌ بالانزعاجِ البغيضِ، وتَرَقُّبِ الخطرِ، والخوفِ الناجمِ عن خطرٍ متوقَّعٍ مجهولِ المصدرِ".
اطَّلَعَ أحدُ الأدباءِ الكبارِ على مذكراتِ صديقٍ له من أهلِ الغِنَى، واليسارِ، والجاهِ، والشأنِ، يقولُ هذا الغنيُّ الكبيرُ:"إنني أعيشُ في خوفٍ دائمٍ، في رعبٍ من الناسِ، والأشياءِ، ورعبٍ مِن نفسي، لا الثروةُ أعطتْنِي الطمأنينةَ، ولا المركزُ الممتازُ أعطانِيهَا، ولا الصحّةُ، ولا الرجولةُ، ولا المرأةُ، ولا الحبُّ، ولا السهراتُ الحمراءُ، ضِقْتُ بكلِّ شيءٍ بعدَ أنْ جرَّبتُ كلَّ شيءٍ، إنني أكرهُ نفسي، وأخافُ من نفسي، ألا ترى الأشباحَ مِن حَوْلي؟ ألا تحسُّ بالخوفِ يفتحُ فمُه لِيَلْتَهِمَنِي؟ لِمَ هذا الخوفُ؟ الهمومُ ليست لي هموماً، إنّ كلَّ شيءٍ بين يديَّ، فلماذا أنا خائفٌ إذاً؟ ربما كنتُ خائفاً لأنه لا يوجدُ شيء أخافُ منه، إنني خائفٌ من المجهولِ الذي لا أعرفهُ، إنني تائهٌ في الحياةِ، لأنني بلغتُ قمةَ الحياةِ، إن الحياةَ الآن هي عَدُوِّي الأولُ، إنني أخافُ من الحياةِ نفسِها".
يقولُ علماءُ النفسِ، وهم يتحدَّثون عن حاجاتِ الإنسانِ:"الإنسانُ بحاجةٍ إلى الأمنِ، ولكنْ أين هو الأمنُ؟ سيوفُ الأمراضِ المُسَلَّطةِ على الناسِ لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى، خوفٌ من الورمِ الخبيثِ، خوفٌ من أزمةٍ قلبيةٍ، خوفٌ من عجزٍ، خوفٌ من شللٍ، خوفٌ على الرزقِ الناسُ بحاجةٍ إلى الأمن، وبحاجةٍ إلى النجاحِ، وبحاجةٍ إلى الحبِّ"، وقد أغفلَ علماءُ النفسِ أنَّ الإنسانَ قَبْلَ كلِّ هذه الحاجاتِ بحاجةٍ إلى الإيمانٍ، لأنك إذا آمنتَ اطمأنَنْتَ، أحببتَ الخَلْقَ كلَّهم، لأنهم عِيَالُ اللهِ، وإذا آمنتَ نجحتَ في تحقيقِ سرِّ وجودِك.
لقدْ فرَّقَ العلماءُ بين الخوفِ الإيجابيِّ، والخوفِ السلبيِّ، فإذَا خِفْتَ مِن اللهِ، واستقمتَ على أمرِه فمن أجلِ أنْ تطمئنَّ، إذاً الخوفُ من اللهِ طريقُ الطمأنينةِ، والأمنِ، والسعادةِ، والحبِّ، والنجاحِ، أمّا إذَا خِفْتَ ممّا سوى اللهِ فهو طريقُ الاضطرابِ، وطريقُ العصاب، وطريقُ الخسارةِ، قالَ اللهُ تعالى:{الذين آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ الله أَلَا بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب} [الرعد: 28] .
فلو أنّ اللهَ عز وجل قالَ: تطمئنُّ القلوبُ بذكرِ اللهِ، فبحسبِ اللغةِ تطمئنُّ بذكْرِه، وتطمئنُّ بذكْرِ غيرِه، أمّا حينما قدَّمَ ذِكْرَه على الطمأنينةِ فالقلوبُ لا تطمئنُّ إلا بذكْرِ اللهِ حصراً، لذلك قال تعالى في آياتٍ أُخَرَ:{إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعاً * إِلَاّ المصلين * الذين هُمْ على صَلَاتِهِمْ دَآئِمُونَ * والذين في أموالهم حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّآئِلِ والمحروم * والذين يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدين * والذين هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ * والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَاّ على أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المعارج: 19-30] .
محورُ هذا الموضوعِ أنّ أثْمنَ شعورٍ تملكُه في الحياةِ الدنيا أنْ تكونَ مطمئناً، أنْ تكونَ آمناً، فعَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِناً فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا".
سَأَلَ مَلِكٌ جبَّارٌ وزيراً له: مَن المَلِكُ؟ فقال: أنتَ، قال: لا، المِلكُ رجلٌ لا نعرفُه ولا يعرفُنا، له بيتٌ يؤويه، وزوجةٌ ترضِيه، ورزقٌ يكفِيه، إنّه إنْ عرَفنا جهدَ في استرضائنا، وإنْ عرفناه جهدنا في إذلالِه.