المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌المقدمات

- ‌الإعجاز

- ‌العلم

- ‌في القرآن والسنة

- ‌قصة هذا الكتاب

- ‌الإنسان

- ‌أليس الكون معجزة

- ‌جسم الإنسان

- ‌خلق الإنسان في أحسن تقويم

- ‌التوازن بين الذكور والإناث

- ‌وليس الذكر كالأنثى

- ‌التوازن في كل شيء خلقه الله

- ‌عدد الخلايا وأعمارها

- ‌أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون

- ‌أجراس الإنذار المبكر في الجسم البشريّ

- ‌الثوابت والمتغيرات في جسم الإنسان

- ‌الساعة البيولوجية لدى الإنسان

- ‌جهاز التكييف والتبريد في جسم الإنسان

- ‌جهاز التعرق عندَ الإنسان

- ‌كيف تواجه العضوية البرد

- ‌بصمات الإنسان سجل وهوية وتوقيع

- ‌علم النفس الإسلامي

- ‌اليأس، والنفاق، والإحباط في علم النفس الإسلامي

- ‌تأثير الفرح والحزن على النفس

- ‌اللون الأخضر

- ‌علاقة الغضب بالصحة

- ‌النوم

- ‌النوم المبكر

- ‌ومن آياته منامكم بالليل

- ‌النوم على الشّقّ الأيمن

- ‌النوم المديد

- ‌الصلاةُ

- ‌علاقة الصلاة بصحة الجسد

- ‌الصلاة والدعاء يخففان ألم المرض ويساعدان على الشفاء

- ‌فيتامين (د) وعلاقته بالصلاة

- ‌العلاقة بين الوضوء ومرض التراخوما

- ‌الوضوء وفوائده الصحية

- ‌الصوم

- ‌الصوم بين أمر الله التعبدي وفوائده الصحية

- ‌الصيام دورة وقائية وعلاجية

- ‌الصيام وآلية الهضم

- ‌بعض وصايا النبيّ صلى الله عليه وسلم الصحية السحور والإفطار

- ‌العلاقة بين أيام البيض وصيامها طبيا

- ‌الحمل والجنين والولادة

- ‌علم الوراثة في السنة النبوية

- ‌من إعجاز القرآن علم الأجنة

- ‌تطابق علم الأجنة مع الحديث النبوي الشريف

- ‌ما من كل الماء يكون الولد

- ‌ثم جعلناه نطفة في قرار مكين

- ‌مراحل الحمل الثلاث

- ‌السائل الأمنيوسي

- ‌المشيمة غشاء عاقل أم تقدير إلهي

- ‌الحمل وانقطاع الطمث

- ‌الجنين ومشاعره

- ‌الشّدّة النفسيّة في أثناء الحمل سبب في تشوه الجنين

- ‌حنان الأم وحليبها

- ‌التعليل العلميّ لقاعدة "يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب

- ‌الهيكل العظمي

- ‌وانظر إلى العظام

- ‌الهيكل العظميّ للإنسان

- ‌العظام والسلاميات في يد الإنسان

- ‌ارتباط عظم الفخذ بعظم الحوض

- ‌العضلات

- ‌الدماغ

- ‌الدماغ ونعمة الانتباه والاعتياد

- ‌المخيخ

- ‌ثبات خلايا الدماغ

- ‌من بديع آلاء الله…القشرة المخيّة

- ‌مادة يفرزها الدماغ تعطل الألم (بوابات الألم)

