الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولأنّ قوةَ هذا العصرِ في العلمِ، بلِ إنّ الحربَ الحديثةَ ليست حرباً بين سَاعِدَيْن، بل هي حربٌ بين عَقْلَيْنِ، فينبغي أنْ يكونَ المسلمُ قويًّا، لأنّ الحقَّ الذي يحملُه يحتاجُ إلى قوّةٍ، فقد قال عليه الصلاة والسلام:"المُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ".
في القرآن والسنة
إنّ معجزةَ القرآنِ العلميةَ لتظهَرُ لأهلِ العلمِ في كلِّ مجالٍ من مجالاتِه، فهي ظاهرةٌ في نَظْمه، وفي إِخبارِه عن الأوّلِين، وفي إنبائِه بحوادثِ المستقبلِ، وفي ظهورِ حِكَمِ التشريعِ وغيرِها، ولقد شاعَ مصطلحُ الإعجازِ العلميِّ في عصرِنا، للدَّلَالةِ على أَوْجُهِ الإعجازِ في القرآنِ والسُّنةِ، والتي كشفتْ عنها العلومُ الكونيةُ، والمعجزةُ في اصطلاحِ العلماءِ: أمرٌ خارِقٌ للعادةِ، مَقرونٌ بالتحدِّي، سالِمٌ مِنَ المعارضةِ.
وإعجازُ القرآنِ يُقصَد به تحدِّي القرآنِ الناسَ أنْ يأتوا بمثلِه، ووصفُ الإعجازِ هنا بأنّه علميٌّ نسبةً إلى العلم، الذي هو حقيقةٌ، مقطوعٌ بها، تُطابِقُ الواقعَ، عليها دليلٌ، فإذا لم يكن مقطوعاً بها كانت وَهْماً، أو شكاً، أو ظنًّا، وإذا لم تطابِقِ الواقعَ كانت جهلاً، وإذا افتقرتْ إلى الدليلِ كانت تقليداً.
والإعجازُ هو إخبارُ القرآنِ الكريمِ أو السُّنَّةِ النبويةِ بحقيقةٍ أثْبتَها العلمُ التجريبيُّ، وثبتَ عدمُ إمكانيةِ إدراكِها بالوسائلِ البشريةِ، في زمنِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم، ممّا يُظهِرُ، ويؤكِّدُ صِدْقَه فيما أخبرَ به عن ربِّه سبحانه وتعالى، والمعجزةُ القرآنيةُ - بما تتضمنه من حقائقَ علميةٍ - دليلٌ على عالَميةِ الرِّسالةِ الإسلاميةِ.
لمّا كان الرُّسُلُ قبْل محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم يُبعَثون إلى أقوامِهم خاصّةً، ولأزمنةٍ محدودةٍ، فقد أيّدهم اللهُ ببيناتٍ حسيةٍ، مثلُ: عصا موسى عليه السلام، وإحياءِ الموتى بإذنِ الله على يدِ عيسى عليه السلام، وتستمرُّ هذه البياناتُ الحسِّيّةُ محتفِظةً بقوّةِ إقناعِها في الزمنِ المحدّدِ لرسالةِ كلِّ رسولٍ، حتى إذا تطاولَ الزمنُ، وتقادمَ، وتكدّرَ نبعُ الرسالةِ الصافي، اختفتْ قوّةُ الإقناعِ الحسِّيةُ، وبَعث الله رسولاً آخرَ بالدِّينِ الذي يرضاه، وبمعجزةٍ جديدةٍ، وبيِّنةٍ مشاهَدَةٍ، ولمّا خَتَمَ اللهُ النبوةَ بمحمّدٍ صلى الله عليه وسلم ضَمِنَ له حِفْظَ دِينِه، وأيّده ببيّنةٍ كبرى، تَبقى بين أيدي الناسِ إلى قيامِ الساعة، قال تعالى:
{قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شهادة قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هاذا القرآن لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ} [الأنعام: 19] .
وقال تعالى: {لاكن الله يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ} [النساء: 166] .
وفي هاتين الآيتين اللتين نَزَلَتا رداً على تكذيبِ الكافرين بنبوّةِ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم بيانٌ لطبيعةِ المعجزةِ العلميةِ التي تبقى بين أيدي الناسِ، وتتجدَّدُ مع كلِّ فتحٍ بشريٍّ، في آفاقِ العلومِ والمعارفِ، ذاتِ الصلةِ بمعاني الوحيِ الإلهيِّ.
