الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لكنّ البرءَ في النهايةِ لا يكون حتماً عند الإصابةِ في التشخيصِ، والإصابةِ في اختيارِ الدواءِ المناسبِ بالكميةِ المناسبةِ، وفي الوقتِ المناسبِ، هذه كلُّها شروطٌ لازمةٌ، ولكنّها غيرُ كافيةٍ، فلا بد مِن أنْ يسمحَ اللهُ للدواءِ أنْ يفعلَ فِعْلَهُ في العاملِ الممرضِ، شفاءً، أو تخفيفاً، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:"بَرَأَ بِإِذْنِ اللهِ عز وجل".
إنّ ممّا يكمِّلُ الأخذَ بالأسبابِ التوجهَ إلى الله بالدعاءِ، لأنه مسبِّبُ الأسبابِ، لذلك ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"دَاوُوا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَاتِ"، وروي عنه:"الصَّدَقَةُ فِي السِّرِّ تٌُطْفِئ غَضَبَ الرَّبِّ"، وروي عنه:"بَاكِرُوا بِالصَّدَقَةِ، فَإِنَّ الْبَلَاءَ لَا يَتَخَطَّاهَا".
العبادات شفاءٌ من أمراض كثيرة وهي معللة بمصالح الخلق
يقولُ الإمامُ الشافعيُّ: "العباداتُ مُعَلَّلَةٌ بِمَصالحِ الخَلْقِ"، أي إنّ العباداتِ لو أُدِّيَتْ على النحوِ الذي أرادَهُ اللهُ لجَعَلَتْ من المؤمنِ شخصيَّةً فذَّة، إليها تنجذبُ النفوسُ، وبها تتعلّقُ الأبصارُ، ومِن نورِها تهتدِي القلوبُ.
لو أُدِّيَتِ العباداتُ على النحوِ الذي أرادَهُ اللهُ لجَعَلَتْ مِن المؤمنِ رجلاً نيِّرَ الذِّهنِ والقلبِ معاً، حادَّ البصرِ والبصيرةِ جميعاً، تتعانقُ فكرتهُ وعاطفتهُ، فلا تدري أيّهما أسبقُ؟ صدْقُ أدبهِ أم حُسْنُ معرفتِه؟! ولا تدري أيّهما أرْوَعُ؛ خُصوبةُ نفسِه أم فطانةُ عقلِه؟
لو أُدِّيَتِ العباداتُ على النحوِ الذي أراد الله عز وجل لجَعَلَت من المؤمنَ ذا أفقٍ واسعٍ، ونظرٍ حديدٍ، ومُحاكمةٍ سليمةٍ، ولجعَلتْهُ منغمساً في سعادةٍ لا تقْوَى مُتَعُ الأرضِ الحِسيَّةُ أن تصرفَهُ عنها، ولجعلتْهُ ذا أخلاقٍ أصيلةٍ، لا تستطيعُ سبائكُ الذهبِ اللامعةُ، ولا الضّغوطُ المانعةُ أنْ تقوِّضَها.
المؤمنُ الحقُّ كالجبلِ رسوخاً، وكالصّخرةِ صلابةً، وكالشمسِ ضياءً، وكالبحرِ عمقاً، وكالسماءِ صفاءً، وكالربيعِ نضارةً، وكالماء عذوبةً، وكالعذراءِ حياءً، وكالطّفلِ وداعةً.
أمّا إذا حَادَ الإنسانُ عن مبادئ فطرتِه، ولم يعبدِ اللهَ عز وجل، وخَرَقَ حدودَ إنسانيّتهِ بالإثمِ والعُدوانِ اخْتلّ توازنُه الداخليُّ، وأحسّ بِكَآبةٍ مُدمّرةٍ لِصِحَّتِهِ النفسيّةِ، وهذا ما يُسمّيه علماءُ النفسِ، أو أطباءُ النفس التوتّرَ النفسيَّ، الذي هو سببٌ رئيسٌ لكثيرٍ من الأمراضِ، وبها نصلُ إلى حقيقةٍ خطيرة، وهي أنّ أكثرَ الأمراضِ تكمُنُ أسبابُها في التوتّراتِ النفسيّةِ، وفي الكسلِ العضليِّ.
