الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لو بَحَثْنا في تكوينِ هذه الكريةِ الحمراءِ لَوَجَدْناها مكوَّنةً من خمسمئةٍ وأربعةٍ وسبعينَ حمضاً أمينياً، وأنه يتمُّ صنعُها في خمسةِ أيامٍ، أو في أقلَّ مِن ذلك، وتُصْنَعُ في معاملَ، هي نِقِيُ العظامِ، فجوفُ العظمِ هو المعملُ الذي ينتجُ الكرياتِ الحمراءَ، مَن منا يُصدِّقُ أن المعملَ يصنعُ في الثانيةِ الواحدةِ مليونين ونصف مليون كريةٍ حمراءَ، وأنّ أنشط المعاملِ هو العمودُ الفقريُّ، ثم عظامُ الأضلاعِ، ثم عظمُ القفصِ الصدريِّ الرئيسيُّ، ثمّ عظامُ الأطرافِ.
إنّ اللهَ سبحانه وتعالى زوَّدَ الجسمَ بمعاملَ احتياطيةٍ، هي الكبدُ والطحالُ، فإذا تعطَّلتِ المعاملُ الأساسيةُ عمِلَ الكبدُ والطحالُ على إنتاجِ الكرياتِ الحمراءِ.
شيءٌ مهمٌّ جداً.. هو أنّ في الكليتين مركزاً لتعييرِ الدمِ يعمل على مراقبةِ الدم على نحوٍ مستمرٍّ، فإذا نقصَ الدمُ عن حدِّهِ الطبيعيِّ أرسلَ هذا المركزُ أوامرَ هرمونيةً إلى مصانعِ الدمِ، يحثُّها على زيادةِ الإنتاجِ، وإذا زادَ الدمُ على حدِّه الطبيعيِّ أرسلَ هذا المركزُ الذي في الكليتين أوامرَ هرمونيةً إلى معاملِ الكرياتِ، يأمرُها بالبُطءِ في الإنتاجِ؛ لذلك هناك علاقةٌ بين الضغطِ، والتهابِ الكليتين، فما هي هذه العلاقة؟ لأنّ في الكليتين مركزاً بالغَ الحساسيةِ يراقبُ كميةَ الدمِ باستمرارٍ.
لذلك إذا أُخِذَ الدمُ عن طريقِ الحجامةِ نقصَ الدمُ في الشرايينِ، ونقصُه في الشرايينِ يجعلُ مركزَ تعييرِ الدمِ يأمرُ معاملَ الدمِ بتصنيعِ كميةٍ زائدةٍ، وبهذا تنشطُ المعاملُ، ويصبحُ عملُها جيّداً على مدارِ العمرِ الذي يحياه الإنسانُ.
مَن نظَّم هذا النظامَ؟ مَن أبدَعَ هذا الخَلْقَ؟ مَن رتَّبَ هذا الترتيبَ؟ ألا يستحقُّ العبادةَ؟ ألا يستحقُّ أن يُطاعَ؟ ألا يجبُ أن نخشاه؟ ألا يجب أن نتّقيَه؟ قال تعالى: {وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21] .
إنّ موضوعَ الدمِ لا ينتهي في مقالةٍ، ولا في مقالاتٍ، فإنّ مجلداتٍ كبيرةٍ أُلِّفتْ حولَ الدمِ فقط، حتى إنّ هناك اختصاصاً في الطبِّ هو أمراضُ الدمِ.
الشفاء الذاتيّ
إن الترسانةَ الطبيةَ - دواءً وتقنيةً - لا تمكِّنُ الأطباءَ مِن علاجِ أكثرَ من ربعِ الأمراضِ، وبقيةُ الأمراضِ إمّا أن تُشفَى بنفسِها، أو أنّه لا عِلاجَ لها.
الحقيقةُ الثانيةُ: لا يوجدُ طبيبٌ لم يرَ أو لم يسمعْ عن حالاتِ شفاءِ مرضٍ عضالٍ دون سببٍ طبيٍّ واضحٍ، إنَّ الشفاءَ الغامضَ لكثيرٍ من الأمراضِ المستعصيةِ كان يحدثُ دوماً منذُ أن وُجِدَ الطبُّ، لكنّ الطبَّ لم يتوقفْ عندها، لأنّ بعضَهم يُرجِعُها إلى أسبابٍ غير علميةٍ، وهي في الحقيقةِ تَرجعُ إلى رحمةِ اللهِ بعبادِه، قال تعالى:{الذي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * والذي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * والذي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * والذي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدين * رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بالصالحين * واجعل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخرين * واجعلني مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النعيم} [الشعراء: 78-85] .
يقول أحد العلماء: "هناك جهازٌ خاصٌّ للشفاءِ الذاتيِّ، لم تأتِ على ذِكْرِه فهارسُ كتبِ الطبِّ أو قواميسُه، وهناك حالاتٌ مَرَضِيَّةٌ مستعصيةٌ شُفِيَتْ على نحو غامضٍ، ودونَ سببٍ واضحٍ"، مِن هذه الأجهزةِ التي أُوكِلَ إليها الشفاءُ الذاتيُّ جهازُ المناعةِ، وهو مِن الأجهزةِ الرائعةِ التي أَبْدَعَها الخالقُ، ليس لها مكانٌ تشريحيٌّ ثابتٌ، جهازٌ جوّالٌ، وهو مبرمجٌ ليعرفَ أيّةَ خليةٍ غريبةٍ غيرَ خلايا الجسدِ ليقومَ بتدميرِها، وأهمُّ ما في هذا الجهازِ ذاكرتُه العجيبةُ، فهو لا ينسى أبداً، فهو سلاحٌ يواجِهُ عدواً من أمدٍ طويلٍ، ولولا هذه الذاكرةُ العجيبةُ لجهازِ المناعةِ المكتسبِ لم يكنْ هناك فائدةٌ إطلاقاً من التلقيحِ ضدَّ الأمراضِ، هذه الخلايا خلايا جهازِ المناعةِ تُصنعُ في نِقْي العظامِ، وتعدُّ إعداداً خاصاً وقوياً في الغدةِ الصعتريةِ تحتَ عظمةِ الصدرِ، وكأنّ هذه الغدةَ معهدُ إعدادِ المصارعين، وهذه الخلايا هي خطُّ الدفاعِ الأولُ في الجسمِ، كما تقومُ هذه الخلايا بحمايةِ الجسمِ من مرضِ السرطانِ، ولعل هذا مِن أبرزِ خصائصِها، وإنّ من هذه الخلايا ما هو خلايا مستطلعةٌ تتعرَّفُ إلى الجرثومِ، أو إلى الخليةِ الغريبةِ، فتأخذُ شِفرتَها، وتذهبُ بهذه الشفرة إلى الخلايا المصنعةِ كي تصنعَ سلاحاً مدمراً لها، وبعضُ هذه الخلايا تصنعُ الدواءَ المضادُّ، أو المصلَ المضادَّ، وبعضُها خلايا مقاتلةٌ تحملُ هذا السلاحَ، وتذهبُ إلى أرضِ المعركةِ لتقضيَ على هذا الجرثومِ، وبعضُها خلايا ملتهِمةٌ، هذه الخلايا يهاجمُها فيروسُ الإيدزِ فيدمِّرُها، لذلك يُعَدُّ مرضُ الإيدز أخطرَ مرضٍ يصيبُ البشريةَ اليومَ؛ والذي يسبِّبُ تدميرَ جهازِ المناعةِ المكتسبِ، الذي يحقِّقُ الشفاءَ الذاتيَّ.
مِن أطرفِ وظائفِ هذه الخلايا، وهذه بشارةٌ لمن أراد أن يقلعَ عن التدخينِ أنّ بعضَها يذهبُ إلى الرئتين، ويلتهمُ بعضَ ما عَلِقَ بالشعبِ الهوائيةِ من آثارِ، وشوائبِ التدخينِ.