وهكذا تَسْطَعُ بيِّنةُ الوحيِ المنزَّلِ على محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم بما نَزَل فيه مِن علمٍ إلهيٍّ يدرِكُه الناسُ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، ويتجدَّد على مرِّ العصورِ والدهورِ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام:"مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَاّ أُعْطِيَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثْلُه آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّما كَانَ الَّذِي أَوتِيتُهُ وَحْياً أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعاً يَوْمَ الْقِيَامةِ".
قال ابنُ حجرٍ عند شرحه لهذا الحديث: "رتّبَ هذا الكلامَ على ما تقدَّم مِن معجزةِ القرآنِ المستمرةِ لكثرة فائدتِه، وعمومِ نفعِه، لاشتمالِه على الدعوة والحُجّةِ والإخبارِ بما سيكونُ فعمَّ نفعُه مَن حَضَرَ، ومَن غابَ، ومَن وجدَ، ومن سيُوجد فَحَسُنَ ترتيب ذلك
…
وقيلَ: المرادُ أنّ معجزاتِ الأنبياءِ انقرضتْ بانقراضِ أعصارِهم فلم يشاهدْها إلا مَن حَضَرَها، ومعجزةُ القرآنِ مستمرةٌ إلى يومِ القيامةِ، وخرقُه للعادةِ في أسلوبِه، وبلاغتِه، وأخبارِه بالمغيّباتِ، فلا يمرُّ عصرٌ من الأعصارِ إلَاّ ويظهرُ فيه شيءٌ ممّا أخبرَ به أنه سيكونُ يدلُّ على صحةِ دعواه
…
".
ولأنّ القرآنَ معجزةٌ مستمرّةٌ لكلِّ الخَلْقِ إلى يومِ القيامةِ، فإنّ بينةَ القرآنِ العلميةَ يدرِكُها العربيُّ والأعجميُّ على حدٍّ سواءٍ، وتبقى ظاهرةً متجدِّدةً إلى قيام السّاعةِ، ففي القرآن أنباءٌ نعرفُ المقصودَ منها لأنّها بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ، لكنّ حقائقَها وكيفياتِها لا تتجلَّى إلا بعدَ حينٍ، قال تعالى:
{إِنْ هُوَ إِلَاّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ * وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ} [ص: 87-88] .
وشاءَ اللهُ أنْ يجعلَ لكلِّ نبإ زمناً خاصًّا يتحقّقُ فيه، فإذا تَجَلَّى الحَدَثُ ماثلاً للعيانِ أشرقَتِ المعاني التي كانت تدلُّ عليها الحروفُ والألفاظُ في القرآنِ، كما في قوله تعالى:
{لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [الأنعام: 67] .
ويبقَى النبأُ الإلهيُّ محيطاً بكلّ الصورِ التي يتجدّدُ ظهورُها عبْرَ القرونِ.
قال تعالى: {والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 8] .
لقد نزلَ القرآن في عصرِ انتشارِ الجهلِ وشيوعِ الخرافةِ، والكهانةِ، والسِّحرِ، والتنجيمِ في العالم كلِّه، وكان للعربِ النصيبُ الأوفى مِن هذه الجاهليةِ والأميّةِ كما بيَّن القرآنُ ذلك بقوله:
في ذلك العصرِ، وعلى تلك الأمّةِ نزَلَ الوحيُ، وفيه علمُ اللهِ، ويصفُ أسرارَ الخَلقِ في شتّى الآفاقِ، ويجلِي دقائقَ الخلْق في النفسِ البشريةِ، ويقرِّر البِدايَة في الماضي، ويصفُ أسرارَ الحاضرِ، ويكشفُ غيبَ المستقبلِ، الذي ستكونُ عليه سائرُ المخلوقاتِ.
