الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إن دمَ الوريدِ في رحلتِه من القَدمِ إلى القلبِ يمشي بعكسِ اتّجاهِ الجاذبيةِ الأرضيةِ، فالسائلُ لا يصعدُ إلى أعلى، لذلك لا بد من طريقةٍ، حيث إنّ هذا الدمَ الصاعدَ لا ينزلُ، لحكمةٍ بالغةٍ أرادَها اللهُ، ولصَنعةٍ متقنةٍ حكيمةٍ صَنَعها اللهُ، صَنعَ لهذه الأوردةِ التي تنقلُ الدمَ من القدمِ إلى القلبِ صماماتٍ، هي في الحقيقةِ جيوبٌ، تسمحُ للدمِ أنْ يصعدَ، ولا تسمحُ له أن ينزلَ، جيوبٌ على جدرانِ الأوعيةِ إذا صعدَ الدمُ إلى الأعلى تلتصقُ جدرانُها بجدارنِ الأوعيةِ فيمرُّ الدمُ، فإذا أرادَ الدمُ أن ينزلَ امتلأتْ هذه الجيوبُ، وانتفختْ، وتلاصقتْ حتى تغلقَ الطريقَ على الدمِ، فهذه الصماماتُ التي وضعَها اللهُ في الأوردةِ ما الحكمةُ منها؟ الحكمةُ منها أن تسمحَ للدمِ أن يسيرَ باتجاهٍ واحدٍ فقط دون أن يرجعَ.
لو أنّ هذه الصماماتِ أصابَها الخللُ، فلم تغلقِ الطريقَ على الدمِ لتجمَّعَ الدمُ في الأوردةِ، ولارتفعَ ضغطُ الدمِ فيها، ولخرجتِ الكرياتُ الحمراءُ من جدرانِ الأوردةِ إلى الأنسجةِ، فازرقَّتِ الأرجلُ، وتورَّمت، وشعرَ صاحبُها بألمٍ شديدٍ، إنه مرضُ الدوالي، فعملُ الجيوبِ عملٌ في منتهى الدقةِ والروعةِ.
{لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4] .
مكونات الدم
إنّ دمَ الإنسانِ في رأي أصحاب الاختصاص بمنزلة بحرٍ زاخرٍ بِقِطَعِ الأسطولِ، فهناك سفنٌ للإمدادِ، وهي كريات الدم الحمراءُ، وهناك سفنٌ للدفاعِ، تتمتعُ بقدرةٍ على المناورةِ، والمراوغةِ، والاقتحامِ، وهي الكرياتُ البيضاءُ، وهناك سفنٌ للإنقاذِ من الموتِ المحقَّقِ هي الصفائحُ الدمويَّةُ، وهناك سفنٌ تحملُ الموادَّ الغذائيَّةَ - السكر - وهناك سفنٌ تحملُ الموادَّ المُرَمِّمةَ - البروتين - وهناك سفنٌ تحملُ الفضلاتِ - حمض البول، وحمض اللبن - فالدمُ بحرٌ زاخرٌ بسفنٍ فيها موادُّ، فيه سفنُ إمدادٍ، وسفنُ دفاعٍ، وسفنُ إنقاذٍ، وسفنٌ تحملُ الموادَّ الغذائيةَ، وسفنٌ تحملُ الفضلاتِ، وكلُّ هذه السفنِ تتحركُ بحريةٍ دونَ أن تصطدمَ، ودونَ أن تغرقَ، ودونَ أن يصيبَها عطبٌ.
إنّ هذا السائلَ الأحمرَ الذي هو قوامُ حياتِنا مؤلَّفٌ من كرياتٍ حمراء، وكرياتٍ بيضاءَ، ومِن صفائحَ دمويةٍ، ونقف هنا قليلاً عندَ الكرياتِ الحمراءِ، الكريةُ الحمراءُ خليةٌ، أبعادُها دقيقةٌ، قطْرُها سبعةُ ميكروناتٍ، فإذا قسمنا الميليمتر إلى ألفِ قسمٍ، فقطْرُ هذه الكريةِ التي تشبهُ رغيفَ الخبزِ سبعةُ ميكرونات، أي سبعةُ أجزاءٍ من ألفٍ مِن الميليمتر، أمّا سماكتُها فلا تزيد على ميكرونين، وهما جزءانِ من الألفِ من الميليمتر.
والسؤالُ الآن: كم عددُ هذه الكرياتِ في جسمِ الإنسانِ؟ العددُ التقديريُّ والتقريبيُّ خمسةٌ وعشرون تريليوناً، أيْ خمسةٌ وعشرونَ ألفَ ألف مليونِ، ولو رَصَفنا هذه الكرياتِ الموجودةَ في دمِ كل واحدٍ منّا واحدةً إلى جنبِ الأخرى لطوَّقتِ الأرضَ في خطِّ الاستواءِ سبعَ مراتٍ؛ لأنّ في الميليمترِ المكعبِ الواحدِ خمسةَ ملايينَ كريةٍ حمراءَ، والشيءُ اللافتُ للنظرِ أن هناك أوعيةً شعريةً لا يزيدُ قطْرُها على قطْرِ كريةِ الدم الحمراءِ، لذلك تُضطرُّ الكرياتُ الحمراءُ في هذه الأوعيةِ الدقيقةِ إلى أنْ تسيرَ واحدةً تِلْوَ الأخرى في نسقٍ واحدٍ، والأغرب من ذلك أنّ بعضَ الأوعيةِ الدقيقةِ الدقيقَةِ يضيقُ قطرُها على قطرِ الكريةِ الحمراءِ، فكيف تسيرُ هذه الكريةُ فيها إذاً؟ تتطاولُ هذه الكريةُ الحمراءُ فتأخذُ شكلاً بيضويّاً من أجلِ أن تسيرَ في هذا الوعاءِ الدقيقِ الدَقيقِ.
قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت: 53] .
وفي الإنسانِ خمسةٌ وعشرون ألفَ مليونِ كريةٍ بيضاءَ، هذه الكريةُ لها خصائصُ لا يصدِّقها العقلُ. فبإمكانِها أنْ تمرَّ في ممرٍّ ضيِّقٍ هو عشرُ حجمهِا بمرونةٍ فائقةٍ، ونقيُّ العظامِ يُصَنِّعُ في كل ثانيةٍ اثنين ونصفَ مليونٍ كريَّةٍ، ويموتُ في كلِّ ثانيةٍ مثلُ هذا العددِ، فإذا ماتتْ هذه الكرياتُ ذهبتْ أيضاً إلى مقبرةٍ جماعيَّةٍ اسمُها "الطحالُ".