- ‌الذاكرة

- ‌الحواس الخمس

- ‌غضّ البصر

- ‌غشاء الطبل في الأذن

- ‌إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا

- ‌وظيفة العينين والأذنين

- ‌حاسة الشم وتركيبها

- ‌مركز التذوق في الدماغ

- ‌‌‌القلب

- ‌القلب

- ‌القلب وكيس التامور وخاصة التجلط في الدم

- ‌جهاز الدوران في الجسم

- ‌الشرايين والأوردة

- ‌مكونات الدم

- ‌الغدد

- ‌الغدة النخامية

- ‌الغدة الصنوبرية

- ‌الغدة الصعترية التيموس

- ‌البنكرياس ومرض السكري

- ‌الطحال

- ‌جهاز الهضم

- ‌تركيب اللعاب ووظائفه

- ‌الفكّ واللسان وجهاز الهضم

- ‌لسان المزمار

- ‌الغشاء البريتواني، والإحساس بالألم

- ‌المعدة وعامل "كاسل

- ‌جهاز الكبد منطقة صناعية كاملة

- ‌الشّرب الصّحّيّ

- ‌جهاز التنفس

- ‌الأفعال الإرادية واللاإرادية التنفس

- ‌ الرئتان

- ‌الحنجرة وعتبة الحواس

- ‌جهاز الإفراز

- ‌الكليتان وشكر نعمتهما

- ‌الكليتان جهاز تصفية البول

- ‌الكلية وعلاقتها بالملح

- ‌المثانة

- ‌الجلد والشعر

- ‌اختلاف ألوان البشر وعلاقته بالميلانين

- ‌الشيب نور المؤمن

- ‌مواقع الإحساس في الجلد

- ‌جهاز المناعة

- ‌الكريّات الحمراء

- ‌الشفاء الذاتيّ

- ‌لا عدوى

- ‌الأمراض والطب

- ‌الطبّ في الإسلام

- ‌لكلّ داء دواء يستطبّ به

- ‌العبادات شفاءٌ من أمراض كثيرة وهي معللة بمصالح الخلق

- ‌الأطباء يتخلّون عن الفصل بين الدين والعلم

- ‌الحجامة: فوائدها واستطباباتها

- ‌أمراض القذارة

- ‌العصاب

- ‌مرض نقص الألياف

- ‌مرض الإيدز

- ‌آكلة لحوم البشر

- ‌قرحة السرير

- ‌التدخين أخطر وباء عالميّ

- ‌أثر التدخين في القلب والشرايين

- ‌التدخين السلبيّ

الفصل: ‌الطب في الإسلام

فالنبيُّ لا ينفي العدوى، ولكنْ ينفِي أن تكونَ العدوى سبباً للمرضِ، أَمَرَنا أن نأخذَ الوقايةَ، ولكن العدوى وحْدَها لا تكفي لنقلِ المرضِ، لأنّ هناك حالاتٍ كثيرةً لا تكفي العدوى فيها للمرضِ، هذه التوجيهاتُ النبويةُ من أدقِّ التوجيهاتِ العلميةِ، لأنه صلى الله عليه وسلم لا ينطقُ عن الهوى، لأنّ في تعليماتِه تعليماتِ الصانعِ.

‌الأمراض والطب

‌الطبّ في الإسلام

إنّ الإسلامَ دينُ الفطرةِ، يحرصُ في تعاليمهِ على صحّةِ الجسدِ، وطهرِ النفسِ، ويوازنُ بينَ المادةِ والروحِ، والحاجاتِ والقيمِ، ويهدفُ إلى إصلاحِ الدنيا، وإصلاحِ الآخرةِ، لأنّ الأولى مَطِيةُ الثانيةِ. إنّ صحةَ الجسدِ معتمدةٌ على سلامةِ النفسِ وسموِّها، ومنطلقٌ لصحةِ العقلِ وتفوُّقِه، فاللهُ سبحانه وتعالى جعلَ صحةَ الجسدِ، وقوّتَه، ورجاحةَ العقل، واستنارتَه علّةَ الاصطفاءِ، فقال تعالى:{وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قالوا أنى يَكُونُ لَهُ الملك عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بالملك مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ المال قَالَ إِنَّ الله اصطفاه عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي العلم والجسم والله يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 247] .

