الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولو أنَّ عَتَبَةَ السَّمْع ارْتَفَعَ مُستواها قليلاً لَمَا أمْكنكَ أنْ تنامَ الليلَ، لأنّ الأصواتَ كلَّها تتلقّفُها، بل إنّ أصواتَ جهازِ الهضْمِ وحدهُ تكادُ تكونُ كالمعملِ الكبيرِ، لذلك جَعَلَ اللهُ لك عتبةً خاصّةً في السَّمْعِ لا تزيدُ على حدِّها، فلو أنّ حاسّة اللمْسِ زادَتْ لشَعَرْتَ بالكهرباءِ الساكنةِ التي تُحيلُ حياتك جحيماً لا يُطاقُ، وبعضُ الحيواناتِ تزيدُ حاسّةُ الشمِّ عندَها مليونَ ضعفٍ على حاسّةِ الإنسانِ، غير أنَّ اللهَ سبحانه وتعالى شقَّ لنا السمعَ، وأنشأ الأبصارَ والأفئدةَ، وخَلقَ حاسّةَ اللّمْسِ، وحاسّةَ البصَرِ، ومع كلِّ هذا فإنّ هذه الحواسَّ خُلِقَتْ خَلْقاً دقيقاً جِدّاً مِنْ قِبَلِ اللهِ تعالى.
جهاز الإفراز
الكليتان وشكر نعمتهما
روي أنه كان عليه الصلاة والسلام إذا خرج مِن بيتِ الخلاءِ يقول: "الحَمْدُ للهِ الذِي أَذْهَبَ عَنِّي الأَذَى وَعَافَانِي".
وفي دعاءٍ آخر، كان يقول:"الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَذَاقَنِي لَذَّتَهُ، وَأَبْقَى فِيَّ قُوَّتَهُ، وَأَذْهَبَ عَنِّي أَذَاهُ".
إنّ الكُليتين تصفِّيانِ في اليومِ الواحدِ من الدمِ ما حجمُه ألفٌ وثمانمئةِ لترٍ، وإنْ تعجبْ فعجبٌ ورودُ هذا الرقمِ نفسِه في مصادرَ عدّة، ممّا يُخرِج الخبرَ عن أنْ يكونَ غريباً أو شاذّاً.
أعتقدُ أنَّ أسرةً متوسطةً تستهلكُ هذا الحجمَ كوقودٍ طوالَ السنةِ.
ثم إنّ في الكليتين طريقاً دقيقاً من الأنابيبِ، من النفرونات، طولُه ستون كيلو متراً.
وفي هاتين الكليتين طاقةً لتصفيةِ عشرين ضِعفاً من حاجةِ الإنسانِ إلى التصفيةِ.
لذلك إذا استُؤصِلتِ الكليةُ لسببٍ ما فإنّ الإنسانَ يعيشُ حياةً مديدةً بكليةٍ واحدةٍ، أليس هذا من رحمةِ اللهِ عز وجل؟ لأنّ الكليةَ جهازٌ خطيرٌ، فقد جعلَ لك قطعةَ غيارٍ احتياطيةً زائدةً، أو كليةً زائدةً على حاجتِك.
مَن منا يُصدَّقُ أنّ الدمَ بكاملِه يمرُّ في الكليتين ستاً وثلاثين مرةً، في كلِّ أربعٍ وعشرين ساعةً.
إنَّ هاتين الكليتين تقومان بعمليةٍ في منتهى التعقيدِ، تأخذانِ من الدم الموادَّ السكريةَ، والمعادنَ، والبروتيناتِ، وتطرحُها في الوريدِ الخارجِ منها بنسبٍ نظاميةٍ، وأمّا ما زادَ من السكرياتِ على حاجةِ الدمِ فيُطرحُ في البولِ.
إذا أُصيبَ الإنسانُ بمرضِ السكرِ، كيف يعرفُ ذلك؟ من وجودِ السكرِ في البولِ، معنى ذلك أن الكليةَ تأخذُ نسبةً نظاميةً للسكرِ، وتطرحُ الباقي مع البولِ، وإذا أكلَ الإنسانُ ملحاً كثيراً، وفَحَصْنَا بولَه، وجدْنا أنَّ جزءاً من هذا الملحِ طُرِحَ مع البولِ.
إن الكلية، كما قال بعضُ العلماءِ:"تتيحُ لك أنْ تأكلَ كلَّ شيءٍ، ولو ارتفعتْ نسبةُ الأملاحِ في الدمِ على ثمانيةٍ بالألفِ لَمَاتَ الإنسانُ"، فمَن الذي يضمنُ ثباتَ هذه النسبةِ في الدمِ؟ إنهما الكليتان.
إذاً فالكليةُ مصفاةٌ عاقلةٌ، كما وَصَفَهَا بعضُ العلماءِ، تأخذُ نِسباً نظاميةً، وما بقي من هذه النسبِ النظاميةِ مِن نسبٍ زائدةٍ، من سكرياتٍ، وأملاحٍ، ومن بقايا أدويةٍ، فإنها تُطرَح في البولِ، فيتغير لونُه، فلأنّ هذا الدواءَ مادةٌ غريبةٌ؛ فإنّ الكليةَ تطرحُها مباشرةً.
فهذه الكليةُ التي لا تزيدُ حجمُها على الكمثرى تعملُ بصمتٍ، وبلا مقابلٍ، وبلا أجرٍ، وبلا تعطيلٍ عن العملِ، فالإنسانُ يعملُ، وينامُ، ويدرسُ، ويتاجرُ ويبيعُ، ويشتري، ويسافرُ، وهذه الكليةُ تعملُ بصمتٍ، حيث يدخلُ الدمُ إلى الكليتين ستّاً وثلاثين مرةً في اليومِ الواحدِ، بخلافِ المشقةِ التي يعانيها الإنسانُ إذَا ذهب ليصفِّيَ دمَه في كُليةٍ صناعةٍ، وفوقَ هذا وذاك اكتشفَ العلماءُ أنّ الكليتين غدّتان ذواتا إفرازٍ داخليٍّ، أي إنّهما تفرزانِ هرموناتٍ تضبطُ ضغطَ الدمِ.
إذا التهبتْ كليةُ الإنسانِ يختلُّ ضغطُه، فتفرزُ هذه الكليةُ هرموناتٍ لتنظيمِ ضغطِ الدمِ، وتفرزُ هرموناتٍ لتلاشي فقرِ الدمِ، وتفرزُ هرموناتٍ لضبطِ السوائلِ.
وإذا أصابَ الكليةَ التهابٌ اضطربَ ميزانُ السوائلِ، ولو اضطربَ ميزانُ السوائلِ لوجبَ أنْ يبقى الإنسانُ إلى جانبِ الصنبورِ، والمرحاضِ طوالِ حياتِه، ألا يقتضي ذلك أن يشكرَ الإنسانُ ربَّه على نعمةِ الكليةِ؟