وعندما دخلَ الإنسانُ في عصرِ الاكتشافاتِ العلميةِ، وامتلكَ أدَقَّ أجهزةِ البحثِ العلميِّ، وتمكَّنَ من حشدِ جيوشٍ من الباحثين في شتّى المجالاتِ، يبحثون عن الأسرارِ المحجوبةِ في آفاقِ الأرضِ والسماءِ، وفي مجالاتِ النفسِ البشريةِ، يجمعون المقدِّماتِ، ويرصُدون النتائجَ، في رحلةٍ طويلةٍ عبْرَ القرونِ، ولمّا أخذتِ الصورةُ في الاكتمالِ، والحقيقةُ في التجلِّي، وقعتِ المفاجأةُ الكبرى بتجلِّي أنوارِ الوحيِ الإلهيِّ، الذي نَزل على محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم قبْلَ أكثرَ من ألفٍ وأربعمئة عامٍ، بذكرِ تلك الحقيقةِ في آيةٍ مِنَ القرآنِ أو بعضِ آيةٍ، أو في حديثٍ أو بعضِ حديث، بدقّةٍ علميةٍ معجزةٍ، وبعباراتٍ مشرِقةٍ، وبهذا أنبأنا القرآنُ الكريمُ فقالَ:
وقال أحدُ العلماءِ: "وأمّا الطريقُ العيانِي فهو أن يرَى العبادُ مِن الآياتِ الآفاقيةِ والنفسيةِ ما يبيِّنُ لهم أنّ الوحيَ الذي بلَّغتْهُ الرسلُ عن اللهِ حقٌّ"، وقال عالِم آخرُ:"الآفاق: تعني أقطارَ السماوات والأرض؛ من الشمسِ والقمرِ والنجومِ والليلِ والنهارِ، والرياحِ والأمطارِ، والرعدِ، والبرقِ، والصواعقِ، والنباتِ والأشجارِ، والجبالِ، والبحارِ، وغيرها"، ورُوِيَ هذا عن عددٍ من أئمّةِ التفسيرِ.
فهذه آياتُ اللهِ في كتابِه تتحدّثُ عن آياتِه في مخلوقاتِه، وتتجلّى بمعجزةٍ علميةٍ بيّنةٍ تسطعُ في عصرِ الكشوفِ العلميةِ في آفاقِ الكونِ.
إنّنا على وعدٍ مِن اللهِ عز وجل، بأنْ يُرِيَنَا آياتِه، فيتحقَّقُ لنا بهذه الرؤيةِ العلمُ الدقيقُ بمعاني هذه الآياتِ، كما قال تعالى:
{وَقُلِ الحمد للَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا} [النمل: 93] .
وممّا سبَقَ يتبيّنُ لنا أن البشريةَ على موعدٍ من اللهِ، متجدّدٍ ومستمِرٍّ، بكشفِ آياتِه في الكونِ، وفي كتابِه، أمامَ الأبصارِ، لتقومَ الحجّةُ والبرهانُ، وتظهرَ المعجزةُ للعيانِ.
والفرقُ بين التفسيرِ العلميِّ والإعجازِ العلميِّ، هو أنّ التفسيرَ العلميَّ كشفٌ عن معانِي الآيةِ أو الحديثِ، في ضوءِ ما ترجَّحَتْ صحّتُه مِن حقائقِ العلومِ الكونيةِ.
أما الإعجازُ العلميُّ فهو إخبارُ القرآنِ الكريمِ، أو السنّةِ النبويةِ بحقيقةٍ أثبتَها العلمُ التجريبيُّ أخيراً، وثبتَ عدمُ إمكانيةِ إدراكِها بالوسائلِ البشريةِ، في زمنِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم.
قواعدُ وأسسُ أبحاثِ الإعجازَ العلميِّ:
1-
علمُ اللهِ، هو العلمُ الشاملُ المحيطُ الذي لا يعترِيه خطأٌ، ولا يشوبُه نَقصٌ، وعلمٌ الإنسانِ محدودٌ، وقابلٌ للازديادِ، ومُعَرَّضُ للخطإِ.
2-
هناك نصوصٌ من الوحيِ قطعيةُ الدَّلالةِ، كما أنّ هناك حقائقَ علميةً كونيةً قطعيةً.
3-
في الوحيِ نصوصٌ ظنيةٌ في دَلالتِها، وفي العلمِ نظرياتٌ ظنّيةٌ في ثبوتِها.
4-
لا يمكنُ أنْ يقعَ صِدامٌ بين قَطعِيٍّ مِن الوحي وقطعيٍّ مِن العلمِ التجريبيِّ، فإنْ وَقَعَ في الظاهرِ فلا بد أن هناك خلَلاً في اعتبار قطعيةِ أحدِهما، وهذه قاعدةٌ جليلةٌ قرَّرَها علماءُ المسلمين، وقد أَلَّفَ غيرُ واحدٍ مِنَ العلماءِ كُتباً تؤكِّدُ حتميةَ توافُقِ العقلِ مَع النقلِ.
عندما يُرِي اللهُ عبادَه آيةً من آياتِه في الآفاقِ أو في الأنفس مُصَدِّقَةً لآيةٍ في كتابِه، أو حديثٍ مِن أحاديثِ رسولِه صلى الله عليه وسلم يتّضحُ المعنى، ويكتملُ التوافقُ، ويستقرُّ التفسيرُ، وتُحدَّدُ دَلالاتُ ألفاظِ النصوصِ بمَا كُشِفَ من حقائقَ علميةٍ، وهذا هو الإعجازُ.
إنّ نصوصَ الوحي قد نزلتْ بألفاظٍ جامعةٍ، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ
…
" ممّا يدلُّ على أنّ النصوصَ التي وردتْ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم بكلِّ المعاني الصحيحةِ في مواضيعِها التي قد تَتَابَعَت في ظهورِها جيلاً بعد جيلٍ.
إذا وقعَ التعارضُ بين دَلالةٍ قطعيةٍ للنصِّ، ونظريةٍ علميةٍ، رُفِضَتْ هذه النظريةُ، لأنّ النصَّ وحيٌ مِن الذي أحاطَ بكلِّ شيء علماً، وإذا وقعَ التوافقُ بينهما كان النصُّ دليلاً على صحةِ تلك النظريةِ، وإذا كان النصُّ ظنياً، والحقيقةُ العلميةُ قطعيةً يُؤَوَّلُ النصُّ بها، وحيث لا يوجد مجالٌ للتوفيقِ فيُقدَّمُ القطعيُّ.
منهجيةُ أبحاثِ الإعجازِ العلميِّ في ضوءِ منهجِ السلفِ وكلامِ المفسِّرين:
إنّ كلامَ الخالقِ سبحانه عن أسرارِ خلْقِه في الآفاقِ وفي الأنفسِ غيبٌ قبْل أن يُرِيَنَا اللهُ حقائقَ تلك الأسرارِ، ولا طريقَ لمعرفةِ كيفياتها وتفاصيلِها قبلَ رؤيتِها، إلَا ما سمعْنَا عن طريقِ الوحيِ، وكان السلفُّ لا يتكلَّفون ما لا علمَ لهم به.
إنّ معانيَ الآيات المتعلِّقةِ بالأمورِ الغيبيةِ، ودِلالتَها اللغويةَ معلومةٌ، ولكنّ الكيفيَّاتِ والتفاصيلَ محجوبةٌ، وإنّ مَن وَصَفَ حقائقَ الوحيِ الكونيةَ بدقائِقها وتفاصيلِها بعدَ أنْ كشَفها الله وجلاّها للأعينِ غيْرُ مَن وَصَفها مِن خلالِ نصٍّ يسمعُهُ، ولا يَرَى مدلولَه الواقعيَّ، لأنّ وصفَ من سَمع وشاهَدَ غيرُ مَن سَمِعَ فقط.
ولقد وُفِّقَ السلفُ الصالحُ من المفسِّرين كثيراً في شرحِهم لمعنى الآياتِ القرآنيةِ على الرّغم من احتجابِ حقائِقها الكونيةِ، مع أنّ المفسِّرَ الذي يَصفُ حقائقَ وكيفيَّاتِ الآياتِ الكونيةِ في الآفاقِ والأنفسِ، وهي محجوبةٌ عن الرؤيةِ في عصرِه، قياساً على ما يَرَى من المخلوقاتِ، وفي ضوءِ ما سمعَ مِنَ الوحيِ، يختلفُ عن المفسِّرِ الذي كُشِفتْ أمامه الآيةُ الكونيةُ، فجمعَ بين ما سَمع من الوحيِ، وما شاهدَ في الواقعِ.