وقد بيَّن لنا المولى جلَّ وعلا أنّ القوةَ والأمانةَ، وبلُغةِ العصرِ الكفاءةُ والإخلاصُ هما المقياسان الصحيحان اللذان نقيسُ بهما الأشخاصَ حينما نقلِّدُهم بعضَ الأعمالِ، وقد جاء هذان المقياسان في القرآن الكريم، قال تعالى:{قَالَتْ إِحْدَاهُمَا ياأبت استأجره إِنَّ خَيْرَ مَنِ استأجرت القوي الأمين} [القصص: 26] .

ص: 194

والنبيُّ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه قالَ: "

المُؤمِنُ القَويُّ خَيرٌ وأحبُّ إلى الله مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ

"، ولم يقل: الإنسانُ القويُّ خيرٌ من المؤمنِ الضعيفِ، لأنّ القوةَ مِن غيرِ إيمانٍ مدمِّرةٌ لصاحبها وللمجتمعِ، ولكنّ القوةَ إذا أُضيفتْ إلى الإيمانِ فإنّها تصنعُ المعجزاتِ الخيراتِ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "الْمُؤمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمْؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ باللهِ، وَلَا تَعْجَزْ، وَإَنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإَنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ".

بل إنّ النبيِّ عليه الصلاة والسلام جَعَلَ صحةَ الجسدِ ثُلثَ الدنيا، فعَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِناً فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا".

والإمام علي رضي الله عنه جَعلَ مِن المرضِ مصيبةً أشدَّ مِن الفَقرِ، وأهونَ من الكفرِ، وجعلَ من الصحةِ نعمةً أفضلَ من الغنى، وأقلَّ من الإيمان، فقال:(أَلا وَإنّ مِنَ البلاءِ الفاقةَ، وأشدُّ من الفاقةِ مرضُ البدنِ، وأشدُّ من مرضِ البدنِ مرضُ القلبِ، ألا وإنّ من النعمِ سَعةَ المالِ، وأفضلُ من سعةِ المال صحةُ البدنِ، وأفضلُ من صحةِ البدن تقوى القلبِ) .

إنّ الطبَّ في الإسلامِ طبٌّ طبيعيٌّ، وطبٌّ نفسيٌّ، وطبٌّ وقائيٌّ، وطبٌّ علاجيٌّ.

ص: 195

فمِن الطبِّ الطبيعيِّ أنّ شخصيةَ المسلمِ مرتكزةٌ على العطاءِ لا على الأخذِ، ومرتكزةٌُ على بذلِ الجهدِ لا على استهلاكِ جهد الآخرين، ومرتكزةٌ على العملِ لا على الأملِ، وعلى الإيثارِ لا على الأثرةِ، وعلى التضحيةِ لا على الحرصِ، وعلى إنكارِ الذاتِ لا على تأكيدِها، وإنّ بذْلَ الجهدِ في حدِّ ذاتِه صحةٌ، وأيُّ صحةٍ.

ففي بعضِ المؤتمراتِ الطبيةِ التي عُقدت للبحثِ في أمراضِ القلبِ اتفّقَ المؤتمرون على أنّ صحةَ القلبِ في بذل الجهدِ وراحةِ النفسِ، وأنّ طبيعةَ العصرِ الحديثِ تقتضي الكلَ العضليَّ، والتوترَ النفسيَّ، وهما وراء تفاقمِ أمراضِ القلبِ في معظمِ البلدانِ المتقدمةِ تقدماً مادياً.

إنّ بذْلَ الجهدِ في حدِّ ذاتِه صحةٌ للقلبِ والأوعيةِ، وصحةٌ للعضلاتِ والأجهزةِ، وقد كان النبيُّ صلوات الله وسلامُهُ عليه قدوةً لنا في هذا المضمارِ، فقد وجدَ في بعضِ الغزواتِ أنّ عددَ الرواحلِ لا يكفي أصحابَه، فأمرَ أنْ يتناوبَ كلُّ ثلاثةٍ على راحلةٍ، ثمّ قال:"أَنَا وَعَلِيٌّ وَأَبُو لُبَابَةَ عَلَى رَاحِلَةٍ"، مُسَوِّياً نفسَه مع أصحابِه في بذلِ الجهدِ، ولما جاء دورُه في المشيِ عَظُم على صاحِبَيْه أنْ يركَبَا، ويمشيَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وهو قمّةُ المجتمعِ الإسلاميِّ، فقالا:"يَا رَسُولَ اللهِ، ابْقَ رَاكِباً"، فقال قولَتَه الشهيرةَ:"مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى مِنِّي عَلَى السَّيْرِ، وَلَا أَنَا بِأَغْنَى مِنْكُمَا عَنِ الأَجْرِ".

إنّ بذلَ الجهدِ صحةٌ للقلبِ والأوعيةِ، وصحةٌ للعضلاتِ والأجهزةِ، وصحّةٌ للحياةِ الاجتماعيةِ، وتمتينٌ لأواصرِها، وإنّ بذلَ الجهدِ فهمٌ صحيحٌ لحقيقةِ الحياةِ الدنيا، التي هي دارُ تكليفٍ، أمّا الآخرةُ فهي دارُ تشريفٍ.

هذا بعض ما في الطب الطبيعي.

ص: 196

أما عن الطبِّ النفسيِّ فإن أمراضاً كثيرةً بعضُها عضالٌ، وبعضُها مميتٌ، كأمراضِ القلبِ والشرايينِ، وأمراضِ جهازِ الهضمِ، والكُليتين، والأمراضِ النفسيةِ والعصبيةِ إنما ترجعُ أسبابُها الرئيسيةُ إلى أزماتٍ نفسيةٍ يعاني منها إنسانُ الشركِ في العصرِ الحديثِ، فمَن أشركَ باللهِ قَذَفَ اللهُ في قلبه الرعبَ، قال تعالى:{سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب بِمَآ أَشْرَكُواْ بالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النار وَبِئْسَ مثوى الظالمين} [آل عمران: 151] .

فتوقُّع المصيبةِ مصيبةٌ أكبرُ منها، وأنت مِن خوفِ الفَقرِ في فقرٍ، وأنت مِن خوفِ المرضِ في مرضٍ، قال تعالى:{إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعاً * إِلَاّ المصلين * الذين هُمْ على صَلَاتِهِمْ دَآئِمُونَ * والذين في أموالهم حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّآئِلِ والمحروم * والذين يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدين} [المعارج: 19-26] .

ويرَى الأطباءُ أنّ ضغطَ الدمِ هو في حقيقته ضغطُ الهمِّ، وأنّ الإنسانَ إذا غفلَ عن حقائقِ التوحيدِ، وسقطَ في هوّةِ الشركِ، فقد فُتِحَتْ عليه أبوابٌ من العذابِ النفسيِّ، قال سبحانه وتعالى:{فَلَا تَدْعُ مَعَ الله إلاها آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المعذبين} [الشعراء: 213] .

فالإيمانُ باللهِ خالقاً، ومربِّياً، ومسيِّراً.. وإنه سبحانه إليه يُرجعُ الأمرُ كلُّه، هذا الإيمانُ يملأ النفسَ شعوراً بالأمنِ الذي هو أثمنُ وأسعدُ ما في الحياةِ النفسيةِ، ويدفعُ عنها القلقُ الذي يدمِّرُها، والذي يجعلُ الحياةَ النفسيةَ جحيماً لا يُطاق، قال سبحانه:{وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سلطانا فَأَيُّ الفريقين أَحَقُّ بالأمن إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الذين آمَنُواْ وَلَمْ يلبسوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أولائك لَهُمُ الأمن وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} [الأنعام: 81-82] .

ص: 197

فإذا كانتِ السلامةُ تعني عدمَ وقوعِ المصيبةِ، فإن الأمنَ يعني عدمَ توقعِ المصيبةِ، قال تعالى:{قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَاّ مَا كَتَبَ الله لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون} [التوبة: 51] .

هذا الإيمانُ يملأ النفسَ طمأنينةً إلى عدالةِ اللهِ سبحانه وتعالى، فبيدِه مقاليدُ الأمورِ كلُّها، فلا يظلمُ الناسَ شيئاً، {وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وكفى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47] ، وهو سبحانه يدافعُ عن الذين آمنوا، وينجِّيهم مِن كلِّ كرْبٍ، وينصرُهم على عدوِّهم.

هذا الإيمانُ يملأُ النفسَ شعوراً بالنجاحِ، والفلاحِ، والتفوُّقِ، والفوزِ برضاءِ اللهِ الذي يعدُّ أثمنَ نجاحٍ يحقِّقُه الإنسانُ على وجهِ الأرضِ.

وهذا الإيمانُ يملأُ النفسَ راحةً، وتسليماً وتفويضاً، وتوكُّلاً ورضاً بقضاءِ اللهِ الذي لا يقضي لعبدِه المؤمنِ إلا بالحقِّ والخيرِ، وقد رُوِيَ:"الإِيمَانُ بِالْقَدَرِ يُذْهِبُ الْهَمَّ وَالْحَزَنَ".

هذه المشاعر تحقِّقُ سعادةً نفسيةً، وسعادةً لا يعرفُها إلا مَن ذَاقَها، فالصحّةُ النفسيةُ أساسُ صحّةِ الجسدِ، حتّى قيل:"إنَّ الرحمةَ النفسيةَ كافيةً لإعادةِ ضرباتِ القلبِ السريعةِ إلى اعتدالِها، وضغطِ الدمِ المرتفعِ إلى مستواه الطبيعيِّ".

إنّ الطبَّ الوقائيَّ في الإسلامِ ينطلقُ مِن أنّ إزالةَ أسبابِ المرضِ أَجْدَى وأهونُ من إزالةِ أعراضِه، وأنّ المرضَ، وإنْ زالتْ أعراضُه بالدواءِ فإنّ له آثاراً جانبيةً في وقتٍ لاحقٍ، تظهر على شكل أمراض قلبيةٍ ووعائيةٍ وكلويةٍ دونَ سببٍ مباشرٍ.

ص: 198

ويعدُّ الطبُّ الوقائيُّ سيّدَ الطبِّ البشريِّ كلِّه، لأنّ قوةَ الأمةِ تتجلّى في قوةِ أفرادِها، وإنّ دَخْلَها يُقاسُ بدخْلِهم، وإنّ الأمةَ التي تنزلُ بساحتِها الأمراضُ أو تستوطِنُها الأوبئةُ تتعرَّضُ لخسرانٍ كبيرِ، سواءٌ في هذه القُوى البشريةِ المريضةِ المعطَّلَةِ التي كان مِن الممكنِ أنْ تسهمَ جهودُها في زيادةِ دخلِها، أو في هذه الأموالِ الطائلةِ التي تنفَقُ في معالَجةِ هذه الأمراضِ، والتي كان مِنَ الممكنِ أن تُنفَقَ في بناءِ الوطنِ، فتسهمَ في منعتِه، ورفعتِه.

ويضافُ إلى هذا أنّ ثمنَ معظمِ الدواءِ يُستهلكُ نقداً أجنبياً صعباً نحنُ في أشدِّ الحاجةِ إليه لتنفيذِ المشروعاتِ الإنتاجيةِ التي تعودُ بالنفعِ العامِّ على الأمّةِ.

وإنّ معالجةَ مريضِ السّلِّ تستمرُ وسطياً تسعةَ أشهرٍ، وتكلِّفُ المريضَ والدولةَ أموالاً وإمكاناتٍ كبيرةٍ، إضافةً إلى ما يعانيه المريضُ من العذابِ والقلقِ، أمّا الوقايةً مِن هذا المرضِ فلا تحتاجُ إلاّ إلى لقاحٍ يكلِّفُ بضعةَ قروشٍ.

إنّ النظافةَ مِنِ الطبِّ الوقائيِّ، وقد أمرَ الإسلام بها، فهي تقِي مِن انتقالِ كثيرٍ مِنَ الأمراضِ المُعْدِيةِ، التي تنتقلُ بتلوُّثِ الأيدِي، كالكوليرا، والزحارِ، والالتهابِ المعويِّ.

والنظافةُ تنشِّطُ الدورةَ الدمويةَ بتنبيهِ الأعصابِ، وتدليكِ الأعضاءِ، وتحفظُ وظائفَ الجلدِ أن تتعطّلَ، إضافةً إلى أثرِ النظافةِ في بناءِ الشخصيةِ، وفي العلاقات الاجتماعية.

فاللهُ سبحانه وتعالى حثّنا عليها، وجعلَها سبباً لمحبته، فقال تعالى:{إِنَّ الله يُحِبُّ التوابين وَيُحِبُّ المتطهرين} [البقرة: 222] .

وقد فهم الإمام الغزالي هذه الآية على أربع مستويات:

الأول: تطهيرُ الظاهرِ مِن الأحداثِ والأخباثِ.

الثاني: تطهيرُ الجوارحِ مِن المعاصي والآثامِ.

الثالث: تطهيرُ النفسِ مِن الأخلاقِ الذميمةِ والرذائلِ الممقوتةِ.

الرابع: تطهيرُ النفسِ ممّا سوى اللهِ.

وقد رُويَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنّ بركَة الطعام بغسلِ اليدين قبلَه: "بَرَكَةُ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ وَالْوُضُوءُ بَعْدَهُ".

ولا يخفى أنّ وضوءَ الطعامِ هو غسلُ اليدين والفمِ.

ص: 199

وقد جعل النبيُّ غسلَ الجمعةِ واجباً فقال عليه الصلاة والسلام: "حقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أنَّ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أيَّامٍ يَوْماً يَغْسِلُ فِيهِ رأَسَهُ وَجَسَدَهُ".

ولا أدلَّ على أهمِّيةِ النظافةِ في الإسلامِ مِن أنّه جعَلها شرطاً لصحة الصلاةِ، قال سبحانه:{يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فاطهروا وَإِن كُنتُم مرضى أَوْ على سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ الغائط أَوْ لَامَسْتُمُ النسآء فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ ولاكن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 6] .

وقد تفضَّلَ اللهُ سبحانه علينا بالماءِ الطَّهورِ، أيْ الطاهرُ المطهِّرُ لنتطهَّرَ به، قال تعالى:{وَهُوَ الذي أَرْسَلَ الرياح بُشْرَاً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَآءً طَهُوراً} [الفرقان: 48]، وقال سبحانه:{إِذْ يُغَشِّيكُمُ النعاس أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السمآء مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان وَلِيَرْبِطَ على قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقدام} [الأنفال: 11] .

والاعتدالُ في الطعامِ والشرابِ وسائرِ المباحاتِ مِن الطبِّ الوقائيِّ، قال تعالى:{يابنيءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ واشربوا وَلَا تسرفوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ المسرفين} [الأعراف: 31] .

فنصُّ الآيةِ يأمرُ بالاعتدالِ في الطعامِ والشرابِ، لكنّ النهيّ عن الإسرافِ لم يقيَّدْ بالطعامِ والشرابِ، بل أُطلِقَ ليشملَ كلَّ شيءٍ، والمُطْلَقُ في القرآنِ على إطلاقِه.

ص: 200

وقد بيَّنَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم حدودَ هذا الاعتدالِ فقال: "مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرّاً مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ".

ومعروفٌ طبيّاً وفي علمِ الغذاء: "أنّ عُشرَ ما نأكلُه يكفي لبقائِنا أحياءً، وإنّ تسعةَ أعشارِ ما نأكلُه يكفي لبقاءِ الأطباءِ أحياءً".

