الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إنها حقيقةٌ عجيبةٌ، فكلّ كيلو غرامٍ من الأنسجةِ الدهنيّةِ يحتاجُ إلى ثلاثةِ كيلو مترات من الأوعيةِ الشَّعريَّةِ التي يسري خلالَها الدمُ، وهذه عِبءٌ على القلبِ، فلو أنّ الإنسانَ زادَ وزنُه عشرةَ كيلو غراماتٍ فهذا دليلٌ على أنَّ به ثلاثَمئة كيلو مترات مِنَ الأوعيَةِ الشَّعْرِيَّةِ الزائدةِ! وقال العلماء:"إنَّ فيزيولوجِيَّةَ خلقِ الأبدانِ تقتضي الامتِناعَ عن تناولِ الطَّعامِ"، لماذا؟ لإراحةِ الوظيفةِ الأولى والثانيةِ، ولإتاحةِ الفرصةِ لِعَملِ الوظيفةِ الثالثةِ، فالصِّيامُ ترتاحُ به وظيفةُ هضمِ الطعامِ وامتصاصِه، وترتاحُ الوظيفةُ الثانيةُ وهي تخزينُه، وتبقى الوظيفةُ الثالثةُ، وهي هدمُ المُدَّخراتِ الدهنيَّةِ، وإحراقُها، واستهلاكُ المُدَّخراتِ الدهنيَّةِ في العضلاتِ والدم، فَلِكون الصِّيامِ ضرورياً لكلِّ إنسانٍ كانت هذه الفريضةُ على كلِّ الأُممِ والشُّعوبِ، قال تعالى:{ياأيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] .
ولكنَّ هذا البحثَ العلميَّ يعني شيئاً دقيقاً، وهو أنَّ الصِّيامَ عِبادةٌ، وقُرْبٌ منَ اللهِ، ومزيدٌ من الاتِّصالِ باللهِ، وكلُّ عملِ ابنِ آدمَ له إلا الصِّيامَ فإنه للهِ، وهو يجزي به، فالصِّيامُ تَقْوِيَةٌ لإرادةِ الإنسانِ، وحتّى يشعرَ الإنسانُ بِضَعفِه البشريِّ، فهذا البحثُ العلميُّ لا يخدِشُ مهمَّةَ الصِّيامِ الأُولى، وهي العبادةُ، والقربُ، ولكنّ أمْرَ اللهِ متنوعٌ، فهو عبادةٌ، وهو قُربٌ، وهو تحجيمٌ، وهو صِلَةٌ، وافتقارٌ، وهو إضافةً إلى كلِّ هذا صحَّةٌ.
بعض وصايا النبيّ صلى الله عليه وسلم الصحية السحور والإفطار
نذكرُ بعضَ الوصايا الصحيةِ التي أوصى بها النبيُّ عليه الصلاة والسلام الصائمين، فَعَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً".
وفي رواية للنسائي: "إنَّهَا بَرَكَةٌ أَعْطَاكُمُ اللهُ إِيَّاهَا فَلا تَدَعُوهُ".
فَسَّرَ علماءُ الحديثِ هذه البركةَ بمعنيين؛ إمّا أنها بركةٌ في الدنيا، وإمّا أنّها بركةٌ في الآخرةِ، فهذا الذي يستيقظُ ليتناولَ طعامَ السَّحور ربما صلَّى الفجرَ في المسجدِ، وربما سمعَ آيةً بعد صلاةِ الفجرِ تركتْ أثراً بليغاً في نفسِه، وربما ذَكَرَ اللهَ خالياً ففاضتْ عيناه بالدموعِ، ربما تلا القرآنَ فكان ربيعَ قلبِه، جاءه كلُّ هذا الخيرِ مِن استيقاظِه ليتناولَ طعامَ السَّحورِ، إذاً هذه بركةُ الآخرةِ.
أمّا بركةُ الدنيا، فإذَا تناولَ الصائمُ طعامَ السَّحورِ، وكان مِن أصحابِ الأعمالِ الشاقَّةِ أَمْكَنَه أنْ يتابِعَ الصيامَ، بالحدِّ الأدنَى مِن المشقَّةِ، فهذا الجسَدُ يحتاجُ إلى وقودٍ، ووقودُه الطعامُ، فتناولُ طعامِ السَّحورِ مِنَ السُنَّة.
ومِنَ السُّنَّةِ أيضاً تأخيرُ السَّحورِ، أمّا هذا الذي يسهرُ إلى منتصفِ الليلِ، فيتناولُ السَّحورَ، ثم ينامُ فقد ضيَّعَ عليه صلاةَ الفجرِ، وضيَّعَ عليه سنةَ تأخيرِ السَّحورِ، فَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الإِفْطَارَ وَأَخَّرُوا السُّحُورَ".
الشيءُ الذي يجبُ أنْ يُؤَكَّدَ لكم أنّ الإنسانَ إذَا تناولَ طعامَ السَّحورِ، وآوى إلى فراشِه مباشرةً، ربما ساءَ هضمُه، وربما أصابَتْهُ بعضُ الوَعكاتِ الصحيةِ المتعلقةِ بغذائِه، فلا بدَّ من وقتٍ كافٍ بين تناولِ طعامِ السَّحورِ والنومِ، هذا الوقتُ يجبُ أنْ تمضيَه في قراءةِ القرآنِ، وفي الصلاةِ، وفي الذكرِ.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اله عليه وسلم: تَامَّةٍ، تَامَّةٍ، تَامَّةٍ".
لذلك ينهَى الأطباءُ أنْ تأويَ إلى الفراشِ بعدَ تناولِ طعامِ السَّحورِ.