من الأمراضِ العُضويّةِ ذاتِ الأسبابِ النفسيّةِ تسرّعُ ضرباتِ القلبِ، واضطرابُ نظْمِ القلبِ، وتضيّقُ الشرايينِ، وارتفاعُ ضغطِ الدمِّ ذو المنشأ العصبيِّ، وتقرّحاتُ الجهازِ الهضميِّ، وأمراضُ الحساسيّةِ، وأمراضُ الأعصابِ، والشللُ العضويُّ ذو المنشأِ النفسيِّ، وحينما يصطلحُ الإنسانُ مع اللهِ، ويتُوبُ من ذنوبِه، ويستقيمُ على أمْرِ ربِّه، ويعملُ الصالحاتِ تقرُّباً إليه، يشعرُ بأنّه أُزيحَ عن صدرِه كابوسٌ ضاغِطٌ، كأنّه جبلٌ جائمٌ، وأنّ ظلماتٍ بعضُها فوقَ بعضٍ قد تبدَّدتْ من أمامِه.
يشعرُ المؤمنُ بمشاعرَ من السعادةِ لا توصفُ، وأنّ مشاعرَ الكآبةِ والضِّيقِ قد اختفَتْ إلى غيرِ رَجْعةٍ، وعندئذٍ يشعرُ أنّ في قلبهِ من الطمأنينةِ والسعادةِ ما لو وُزِّعَتْ على أهلِ بلدٍ لأسْعَدَتْهُم جميعاً، وعندها تتأثَّرُ العضويّةُ بهذه الصحّةِ النفسيّةِ تأثُّراً إيجابيّاً، فتزولُ أكثرُ أعراضِ الأمراضِ العضويّةِ ذات المنشأ النفسيِّ.
إنّ التوبةَ والعملَ الصالحَ أساسُ الصحّةِ النفسيّةِ، فإذا أردْتَ نفساً صحيحةً متألّقةً عاليَةَ المعنوياتِ متفائلةً فعليك بالصُّلْحِ مع اللهِ، فإذا اصطلحْتَ معه صلُحَتْ حياتُك كلُّها، لهذا وَرَدَ عن الرسول عليه الصلاة والسلام:"اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا"، أيْ إذا اسْتَقَمْتُم فلن تُحصوا الخيراتِ التي تجنونها مِن استقامتِكم.
ولا شكَّ أنّ العباداتِ من صلاةٍ، وصيامٍ، وحجٍّ، وزكاةٍ عباداتٌ أَمَرَنَا اللهُ بها، وقد علَّلها في القرآنِ الكريمِ تعليلاً طيِّباً، فقال تعالى:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلاوتك سَكَنٌ لَّهُمْ والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [التوبة: 103] .
وقال تعالى: {اتل مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الكتاب وَأَقِمِ الصلاة إِنَّ الصلاة تنهى عَنِ الفحشآء والمنكر} [العنكبوت: 45]، وقال سبحانه:{ياأيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] .
هذه العباداتُ بيَّنَ اللهُ جل جلاله حِكمتَها، ولكنَّ هذا البيانُ الإلهيَّ لا يمْنعُ أنْ يكونَ لها حِكَمٌ أخرى كثيرةٌ جدّاً، فمثلاً علماءُ التربيةِ البدنيّةِ خطَّطوا لِتَمريناتٍ معتدلةٍ يستطيعُها كلُّ الناسِ في كلِّ الأعمارِ، وفي كلِّ الأوقاتِ، وفي كلِّ الأمكنةِ، لا تؤذِي قلوبَهم، ولا تيبّسُ عضلاتِهم، فرسَمُوا حركاتٍ، وسكناتٍ، وتمريناتٍ تُطابقُ حركاتِ الصلاةَ تَطابُقاً تامّاً، فهذه الصلاةُ التي أمَرَنا اللهُ بها إضافةً إلى أنّها تقرِّبنا إلى اللهِ، وتذكّرنا به، وتَصِلُنا به، هي كذلك ذاتُ فائدةٍ لأجسامِنا، فهذه الحركاتُ، والقيامُ، والركوع، والسجود لها فوائدُ كثيرةٌ لجسمِ الإنسانِ.