وقد بيَّن المصطفى صلواتُ اللهِ عليه أنّ لذّةَ الطعامِ لا تُحصَّلُ باختيارِ أَنْفُسِ الأطعمةِ وَأطيبِها، ولكنها تُحصَّلُ بحالةٍ تلابِسُ الآكلَ، ألا وهي الجوعُ.

والاعتدالُ في الطعامِ والشرابِ وسائرِ المباحاتِ أصلُ الطبِّ الوقائيِّ.

وفي الإسلامِ طبٌّ علاجيٌّ.. وهو تعاطي الدواءِ، والأخذُ بأسبابِ الشفاءِ، والطبُّ العلاجيُّ موافِقٌ للعقلِ والشرعِ؛ فهو موافقٌ للعقلِ لأنّ في استعمالِ الدواءِ جلباً للمنافعِ، ودفعاً للمضارِّ، وموافقٌ للشرعِ، لقولِ اللهِ تعالى:{وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 80] .

وقد بيَّنَ النبيُّ الكريمُ صلى الله عليه وسلم ما تنطوي عليه هذه الآيةَ، فقال:"تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللهَ لَمْ يُنْزِلْ دَاءً إِلا أنْزَلَ لَهُ شِفَاءً، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ".

وقد بيَّنَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنّ الشفاءَ مِنَ المرضِ يحتاجُ إلى شرطين اثنين:

الأول: صحةُ تشخيصِ الداءِ، وصحةُ اختيارِ الدواءِ لهذا الداءِ، وهذا شرطٌ لازمٌ غيرُ كافٍ.

والثاني: إذنٌ مِنَ اللهِ لهذا الدواءِ أنْ يفعلَ فعْلَه، فيزيلَ أسبابَ المرضِ وأعراضَه، لهذا قال عليه الصلاة والسلام:"لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى".

إنّ الطبيبَ له علمُ يدلُّ بهِ

إنْ كانَ للناسِ في الآجالِ تأخيرُ

حتّى إذَا ما انقضتْ أيّامُ رِحلتِه

حارَ الطبيبُ وَخانَتْه العقاقيرُ

ص: 201

والتدَاوِي لا يتناقضُ مع الإيمانِ بالقدرِ، ولا يتناقضُ مع التوكَّلِ، فقد روى البخاري عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطََّابِ رضي الله عنه خَرَجَ إِلَى الشَّأْمِ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الأَجْنَادِ، أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِأَرْضِ الشَّأْمِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقَالَ عُمَرُ: ادْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ، فَدَعَاهُمْ، فَاسْتَشَارَهُمْ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّأْمِ، فَاخْتَلَفُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ خَرَجْتَ لأَمْرٍ، وَلَا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ، وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَلَا نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ، فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: ادْعُوا لِي الأَنْصَارَ، فَدَعَوْتُهُمْ، فَاسْتَشَارَهُمْ، فَسَلَكُوا سَبِيلَ الْمُهَاجِرِينَ، وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلَافِهِمْ، فَقَالََ: ارْتَفِعُوا عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِي مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ، فَدَعَوْتُهُمْ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ مِنْهُمْ عَلَيْهِ رَجُلانِ، فَقَالَوا: نَرَى أنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ، وَلا تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ، فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ: إِنِّي مُصَبِّحٌ عَلَى ظَهْرٍ فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ: أَفِرَاراً مِنْ قَدَرِ اللهِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ، نَعَمْ، نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللهِ إِلى قَدَرِ اللهِ، أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ إبْلٌ هَبَطَتْ وَادِياً لَهُ عُدْوَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا خصبَةٌ، وَالأُخْرَى جَدْبَةٌ أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخَصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللهِ، وَإنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللهِ؟ قَالَ: فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَكَانَ مُتَغَيِّباً فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ،

ص: 202