ونظراً لعدمِ خطورةِ ما يتقرّرُ في مجالِ الأمورِ الكونيةِ على أمرِ العقيدةِ يوم ذاك، لم يقف المفسِّرون بها عند حدودِ ما دلّت عليه النصوصُ، بل حاولوا شرْحَها بما يسَّرَ اللهُ لهم من الدرايةِ التي أُتيحَتْ لهم في عصورهم، وبما فَتَحَ اللهُ به عليهم من أفهامٍ، وكانت تلك الجهودُ العظيمةُ التي بَذَلَها المفسِّرون عبْرَ القرونِ لشرحِ نصوصِ الوحيِ المتعلِّقةِ بالأمورِ الكونيةِ - التي لم تُكشَفْ في عصرِهم - مبيّنَةً لمستوى ما وصلَ إليه الإنسانُ مِن علمٍ، في تلك المجالاتِ، ومبيِّنةً لمدى توفيقِ اللهِ لهؤلاءِ المفسِّرين، فإذا ما حانَ حينُ مشاهدةِ الحقيقةِ في واقعِها الكونيِّ، ظهرَ التوافقُ الجليُّ بين ما قرّره الوحيُ وما شاهدَتْه الأعينُ، وظهرتْ حدودُ المعارفِ الانسانيةِ المقيَّدةِ بقيودِ الحسِّ المحدودِ، والعلمِ البشريِّ المحدودِ بالزمانِ والمكانِ، وازدادَ الإعجازُ تَجَلِّياً وظهوراً.
وكَتَبَ اللهُ التوفيقَ للمفسِّرين فيما شرحوه من آياتٍ وأحاديثَ متعلقةً بأسرارِ الأرضِ والسماءِ، بفضلِ اهتدائهِم بنصوصِ الوحيِ المنزَّلِ، ممّن يعلمُ السرَّ في الأرضِ والسماءِ، ومسترشدين بما علَّمهم مِن دَلالاتِ الألفاظِ ومعاني الآياتِ.
أوجُهُ الإعجازِ العلميِّ:
1-
التوافقُ الدقيقُ بين ما في نصوصِ الكتابِ والسُّنةِ، وما كشفَه علماءُ الكونِ من حقائقَ وأسرارٍ كونيةٍ لم يكن في إمكان بشرٍ أنْ يعرفَها وقتَ نزولِ القرآنِ.
2-
تصحيحُ الكتابِ والسنةِ لِما شاعَ بين البشريةِ في أجيالِها المختلفةِ من أفكارٍ باطلةٍ حولَ أسرارَ الخَلقِ.
3-
إذا جُمِعَتْ نصوصُ الكتابِ والسنةِ الصحيحةِ المتعلِّقةُ بالكونِ وجدتَ بعضَها يكمِّلُ الَاخرَ، فتتجلَّى بها الحقيقةُ، مع أنّ هذه النصوصَ قد نزلتْ مفرَّقةً في الزمنِ، وفي مواضِعها من الكتابِ الكريمِ، وهذا لا يكونُ إلاّ مِن عندِ اللهِ الذي يعلمُ السرَّ في السماواتِ والأرضِ.
4-
سنُّ التشريعاتِ الحكيمةِ، التي قد تخفَى حكمتُها على الناسِ وقتَ نزولِ القرآنِ، وتكشِفُها أبحاثُ العلماءِ في شتَّى المجالاتِ.
5-
عدمُ الصِّدامِ بين نصوصِ الوحيِ القاطعةِ التي تصفُ الكونَ وأسرارَه - على كثرتِها - والحقائقِ العلميةِ المكتشفةِ - على وفرِتها - مع وجودِ الصِّدامِ الكثيرِ بين ما يقولُه علماءُ الكونِ من نظرياتٍ تتبدَّلُ مع تقدُّمِ الاكتشافَاتِ، ووجودِ الصِّدامِ بين العلمِ، وما قرّرتْه سائرُ الأديانِ المحرَّفةِ والمُبَدَّلةِ.
ضوابطُ البحثِِ في الإعجازِ العلميِّ في الكتابِ والسُّنةِ:
1-
أنْ تراعَى معاني المفرداتِ كما كانت في اللغةِ إبّانَ نزولِ الوحيِ، وأن تراعَى القواعدُ النحويةُ ودَلَالاتُها، وأنْ تراعَى القواعدُ البلاغيةُ وخصائصُها، ولاسيّما قاعدةُ:"أَلاّ يخرجَ اللفظُ مِنَ الحقيقةِ إلى المجازِ إلا بقرينةٍ كافيةٍ".
2-
البعدُ عن التأويلِ في النصوصِ المتعلِّقةِ بالإعجازِ العلميِّ في القرآنِ الكريمِ، ودَلالةِ نبوّةِ النبي صلى الله عليه وسلم.
3-
ألَاّ تُجعَلَ حقائقُ القرآنِ موضعَ نظَرٍ، بل أنْ تُجعَلَ الحقائقُ هي الأصل: فما وافقَها قُبِلَ، وما عارضَها رُفِضَ.
4-
ألاّ يُفَسَّرَ القرآنُ إلا باليقينِ الثابتِ مِنَ العلمِ، لا بالفروضِ والنظرياتِ التي ما تزالُ موضعَ فحصٍ وتمحيصٍ، أمّا الحدسيّاتُ والظنّياتُ فلا يجوزُ أنْ يُفَسَّرَ بها القرآنُ، لأنها عرضةٌ للتصحيحِ والتعديلِ، بل للإبطالِ في أيِّ وقتٍ.
وإذا كانَ النقصُ يعتري بعضَ الدراساتِ في مجالِ الإعجازِ العلميِّ في القرآنِ والسُّنةِ، فلا يصحُّ أنْ يكون ذلك حُكْماً ينسحِبُ عليها جميعِها، وإنّ هذا ليوجِبُ على القادرينَ مِن علماءِ الإسلامِ أنْ يسارِعوا إلى خدمةِ القرآنِ والسُّنةِ في مجالِ العلومِ الكونيةِ، كما خدَمَها السلفُ في مجالِ اللغةِ، والأصولِ، والفقهِ، وغيرِها من مجالاتِ العلومِ الشرعيةِ، فنحن أمامَ معجزةٍ علميةٍ كبرى تنحنِي أمامَها جِبَاهُ المنصفين من قادةِ العلومِ الكونيةِ في عصرِنا.
والطرَفُ الآخرُ مِن أعداءِ الإسلامِ اتّخذوا مِنَ المقولاتِ المرتجَلَةِ، والمتسرِّعةِ في موضوعِ الإعجازِ العلميِّ في الكتابِ والسُّنّةِ ذريعةً لا تُقَدَّرُ بثمنٍ - بالنسبةِ إليهم - لنقضِ آياتِ القرآنِ وأحاديثِ النبي صلى الله عليه وسلم، مِن خلالِ نقضِ النظريةِ العلميةِ الفجّةِ التي لم تثبتْ، فينبغي للباحثِ في الإعجازِ العلميِّ في الكتابِ والسنّةِ أنْ يبالغَ في التحقُّقِ والتثبُّتِ والتريُّثِ قبلَ أن يربطَ آيةً في كتابِ اللهِ، أو حديثاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمقولةٍ يتوهّمُ أنّها نتنمي إلى العلمِ، والعلمُ منها بَراءٌ.
ومجمَلُ القولِ: إنّ التفسيرَ العلميَّ للقرآنِ والسنةِ مرفوضٌ إذا اعتمدَ على النظرياتِ العلميةِ التي لم تثبتْ، ولم تستقِرَّ، ولم تصلْ إلى درجةِ الحقيقةِ العلميةِ المقطوعِ بها، ومرفوضٌ إذا خرجَ بالقرآنِ عن قواعدِ اللغةِ العربيةِ، ومدولولاتِ مفرداتها في زمنِ النبي صلى الله عليه وسلم، ومرفوضٌ إذا صَدر عن خلفيةٍ تعتمدُ العلمَ أصلاً، وتجعلُ القرآنَ تابعاً، مرفوضٌ إذا خالفَ ما دلَّ عليه القرآنُ في موضعٍ آخرَ، أو دلّ عليه صحيحُ السنّةِ، وهو مرفوضٌ ممّن هبَّ ودبَّ مِن الذين لم يتحقّقوا في أخذِهم، ولم يتثبَّتُوا في إلقائِهم، وهم يزعمون أنهم على علمٍ، والعلمُ منهم بَراءٌ؛ وهو مقبولٌ بعْد ذلك ممّن التزمَ القواعدَ المعروفةَ في أصولِ التفسيرِ والتزمَ ما تفرضه حدودُ اللغة، وحدودُ الشريعةِ، وامتازَ بالتحرِّي، والاحتياطِ، والضبطِ الذي يلزم كلَّ ناظرٍ في كتابِ اللهِ، وهو مقبولٌ ممّن رَزَقه اللهُ علماً بالقرآنِ والسنةِ، وعلماً بالسننِ الكونيةِ معاً، فلا بد من أن يكونَ النصُّ الذي هو موضعُ الإعجازِ قطعيَ الثبوتِ والدَّلالةِ، وأنْ يكونَ الجانبُ العلميُّ مقطوعاً بصحّتِه، وأنْ يكونَ التطابقُ عفوياً وتامًّا، لا مفتعلاً أو متكلَّفاً.
أهميةُ أبحاثِ الإعجازِ العلميِّ وثمارُها:
إذا كان المعاصرون لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قد شاهَدوا بأعينِهم كثيراً مِن المعجزاتِ، فإنّ اللهَ أَرَى أهلَ هذا العصرِ معجزةً لرسولِه تتناسبُ مع عصرِهم، ويتبيَّنُ لهم بها أنّ القرآنَ حقٌّ، وتلك البيِّنةُ هي بيِّنةُ الإعجازِ العلميِّ في القرآنِ والسُّنّةِ، وأهل عصرِنا لا يذعنون لشيءٍ كإذعانِهم للعلمِ، على اختلافِ أجناسِهم وأديانِهم.
لقد جعلَ اللهُ النظرَ في ملكوتِ السماواتِ والأرض، الذي تقومُ عليه العلومُ التجريبيّةُ طريقاً إلى الإيمانِ به، وطريقاً إلى الإيمانِ برسولِه، وطريقاً إلى الإيمانِ بدينِه الحقِّ، الذي يدعو إلى العلمِ، والعلمُ يدعو إليه.
وإنّ بإمكان المسلمين أنْ يتقدَّموا لتصحيحِ مسارِ العلمِ في العالَمِ، ووضعِه في مكانِه الصحيحِ، وجعلِه طريقاً إلى الإيمانِ باللهِ ورسولهِ، ومصدّقاً لِما في القرآنِ، ودليلاً على أحقِّيَّةِ الإسلامِ.
إنّ التفكُّرَ في خلقِ السماواتِ والأرضِ عبادةٌ من أجلِّ العباداتِ، والتفكُّرَ في معاني الأحاديثِ عبادةٌ مِن أرفعِ المستويات، وتقديمَها للناسِ دعوةٌ خالصةٌ إلى اللهِ خالقِ الأرضِ والسماواتِ، وهذا كلُّه متحقّقٌ في بحوثِ الإعجازِ العلميِّ في القرآنِ والسنّةِ، وهذا مِن شأنِه أيضاً أنْ يحفّزَ المسلمين إلى اكتشافِ أسرارِ الكونِ، بدوافعَ إيمانيةٍ تعبُرُ بهم فترةَ التخلُّفِ التي عاشوها حقبةً من الزمنِ في هذه المجالاتِ، وسيجدُ الباحثون المسلمون في كلامِ الخالقِ عن أسرارِ مخلوقاته أدلّةً تهديهم في أثناءِ سَيْرِهم في أبحاثهم، تقرِّبُ لهم النتائجَ، وتوفِّرُ لهم الجهودَ.
إذَا علِمنَا أهميَّةَ هذه الأبحاثِ في تقويةِ إيمانِ المؤمنين، ودفعِ الفتنِ التي أَلْبَسها الإلحادُ ثوبَ العلمِ عن عقولِ المسلمين، وفي دعوةِ غيرِ المسلمين إلى هذا الدِّينِ القويم، وفي فهْمِ ما خُوطِبْنَا بهِ في القرآنِ الكريمِ والسنّة الصحيحةِ، وفي حفزِ المسلمين إلى الأخذِ بأسبابِ النهضةِ العلميةِ التي تتوافقُ مع الدين؛ تبيَّنَ مِن ذلك كلِّه أنّ القيامَ بهذه الأبحاثِ مِن أهمِّ فروضِ الكفاياتِ.