الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والجديدُ في هذا الجهازِ أنّ هناك خلايا من مكوناتِ جهازِ المناعةِ المكتسبِ اكتُشِفَتْ في أواخرِ السبعيناتِ، هذه الخلايا قاتلةٌ بالفطرةِ، بمعنى أنها تستطيعُ التعرُّفَ إلى الخلايا الشاذَّةِ قبل أن يبدأَ شذوذُها، أو تلك التي تسبِّبُ ورماً.
إلا أنّ أخطرَ ما في الموضوعِ أنّ وراءَ جهازِ المناعةِ قوةً خارجَ الجسمِ لا علاقةَ لها بالمناعةِ، تشكِّلُه، وتطوِّره، وتأمرُه، فالقوةُ المسيطرةُ ليستْ مِن داخلِ الجسمِ، بل من خارجِه، ولا يعلمُ الأطباء الغربيّون ما هي هذه القوَّةُ، إنها قوة الله.
والحقيقةُ العمليةُ أنّ الاكتئابَ، والحزنَ، والتوترَ، والشدّةَ النفسيةَ (الكرب) تضعِفُ مِن قوةِ هذا الجهازِ، وأنّ الأملَ، والحبَّ، والهدوءَ يقوِّي إمكاناتِ هذا الجهازِ، لذلك فإنّ الشركَ باللهِ يُضعِفُ هذا الجهازَ، قال تعالى في محكم تنزيله:{فَلَا تَدْعُ مَعَ الله إلاها آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المعذبين} [الشعراء: 213] .
أمّا المؤمنُ فأمرُه تسليمٌ وتفويضٌ وتوكُّلٌ وإيمانٌ بقوله تعالى: {وَللَّهِ غَيْبُ السماوات والأرض وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمر كُلُّهُ فاعبده وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [هود: 123] .
إنّ التوحيدَ صحّةٌ، لأن الرضا، والطمأنينةَ، والأمنَ، والثقةَ باللهِ، والتفاؤلَ بالمستقبلِ، كلُّ هذا يقوِّي جهازَ المناعةِ، الذي أوكلَ اللهُ إليه الشفاءَ الذاتيَّ، أمّا القلقُ، والخوفُ، والحقدُ فممَّا يضعفُ جهازَ المناعةِ، وهذا الجهازُ هو عصبُ صحةِ الإنسانِ.
لا عدوى
إنّ موضوعَ العدوى قد بيَّنه النبيُّ عليه الصلاة والسلام قَبْلَ أكثرَ من أربعةَ عشرَ قرناً، ففي صحيحِ البخاريِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَا عَدْوَى، وَلا صَفَرَ، وَلا هَامَةَ"، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: يَا رَسُولَ اللهِ فَمَا بَالُ إِبِلي تَكُونُ فِي الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ، فَيَأَْتِي الْبَعِيْرُ الأَجْرَبُ فَيَدْخُلُ بَيْنَهَا فَيُجْرِبُهَا؟ فَقَالَ:"فَمَنْ أَعْدَى الأَوَّلَ؟ "، النبيُّ عليه الصلاة والسلام الذي لا ينطقُ عن الهوى، وكلامُه وحيٌ يوحَى، يقول:"لا عَدْوَى"، والعدوى ثابتةٌ، ألم يقلْ في حديثٍ آخرَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ يُحَدِّثُ سَعْداً عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ:"إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ بِأَرْضٍ فَلا تَدْخُلُوهَا، وَإِذَا وَقَعَ بِأرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلا تَخْرُجُوا مِنْهَا"، لماذا؟ من أجلِ العدوى، وإنّ أَحْدَث بحثٍ في علمِ الجراثيمِ مفادُه أنه لا عدوى، فالجرثومُ قد ينتقلُ من مريضٍ إلى صحيحٍ، ولا يمرضُ الصحيحُ، وقد ينتقلُ من صحيحٍ إلى صحيحٍ؛ فيمرضُ الصحيحُ الثاني، وقد ينتقلُ من مريضٍ إلى صحيحٍ فتسبِّبُ هذه الجرثومةُ للصحيحِ مناعةً يزدادُ بها قوةً، وقد ينتقلُ من صحيحٍ إلى صحيحٍ أولٍ، وثانٍ، وثالثٍ، ورابعٍ، وخامسٍ، وعاشرٍ، فيصابُ الصحيحُ العاشرُ.
فحينما قالَ النبيُّ عليه الصلاة والسلام: "لا عَدْوَى، وَلا صَفَرَ، وَلا هَامَةَ"، أي: إنّ العدوى لا تمرضُ، ولكنّ العدوى تهيِّئ أسبابَ المرضِ، هذا معنى قولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهو في منتهى الدقَّةِ. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنْ الأَسَدِ"، فِرَّ منه، ليس في هذا الحديثِ تناقضٌ أبداً، العدوى وحْدَها لا تمرضُ، ولكنَّ العدوى تهيىء أسبابَ المرضِ.
شيءٌ آخرُ؛ ثمة شيءٌ اسمه النسمةُ، وقد فَسَّرَها العلماءُ بأنها حيواناتٌ صغيرةٌ دقيقةٌ تسبِّبُ للإنسانِ ضيقَ النفسِ، أي: الجراثيمَ، وقد سُئِلَ بعضُ علماءِ الجراثيمِ: ما المنطقةُ في الإنسانِ التي تكثرُ فيها العدوى، فقال: الأطرافُ الأربعةُ والوجهُ، ونحنُ نقول: ما الوضوءُ؟ يجبُ أنْ تغسلَ يدَيْك لا في الإناءِ، إذْ نهانَا النبيُّ عليه الصلاة والسلام أنْ نغسلَ أيديَنا في الإناءِ، فإذا كان في الأيدي جراثيمُ لا ينتقلُ هذا الجرثومُ إلى ماءِ الإناءِ، والنبيُّ عليه الصلاة والسلام علَّمَنا هذه المنافذَ التي ينفذُ منها الجرثومُ إلى الجسمِ، كالأنفِ، والفمِ، والأذنانِ، هذه ممَّا شُرِع لنا غسلُها في اليومِ والليلةِ خمسَ مراتٍ، والوضوءُ أكبرُ وقايةٍ من العدوى، ففيهِ المضمضةُ، والاستنشاقُ، وغسلُ الوجهِ، واليدينِ، والرجلين.
شيءٌ آخرُ، النبيُّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَنا بالسواكِ، وفي أحدثِ بحوثِ السواكِ أنّ فيه مادةً قاتلةً للجراثيمِ، لذلك بعضُ المعاجين الآن تستخدمُ مسحوقَ السواكِ في المعجونِ.
شيءٌ آخرُ: العدوى تنتقلُ عن طريقِ جهازِ التنفسِ، لذلك قالَ النبيُّ عليه الصلاة والسلام لأحدِ أصحابِه وهو يشربُ:"أَبِنِ القدحَ عن فِيكَ"، أَبْعِدْهُ عن فَمِك لئلَاّ يكونَ النفَسُ فيه.
ونهى النبيُّ عليه الصلاة والسلام أن يتنفَّسَ الإنسانُ في الإناءِ إذا شرِبَ منه، لذلك هذه التوجيهاتُ النبويةُ التي قالها النبيُّ عليه الصلاة والسلام قبل أكثرَ من 1400 عام تنطبقُ على أحدثِ الموضوعاتِ المتعلقةِ بالعدوى والجراثيمِ.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا يُورَدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ"، فلا ينبغي للمريضِ أن يتصل بصحيح، لحديث النبي صلى الله عليه وسلم:"إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوهَا".