الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويكون الإحباطُ: حينما يعلِّقُ الإنسانُ آمالَه بغيرِ اللهِ، ثمّ يجدُ أنّ هذه الذي علَّقَ عليه الآمالَ خذَله، ولمْ يتحقَّقْ هدَفُه، فيُصابُ بحالةٍ نفسيةٍ مؤلمةٍ جداً، إنها الإحباطُ، قال سبحانه وتعالى:
{وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين} [الزمر: 65] .
وتفسيرٌ آخرُ للإحباطِ؛ وهو أنْ تظنَّ شيئاً ما كبيراً عظيماً، فتُقْبِلَ عليه، وتضيِّعَ مِن أجْلِه شبابَك، وشيخوخَتك، ثم تكتشفَ بَعْدَ فواتِ الأوانِ أنّه ليس بشيءٍ، وأنّه لا يمدُّك بسعادةٍ.
مِن أنواعِ الاضطرابِ النفسيِّ الناتجِ عن ضعفِ الإيمانِ، وعن ضعفِ الصلةِ باللهِ ما يسمَّى الصراعَ المستمِرَّ، فإذَا استمرَّ الصراعُ انقلبَ إلى لا مبالاةٍ، وهذا مرضٌ مِن أمراضِ العصرِ؛ صراعٌ بين الحقِّ والباطلِ، صراعٌ بين الحاجةِ والقيَمِ، صراعٌ بين الدنيا والآخرةِ، صراعٌ بين العقلِ والشهوةِ، ومع ضعفِ الإيمانِ يصبحُ الإنسانُ ضحيَّةَ هذا الصراع، قال تعالى:{مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلك لَا إلى هاؤلاء وَلَا إِلَى هاؤلاء وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً} [النساء: 143] .
والاكتئابُ - وهو مرضُ العصرِ - إذْ مجموعُ الذين يعالجون في العياداتِ النفسيةِ في مجتمعاتِ الشرودِ عن اللهِ كثيرة جدّاً، وبعضُ الأطباءِ النفسِّيين يعالجون عند زملائِهم، فالاكتئابُ مرضُ العصرِ، سببُه أنّ فطرتَهم سليمةٌ، فلمّا انحرفوا عذَّبَتْهم فطرتُهم فاكتأبوا، هذا ما سمّاه العلماءُ: الشعورَ بالذنبِ، وعقدةَ النقصِ، أو الاكتئابَ، قال عز وجل:
{وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً} [طه: 124] .
إذا آمنَّا باللهِ عز وجل عِشْنَا حالةً اسمُها الصحةُ النفسيةُ، نفسٌ رضيةٌ، مطمئنةٌ، متفائلةٌ، متوازِنةٌ، هذه الصِّفاتُ الراقيةُ هي مِن ثمارِ الإيمانِ.
تأثير الفرح والحزن على النفس
ممَّا يَلفتُ النظرَ في قولِه تعالى: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأرض وَلَا في أَنفُسِكُمْ إِلَاّ فِي كتاب مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ إِنَّ ذلك عَلَى الله يَسِيرٌ * لِّكَيْلَا تَأْسَوْاْ على مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ والله لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [الحديد: 22-23] أنّ هاتين الآيتين، ولا سيّما الثانيةِ أشارتْ إلى أنّ الإنسانَ إ ذا ازدادَ حزنُه، أو ازداد فرحُه لم يتحمَّلْ قلبُه هذا، ولا ذاك، فممَّا يجعلُ حزنَه مقبولاً وسليماً، وممّا يجعلُ فرحَه مقبولاً وسليماً أنْ يرَى الأمورَ مِنَ اللهِ عز وجل، وأنْ يُوَحِّدَ، فإذا وحَّدَ خفَّتْ وطأةُ المصائبِ عليه، وإذا وَحَّدَ خفَّتْ وطأةُ الأفراحِ عليه، فللأفراحِ أحياناً صدمةٌ نفسية كما للأحزانِ تماماً، فكم مِن فقيرٍ ورثَ مالاً طائلاً فماتَ حتْفَ أنفِه؛ لأنه لم يتحمَّلِ الخبرَ، فربُّنا عز وجل يقولُ:{لِّكَيْلَا تَأْسَوْاْ على مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ} أي إذا كنت موحِّداً، ونظرتَ إلى الأمورِ على أنّها مِنَ اللهِ عز وجل فإنّ وطأةَ الأحزانِ تخفُّ على قلبِك، وشدّةَ الأفراحِ تخفُّ على قلبِك، فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَأ أَصَابَ أَحَداً قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذِهَابَ هَمِّي، إِلَاّ أَذْهَبَ اللهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَحاً" قَالَ: فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا نَتَعَلَّمُهَا؟ فَقَالَ: "بَلَىَ، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا".